مشاهدة النسخة كاملة : فرقة الماتريدية


محروم
اليوم, 01:20 PM
لتعريف بالماتريدية


الماتريدية: فرقة كلامية (بدعية)، تُنسب إلى أبي منصور الماتريدي، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها، من المعتزلة والجهمية وغيرهم، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية.

محروم
اليوم, 01:21 PM
مؤسسها

هو الإمام أبو منصور، محمد بن محمد بن محمود بن محمد، الماتريدي (1) السمرقندي الحنفي. المتكلم الملقب بإمام الهدى وعلم الهدى إمام المتكلمين مصحح عقائد المسلمين قدوة أهل السنة ورافع أعلام السنة والجماعة... أما تاريخ ميلاد الإمام أبي منصور الماتريدي فلم يذكره أحد فيما أعلم ....ولم أظفر على تاريخ ميلاد الماتريدي لا من خلال ترجمته ولا من خلال تراجم شيوخه بدقة غير أن شيخين للماتريدي وجدت لهما تاريخ وفاتهما:
الأول محمد بن مقاتل الرازي فقد توفي سنة 248هـ
والثاني نصير بن يحيى البلخي وهو توفي سنة 268هـ فبالنظر إلى تاريخ وفاة شيخه الأول يكون عمر الماتريدي عشر سنوات حين وفاة شيخه هذا لأن الماتريدي لم يكن على طريقة المحدثين حتى يبكر للسماع فإن صح هذا التقريب يكن ميلاد الماتريدي سنة 238هـ والله أعلم وحول هذا التقريب تدور آراء الباحثين المعاصرين (2) لكن كون الرازي هذا شيخا للماتريدي غير ثابت فالأولى في ميلاده 258هـ .
وأما وفاته فاتفق المترجمون للماتريدي - فيما أعلم - أنه توفي سنة (333هـ) .
إلا ما وقع عند حاجي خليفة في موضع من أنه توفي سنة (332هـ) .
مع أنه قد وقع عنده في مواضع أنه توفي سنة (333هـ) موافقا لبقية المؤرخين. وقد شذ الكوثري عن الجماعة بدون برهان كعادته فادعى أنه توفي سنة (332هـ). ووقع عند عبد العزيز الفريهاري الهندي أنه توفي سنة (335هـ).
قلت: هذا إما وهم من الفريهاري نفسه، أو خطأ مطبعي، لأنه قول شاذ بدون برهان.
وذكر بعض المعاصرين من الماتريدية: أن طاش كبرى زاده قال في (طبقات الفقهاء) : " وقيل: سنة (336هـ) (3) .
قلت: راجعت (طبقات الفقهاء) و(مفتاح السعادة) لطاش كبرى زاده ففيهما ما يوافق الجماعة.
الحاصل: أن الصحيح هو أن الماتريدي توفي سنة (333هـ) أما بقية الأقوال، فلا اعتبار لها. (6)
وقد تلقى علوم الفقه الحنفي والكلام على أحد كبار علماء ذلك العصر وهو نصر بن يحيى البلخي المتوفى سنة 368 هـ، وغيره من كبار علماء الأحناف، كأبي نصر العياض وأبي بكر أحمد الجوزجاني وأبي سليمان الجوزجاني، حتى أصبح من كبار علماء الأحناف وقد تتلمذ عليه بعض المشاهير في علم الكلام.
لقد كان لأبي منصور مناظرات ومجادلات عديدة مع المعتزلة في الأمور التي خالفهم فيها، وقد اتحد في الهدف مع الأشعري في محاربة المعتزلة وكان معاصرا له، وأما في العقائد فكان على اتفاق مع ما قرره أبو حنيفة في الجملة، مع مخالفته في أمور وله مؤلفات كثيرة في مختلف الفنون، منها: (بيان وهم المعتزلة تأويلات أهل السنة) - (الدرر في أصول الدين) - (الرد على تهذيب الكعبي في الجدل ) - (عقيدة الماتريدية) - (كتاب التوحيد وإثبات الصفات ) - (كتاب الجدل) - (مأخذ الشرائع في أصول الفقه) - (المقالات).
وكان يلقب فيما وراء النهر بإمام السنة وبإمام الهدى (4) ، وقد وقف في وجه المعتزلة الذين كانوا فيما وراء النهر إلا أنه كان قريبا منهم في النظر إلى العقل، ولم يغل فيه غلوهم، بل اعتبره مصدراً آخر إضافة إلى المصدر الأساسي وهو النقل، مع تقدم النقل على العقل عند الخلاف بينهما (5) إلا أنه يعتبر معرفة الله واجبة بالعقل قبل ورود السمع وإن الله يعاقبه على عدم هذه المعرفة. (7)
وقال عبد الله المرائي في كتاب (الفتح المبين) في طبقات الأصوليين: "كان أبو منصور قوي الحجة، فحما في الخصومة، دافع عن عقائد المسلمين، ورد شبهات الملحدين.." (1/193، 194). وقال عنه الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه (رجال الفكر والدعوة) "جهبذ من جهابذة الفكر الإنساني، امتاز بالذكاء والنبوغ وحذق الفنون العلمية المختلفة"(ص 139) بل كان يرجِّحه على أبي الحسن الأشعري في كتاب (تاريخ الدعوة والعزيمة) (1/114ـ115)

محروم
اليوم, 01:22 PM
مصنفاته


للماتريدي مؤلفات كثيرة ويمكن تقسيم ما تم الوقوف عليه من أسماء مؤلفاته حسب موضوعاتها إلى ثلاثة أقسام :
الأول: التفسير: للماتريدي تفسير من التفاسير الوسيطة يعرف باسم (تأويلات أهل السنة) أو (تأويلات القرآن) ذكره عامة من ترجموا له وهو معروف ومشهور عند الماتريدية ولا يوازيه عندهم أي تفسير آخر لا قبله ولا بعده وقد وصل إلينا الكتاب كاملًا ونسخه الخطية كثيرة .....وذكر صاحب (كشف الظنون) كتابا آخر باسم (تأويلات الماتريدية في بيان أصول السنة وأصول التوحيد) وقال في وصفه : وهي ما أخذ منه أصحابه المبرزون تلقفًا ولهذا كان أسهل تناولًا من كتبه جمعه الشيخ الإمام علاء الدين محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي وهذا الكتاب موجود منه الجزء الأول فقط في مكتبة خدابخش برقم (294) وقد رجع إليه الدكتور أيوب علي وذكر أن الكتاب ما هو إلا شرح لتفسير الماتريدي والشارح هو علاء الدين أبو بكر السمرقندي.
الثاني: علم الكلام
1- كتاب (التوحيد): يعد كتاب (التوحيد) للماتريدي من أهم مؤلفاته الكلامية وذلك لأنه قد قرر فيه نظرياته الكلامية وبين فيه معتقده في أهم المسائل الاعتقادية فلذلك صار كتاب (التوحيد) المرجع الأساسي في معرفة عقيدة الماتريدية وكل من جاء بعد الماتريدي من الماتريدية اعتمدوا عليه ولم يأتوا بجديد يذكر وكتاب (التوحيد) أيضا من أقدم المراجع الكلامية التي فيها ذكر آراء الفرق الإسلامية وخاصة المعتزلة وكذلك آراء الفرق غير الإسلامية وكتاب (التوحيد) أيضًا من أول الكتب الكلامية التي صدرت بالكلام في نظرية المعرفة والكتاب صعب تناوله فيه كثير من العبارات الغامضة والمعاني المبهمة والألفاظ المغلقة فلهذا قال أبو اليسر البزدودي إن في كتاب (التوحيد) الذي صنفه الشيخ أبو منصور قليل انغلاق وتطويل وفي ترتيبه نوع تعسير.
2- شرح (الفقه الأكبر): من المؤلفات المنسوبة لأبي منصور الماتريدي كتاب (شرح الفقه الأكبر) وهذا الكتاب في نسبته للماتريدي نظر إذ إنه لا يوجد في المصادر التي ترجمت للماتريدي ولا في المصادر التي تهتم بكتب المؤلفين أي إشارة إلى أن الماتريدي قد (شرح الفقه الأكبر) وقد نفى نسبة الكتاب إلى أبي منصور الماتريدي المستشرق الهولندي وينسنك في كتابه (عقيدة المسلمين) وذكر أنه قد رجع إلى عدة نسخ مخطوطة ولم يجد فيها التصريح بنسبته إلى الماتريدي كما أن الكوثري ذكر في مقدمته لكتاب (العالم والمتعلم) أن عدة نسخ مخطوطة بدار الكتب المصرية فيها التصريح بنسبة الكتاب إلى أبي الليث السمرقندي، ومما يؤكد عدم صحة نسبة الكتاب إلى الماتريدي أنه قد ورد في الكتاب نقد لأقوال الأشاعرة في عدة مواضع ومعلوم أن المذهب لم يشتهر كمذهب إلا بعد وفاة الأشعري بفترة زمنية ليست بالقصيرة والماتريدي كان معاصرا للأشعري بل إن وفاتهما متقاربة ولعل الصواب كما ذكر الكوثري وأبو زهرة وغيرهما أن الكتاب لأبي الليث السمرقندي، ومما يؤكد هذا أنه ورد في نص الكتاب عبارة قال الفقيه أبو الليث....
3- (رسالة في العقيدة) ذكر هذه الرسالة البغدادي في (هدية العارفين) وفؤاد سزكين في (تاريخ التراث) وللسبكي شرح لهذه الرسالة بعنوان (السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور) وشكك السبكي في نسبة هذه الرسالة إلى الماتريدي وأشار إلى أنها لبعض تلاميذ الماتريدي ومما يؤكد عدم صحة نسبة الرسالة إلى الماتريدي هو ورود ذكر الأشعرية في نصها بالإضافة إلى أن بقية من ترجم للماتريدي لم يذكروا هذه الرسالة ضمن مؤلفاته.
4- (رسالة في الإيمان) ذكرها أبو المعين النسفي في (التمهيد)
5- (المقالات) يعد كتاب (المقالات) للماتريدي من أقدم كتب المقالات وذلك لتقدم مؤلفه ولكن الكتاب مفقود ولم يعثر على أي نسخة له.
6- (بيان وهم المعتزلة)
7- (رد تهذيب الجدل)
8- (رد وعيد الفساق)
9- (رد أوائل الأدلة)
10- (رد الأصول الخمسة) لأبي محمد الباهلي
11- (الرد على القرامطة)
12- (رد الإمامة) وهو رد على بعض الروافض

الثالث: أصول الفقه
للماتريدي كتابان في أصول الفقه الأول مأخذ الشرائع والثاني الجدل ذكرهما عامة الذين ترجموا له وقال علاء الدين البخاري مبينًا قدر هذين الكتابين وتصانيف أصحابنا (في أصول الفقه) قسمان قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان لصدوره ممن جمع الأصول والفروع مثل (مأخذ الشرائع) وكتاب (الجدل) للماتريدي ونحوهما وقسم وقع في نهاية التحقيق في المعاني وحسن الترتيب لصدوره ممن تصدى لاستخراج الفروع من ظواهر المسموع غير أنهم لما لم يتمهروا دقائق الأصول وقضايا العقول أفضى رأيهم إلى رأي المخالفين في بعض الفصول ثم هجر القسم الأول إما لتوحش الألفاظ والمعاني وإما لقصور الهمم والتواني. وهذان الكتابان لم يعثر على أي نسخة منهما وهما في عداد المفقودات

محروم
اليوم, 01:24 PM
شيوخه وتلاميذه


أولًا: شيوخه
1- محمد بن مقاتل الرازي قال الذهبي في (ميزان الاعتدال) محمد بن مقاتل الرازي لا المروزي حدث عن وكيع وطبقته تكلم فيه ولم يترك... مات سنة ثمان وأربعين ومائتين... وله تصانيف منها المدعي والمدعى عليه.
2- أبو نصر العياضي هو أحمد بن العباس بن الحسين بن جبلة بن غالب بن نوفل بن عياض بن يحيى بن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري السمرقندي أبو نصر العياضي، ذكره الإدريسي في (تاريخ سمرقند) وقال كان من أهل العلم والجهاد ولا أعلم له رواية ولا حديثًا فأذكره، أسره الكفار فقتلوه صبرا في بلاد الترك في أيام نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أسد بن سامان ....وذكر عن أبي القاس الحكيم السمرقندي أنه قال ما أتى الفقيه أبا نصر العياضي أحدًا من أهل البدع والأهواء وأولي الجدل والمراء في الدين بآية من القرآن يحتج بها عليه لمذهبه إلا تلقاه مبتدئًا بما يفحمه ويقطعه وأن رياسة العلماء والدرس كانا إليه وهو من أبناء عشرين سنة وأنه لما استشهد خلف أربعين رجلا من أصحابه كانوا من أقران الشيخ أبي منصور الماتريدي. وذكر النسفي والناصري أن له كتابا في مسألة الصفات.
3- أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني ......وكان الجوزجاني من الجامعين بين علم الأصول وعلم الفروع وكان في أنواع العلوم في الدرجة العالية وله كتاب (الفرق والتمييز) وكتاب (التوبة) وغيرهما.
4- نصير بن يحيى البلخي.....وقيل نصر ...كان بارعا في الفقه الحنفي والكلام توفي سنة 268هـ (1)

ثانيًا: تلاميذه
1- أبو القاسم الحكيم السمرقندي هو أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن زيد القاضي الحكيم السمرقندي ... أخذ الفقه والكلام عن الماتريدي ويعد من أشهر تلاميذ الماتريدي... وذكر أبو المعين أنه توفي سنة 335هـ والذي عليه بقية من ترجموا له أنه مات في محرم يوم عاشوراء سنة اثنين وأربعين وثلاثمائة بسمرقند ... ومن آثار أبي القاسم الحكيم السمرقندي (الرد على أصحاب الهوى) وهو المسمى (بالسواد الأعظم) ويعد من أهم المتون عند الماتريدية... ومن آثار أبي القاسم السمرقندي رسالة صغيرة في الإيمان.
2- علي الرستغفني هو أبو الحسن علي بن سعيد الرستغفني نسبة إلى رستغفن وهي قرية من قرى سمرقند وقد وصف الرستغفني من ترجم له بأنه من كبار مشايخ سمرقند ومن أصحاب الماتريدي الكبار وله ذكر في الفقه والأصول في كتب الحنفية ووقع خلاف بينه وبين الماتريدي في مسألة المجتهد إذا أخطأ في إصابة الحق . عند الماتريدي يكون مخطئا في الاجتهاد وعند أبي الحسن الرستغفني يكون مصيبا في الاجتهاد على كل حال أصاب الحق أو لم يصب . ومن آثاره (إرشاد المهتدي) و(الزوائد والفوائد في أنواع العلوم) و(الأسئلة والأجوبة) و(بيان السنة والجماعة).
3- أبو محمد عبد الكريم البزدوي هو أبو محمد عبد الكريم بن موسى بن عيسى الفقيه البزدوي ... تفقه على أبي منصور الماتريدي وسمع وحدث وقد برع في الفقه خاصة...قال القرشي ذكر في تاريخ نسف أنه مات سنة تسعين وثلاثمائة في رمضان.
4- أبو أحمد العياضي هو أبو أحمد بن أبي نصر أحمد بن العباس العياضي ، وهو ابن أبي نصر العياضي شيخ الماتريدي.
5- أبو عبد الرحمن بن أبي الليث البخاري أخذ عن أبي منصور الماتريدي الكلام والفقه وهو صاحب أبي القاسم الحكيم السمرقندي.

محروم
اليوم, 01:25 PM
أهم آراء الماتريدي إجمالًا


1- لا يرى الماتريدي مسوغًا للتقليد، بل ذمه وأورد الأدلة العقلية والشرعية على فساده وعلى وجوب النظر والاستدلال.
2- يذهب في نظرية المعرفة إلى لزوم النظر والاستدلال، وأنه لا سبيل إلى العلم إلا بالنظر، وهو قريب من آراء المعتزلة والفلاسفة في هذا، ثم يذكر أدلة كثيرة على وجود الله، مستخدمًا أدلة المعتزلة والفلاسفة في حدوث الأجسام وأنها دليل على وجود الله.
3- يوافق في الاعتقاد في أسماء الله السلف، ويرى أن أسماء الله توقيفية، فلا نطلق على الله أي اسم إلا ما جاء به السمع، إلا أنه يؤخذ على الماتريدية أنهم لم يفرقوا بين باب الإخبار عن الله وبين باب التسمية فأدخلوا في أسمائه ما ليس منها كالصانع والقديم والشيء، والسلف يخالفونهم في هذا وقد عطل الماتريدية كثير من أسماء الله تعالى وأولوها.
4- يرى أن المؤمنين يرون ربهم والكفار لا يرونه، ويخالف الأشعري هنا في أن الماتريدي يرى أن الأدلة على إمكان رؤية الله تعالى عقلًا غير ممكنة، بينما يستدل عليها أبو الحسن الأشعري بالعقل، إلا أنهم خالفوا السلف فنفوا المقابلة والجهة مطلقًا، وذلك بسبب نفيهم عن الله علو الذات كما أن إثباتهم للرؤية ونفي الجهة والمقابلة فيه تناقض فإن الله تعالى يرى في جهة العلو.
5- هو أقرب ما يكون إلى السلف في سائر الصفات، فهو يثبت الاستواء على العرش وبقية الصفات دون تأويل لها ولا تشبيه، أي في الصفات التي تثبت عند الماتريدية بالعقل لكنهم يؤولون ما عداها، كما أنهم يعتقدون أن صفات الله لا هي هو ولا غيره وهو تناقض منهم.
6- في القضاء والقدر هو وسط بين الجبر والاختيار، فالإنسان فاعل مختار على الحقيقة لما يفعله ومكتسب له وهو خلق لله، حيث يخلق للإنسان عندما يريد الفعل قدرة يتم بها، ومن هنا يستحق الإنسان المدح أو الذم على هذا القصد، وهذه القدرة يقسمها إلى قسمين:
قدرة ممكنة: وهى ما يسميها: لسلامة الآلات وصحة الأسباب.
وقدرة ميسرة، زائدة على القدرة الممكنة: وهى التي يقدر الإنسان بها على الفعل المكلف به مع يسر، تفضلا من الله تعالى.
يقول الماتريدي بخلق أفعال العباد، وهو يفرق بين تقدير المعاصي والشرور والقضاء بها وبين فعل المعاصي، فالأول من الله والثاني من العبد بقدرته واختياره وقصده. ويمنع أبو منصور من إضافة الشر إلى الله فلا يقال: رب في الأوراث والخبائث ولو أنه خالق كل شيء، وهذا الشق الأخير معروف عن السلف، أما تقسيمه القدرة وجعل العبد فاعلا باختياره وقصده وقدرته من وجه، ولو كان الله هو الفاعل من وجه آخر، فيه حيد عن مذهب السلف في ذلك، ونسبة الماتريدية الفعل إلى العبد يقصدون به أن الله لا يخلق فعل العبد إلا بعد أن يريده العبد ويختاره فيصبح ذلك العمل كسبًا له يجازي به حسب اختياره له وإرادته المستقلة له.
في مسائل الإيمان: لا يقول بالمنزلة بين المنزلتين، ولا يقول بخروج مرتكب الكبيرة عن الإسلام. ويرى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، دون الإقرار باللسان، ومن هنا يفترق الماتريدي عن السلف. وعنده لا يجوز الاستثناء في الإيمان، لأن الاستثناء يستعمل في موضع الشكوك والظنون. وهو كفر، وأهل السنة قالوا بجواز الاستثناء في الإيمان لأنه يقع على الأعمال لا على أصل الإيمان أو الشك في وجود الإيمان.

محروم
اليوم, 01:30 PM
: نشأة الماتريدية وأهم زعمائها


نتحدث الآن عن تطورهم الذي مر بالأدوار المهمة التاريخية التي تدل على نشاطهم البالغ المتواصل لنشر العقيدة الكلامية الماتريدية . ليعرف بهذه الدراسة تطور الماتريدية والأدوار التي مرت عليها. وتكون هذه الدراسة بمثابة تاريخ إجمالي للماتريدية ويتم كل ذلك بتوفيق الله تعالى ومشيئته سبحانه.
فأقول: لقد مرت بالماتريدية أدوار أهمها ما يلي:
أ‌- دور تأسيسي (258 - 333هـ) وهو دور أبي منصور الماتريدي إمام الماتريدية ويمتاز هذا الدور بأنه دور النشأة والتأسيس كما يمتاز بشدة النطاح بين الماتريدي وبين المعتزلة كما يظهر من تأليفات الماتريدي فيما سبق ومن خلال نصوص الماتريدي ضد المعتزلة في كتبه.
ب‌- دور تكويني (333 - 400هـ) وهو دور تلامذة الماتريدي ومن تأثر به بعده وتلامذة تلامذته، ويمتاز هذا الدور بأنه تكونت فيه فرقة كلامية ماتريدية وظهرت على وجه الأرض كما يمتاز بوجود تلامذة الماتريدي الذين نشروا أفكار شيخهم وإمامهم والدفاع عنه، وقد ذكرنا نبذة عن تلامذة الماتريدي وتأليفاتهم الكلامية في الفصل الأول.
ج - دور بزدوي (400 - 500هـ) وهذا الدور تمديد لسابقه بالنشر والتأليف، ومن أهم شخصيات هذا الدور " أبو اليسر البزدوي (493هـ) أخو " فخر الإسلام " (482هـ).
د- دور نسفي (500 - 700هـ) وهذا الدور كاسمه نسف العقيدة السلفية في الصفات نسفًا أكثر من سابقه وامتاز بكثرة التأليف، وجمع الأدلة للعقيدة الماتريدية.
ومن أهم أعيان هذا الدور أبو المعين النسفي (508هـ)، ونجم الدين عمر النسفي (537هـ)، وحافظ الدين عبد الله النسفي (710هـ) وهو أكبر أدوار العقيدة الماتريدية السابقة.
هـ - و في بداية هذا الدور دور آخر: وهو دور صابوني يمتاز بكثرة المناظرات بين الماتريدية ، وبين الأشعرية. وأهم شخص في هذا الدور هو أبو محمد نور الدين أحمد بن محمد الصابوني (580هـ). (6)
وقد اعتمد الصابوني في دراسته لأصول الدين على كتاب (تبصرة الأدلة) لأبي المعين النسفي كما ورد ذلك عنه فيما ذكره الرازي في مناظرته له قال الرازي قال لي (أي: الصابوني) يا أيها الرجل إني كنت قد رأيت كتاب (تبصرة الأدلة) لأبي معين النسفي واعتقدت أنه لا مزيد على ذلك الكتاب في التحقيق والتدقيق...ذكر القرشي أن له (البداية في أصول الدين) و(المغني في أصول الدين) وذكر ابن قطلوبغا وصاحب (الطبقات السنية) وحاجي خليفة أن له (الهداية في علم الكلام) وأنه اختصره في كتاب سماه (البداية) وذكر البغدادي (المختصر) بعنوان (بداية مختصر الهداية) وذكر حاجي خليفة أن له كتابًا بعنوان (الكفاية في الهداية) واختصره في كتاب سماه (العمدة) وذكر البغدادي أن (الكفاية) شرح (للهداية) (7)
و- دور عثماني: نسبة إلى الدولة العثمانية (700 - 1300هـ).
وهذا الدور جمع الأدوار الماتريدية الكثيرة.
ومنها دور صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود (؟ - 747هـ).
ومنها دور التفتازاني (712 - 792هـ) .
ومنها دور الجرجاني (740 - 816هـ) .
ومنها دور الكمال ابن الهمام (790 - 861هـ) . (8)
وهو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي الأصل السكندري القاهري الحنفي من مؤلفات ابن الهمام (فتح القدير) في الفقه، وهو شرح (الهداية) ولم يتمه وصل فيه إلى أثناء الوكالة... وله (التحرير في أصول الفقه)... وله أيضا (المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة) .... وقد طبع الكتاب عدة مرات ويعد كتاب (المسايرة) من المراجع المهمة في معرفة عقيدة الماتريدية ومعرفة المسائل الوفاقية والخلافية بين الأشاعرة والماتريدية (9)
وغيرها من الأدوار التي تتصل بالدولة العثمانية.
وهذه الأدوار كلها ترجع إلى أم الأدوار ألا وهو الدور العثماني الذي يعد أهم الأدوار الماتريدية حيث بلغ هذا الدور إلى أوج الكمال حيث يستظل هذا الدور بظل الدولة العثمانية ويتمتع بخيراتها، لأن الدولة العثمانية كانت دولة حنفية الفروع ماتريدية العقيدة. فكان سلطان الماتريدية يتسع حسب اتساع سلطان الدولة العثمانية وكان جل القضاة، والمفتين وخطباء الجوامع، ورؤساء المدارس حنفية الفروع ماتريدية العقيدة، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى كثرت في هذا الدور تأليف أنواع الكتب الكلامية من المتون، والشروح، والشروح على الشروح، والحواشي، والحواشي على الحواشي، والتنكيتات، كما كان بين الماتريدية والأشعرية ائتلاف كأنهما فرقة واحدة صعب التمييز بينهما.
و في هذا الدور انتشرت العقيدة الماتريدية في شرق الأرض وغربها في هندها، وتركها، وفارسها، ورومها، وعربها، وعجمها.
ز- دور ديوبندي (1283هـ - إلى ما شاء الله) نسبة إلى جامعة ديوبند التي أسسها الشيخ محمد قاسم النانوتوي إمام الديوبندية (1297هـ) سنة (1283هـ).
ويمتاز هذا الدور بكثرة التأليف في علم الحديث من شروح وغيرها، والديوبندية أئمة في العلوم النقلية، والعقلية كما هم في قمة من الزهد، والتأله، وهم خدموا الإسلام وحاربوا الشرك والبدع إلى حد كبير غير أنهم حرفوا الأحاديث إلى مذهبهم الحنفي الفقهي، والكلامي الماتريدي كما يتضح من كتبهم وهم في غاية من التعصب للمذهب الحنفي والتقليد الأعمى حتى جعلوا كثيرا من الأحاديث حنفية بالتأويلات الباطلة.
كما أنهم ناصبوا العداء لـ (أهل السنة) الذين يسميهم المغرضون باسم (الوهابية) ، فيسبونهم أشنع السباب، وينبزونهم بأبشع الألقاب.
ومن ميزات هذا الدور البارز أيضا أنهم ديوبندية كما هم حنفية الفروع ماتريدية العقيدة كذلك هم متصوفة محضة، وعند كثير منهم بدع قبورية كما يشهد عليهم كتابهم (المهند على المفند) لـ (الشيخ خليل أحمد السهارنفوري أحد أئمة الديوبندية ، وهو أهم كتب الديوبندية في العقيدة وعليه توقيعات لكبار علمائهم ...
بل في كبار أئمة الديوبندية من ساير الكوثري في شتائم أئمة الإسلام - كالبنوري الديوبندي فله مقدمة خطيرة مسمومة فتاكة أبعد غورا في الضلال والإضلال، و فيها ما لا يخطر بالبال من إجلال الكوثري، وشتائم أئمة الإسلام .
وللديوبندية شعبتان مهمتان: شعبة التعليم والتدريس، وشعبة التبليغ والتربية وهي المعروفة بـ (جماعة التبليغ) لها حسنات عملية كثيرة.
ولهذه الجماعة لون آخر في دورهم من أدوار الماتريدية يبثون أفكارهم الصوفية وأنظارهم العقدية الماتريدية بطرق خفية تدريجية حتى اغتر بهم كثير من أصحاب العقيدة السلفية ولكن لابد للحقيقة أن تظهر.
وقد ألف الشيخ أرشد القادري البريلوي أحد كتاب " البريلوية " كتابا بعنوان (الزلزلة) ذكر فيه نصوصا صريحة لكبار علماء الديوبند تتضمن البدع القبورية والخرافات بل الشركيات الصريحة وحاكمهم محاكمة دقيقة.
وقد اعترف بذلك الشيخ عامر العثماني مدير مجلة " التجلي " " بديوبند " أحد كبار كتاب الديوبندية وصرح أن كل بلاء وبدعة وخرافة دخلت على الديوبندية إنما دخلت من أبواب التصوف (1) .
ح- دور بريلوي (1272هـ - إلى ما شاء الله) : نسبة إلى زعيمهم: أحمد رضا خان الأفغاني الحنفي الماتريدي الصوفي القبوري الملقب بعبد المصطفى (1340هـ) .
ويمتاز هذا الدور بالإشراك الصريح، وعبادة القبور فهي فرقة وثنية محضة.
كما يمتاز بشدة العداوة مع الديوبندية وتكفيرهم فضلا عن تكفير (أهل السنة) الذين يسميهم المغرضون بـ (الوهابية) .
ط- دور كوثري (1296هـ - إلى ما شاء الله) : منسوب إلى الشيخ محمد زاهد الكوثري الجركسي الحنفي الماتريدي عدو السلفية (1371هـ) .
ويمتاز هذا الدور بشدة العداء لأهل السنة والطعن في أئمة الإسلام ولعنهم وجعلهم وثنية مشركين كفارا عبدة الأوثان، والأصنام، مجسمة مشبهة.
وجعل كتب السلف ككتب (التوحيد)، و(السنة)، و(الإبانة)، و(الشريعة)، و(الصفات)، و(العلو)، وغيرها في شرح عقيدة أئمة السنة - كتب وثنية، وكتب كفر، وكتب شرك، وكتب تجسيم، وتشبيه.
كما يمتاز هذا الدور بالدعوة إلى الإشراك وعبادة القبور، وجواز بناء المساجد والقبب عليها تحت ستار التوسل.
وكتب الكوثري (1296 - 1371هـ) شاهدة لما ذكرنا، وقد حاول الكوثري أن يحيي دولة الجهم، والمريسي، وابن أبي دؤاد كما حاول أن يحيي دول القبورية.
ي- دور فنجفيري (من 1370هـ) وينسب هذا الدور إلى زعيم الجماعة الفنجفيرية: شيخ القرآن محمد طاهر بن آصف الحنفي الماتريدي الديوبندي النقشبندي (1407هـ) رحمه الله.
واسم هذه الجماعة: " جماعة إشاعة التوحيد والسنة " وهي فرع لـ (الديوبندية) ، (النقشبندية الصوفية) .
وهي جماعة لها دور كبير ونشاط طيب في نشر ترجمة القرآن الكريم ، والقضاء على الإشراك والبدع القبورية وإحياء كثير من السنن في مناطق بشاور ومردان، والقبائل الحرة وغيرها في باكستان وكثير من المناطق في أفغانستان ولهم مساع جميلة يشكرون عليها غير أنهم ماتريدية في باب الصفات، ولهم مدارس خاصة يدرسون فيها كتب الماتريدية ، وهم حنفية متعصبة في الفقهيات لهم عداء شديد لأهل الحديث في تلك المناطق، حتى لا يتحاشون الكذب الصريح، والافتراء القبيح إلا من شاء الله منهم.
وقد بلغ بهم التقليد إلى تحريف الأحاديث؛ فقد قال شيخهم:
إن المراد من أحاديث رفع اليدين، رفعهما عن السرة والركبة (2) .
ويزعم زعيمهم الشيخ محمد طاهر المذكور في حق أهل الحديث المعاصرين لهم: أنهم إخوان القاديانيين (3) الأصاغر (4) .
ولكونه صوفيا نقشبنديا أوصى تلاميذه بأن يكونوا علماء صوفية بلا ترجيح طرق بعضهم على بعض، ولا إنكار على المغلوبين من الصوفية ولا على المؤولين في السماع وغيره.
ولأجل ماتريديتهم يثنون على الماتريدي بأنه " إمام الهدى " و " إمام أهل السنة " و على " تأويلاته".
ويجعلون السلف مفوضة ويعدون المؤولة في أهل السنة.
هذه بعض الأدوار المهمة للماتريدية بمثابة تاريخ إجمالي للماتريدية .
و فيما يلي نتحدث إن شاء الله عن أسباب انتشار الماتريدية وبسط سلطانهم.
أ‌- دور ندوي:
المدرسة الندوية الهندية لا تختلف عن المدرسة الديوبندية ، الفنجفيرية.
في كونها ماتريدية وعلى غير الطريقة السلفية.
وذلك أن إمام الندوية الشيخ أبا الحسن الندوي - مع تظاهره بالسلفية - قد بالغ في الثناء على الماتريدي وطريقته وكتبه ورجحه على الأشعري (5) .
فقد أبان الندوي عن حقيقة سلفيته بإكباره وإجلاله لماتريديته.
وما كل مخضوب البنان بثينة[وما كل مصقول الحديد يمانيا. (10) ]
الخلاصة:
يمكن إجمالها في أربع مراحل رئيسية كالتالي:
· مرحلة التأسيس: (000ـ333هـ) والتي اتسمت بشدة المناظرات مع المعتزلة وصاحب هذه المرحلة: أبو منصور الماتريدي.....عاصر أبا الحسن الأشعري، وعاش الملحمة بين أهل الحديث وأهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، فكانت له جولاته ضد المعتزلة وغيرهم، ولكن بمنهاج غير منهاج الأشعري، وإن التقيا في كثير من النتائج غير أن المصادر التاريخية لا تثبت لهما لقاء أو مراسلات بينهما، أو إطلاع على كتب بعضها.
ـ توفي عام 333هـ ودفن بسمرقند، وله مؤلفات كثيرة: في أصول الفقه والتفسير. ومن أشهرها: (تأويلات أهل السنة) أو (تأويلات القرآن) وفيه تناول نصوص القرآن الكريم، ولا سيما آيات الصفات، فأوَّلها تأويلات جهمية. و من أشهر كتبه في علم الكلام كتاب (التوحيد) وفيه قرر نظرياته الكلامية، وبيَّن معتقده في أهم المسائل الاعتقادية، ويقصد بالتوحيد: توحيد الخالقية والربوبية، وشيء من توحيد الأسماء والصفات، ولكن على طريقة الجهمية بتعطيل كثير من الصفات بحجة التنزيه ونفي التشبيه؛ مخالفاً طريقة السلف الصالح. كما ينسب إليه شرح كتاب (الفقه الأكبر) للإمام أبي حنيفة، وله في الردود على المعتزلة (رد الأصول الخمسة) وأيضاً في الرد على الروافض (رد كتاب الإمامة) لبعض الروافض، وفي الرد على القرامطة (الرد على فروع القرامطة).
· مرحلة التكوين: ( 333ـ500هـ ): وهي مرحلة تلامذة الماتريدي ومن تأثر به من بعده، وفيه أصبحت فرقة كلامية ظهرت أولاً في سمرقند، وعملت على نشر أفكار شيخهم وإمامهم، ودافعوا عنها، وصنفوا التصانيف متبعين مذهب الإمام أبي حنيفة في الفروع (الأحكام)، فراجت العقيدة الماتريدية في تلك البلاد أكثر من غيرها. ومن أشهر أصحاب هذه المرحلة: أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل الحكيم السمرقندي (342هـ)، عرف بأبي القاسم الحكيم لكثرة حكمه ومواعظه، وأبو محمد عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي (390هـ).
· ثم تلى ذلك مرحلة أخرى تُعتبر امتداداً للمرحلة السابقة. ومن أهم وأبرز شخصياتها:
ـ أبو اليسر البزدوي (421ـ493هـ): هو محمد بن محمد بن الحسين بن عبدالكريم، والبزدوي نسبة إلى بزدوة ويقال بزدة، ولقب بالقاضي الصدر، وهو شيخ الحنفية بعد أخيه الكبير علي البزدوي، ولد عام (421هـ).
ـ تلقى العلم على يد أبيه، الذي أخذه عن جده عبد الكريم تلميذ أبي منصور الماتريدي، قرأ كتب الفلاسفة أمثال الكندي، وغيره، وكذلك كتب المعتزلة أمثال الجبائي، والكعبي، والنّظام، وغيرهم، وقال فيها: "لا يجوز إمساك تلك الكتب والنظر فيها؛ لكي لا تحدث الشكوك، وتوهن الاعتقاد"، ولا يرى نسبة الممسك إلى البدعة. كما اطلع على كتب الأشعري، وتعمق فيها، وقال بجواز النظر فيها بعد معرفة أوجه الخطأ فيها، كما اطلع على كتابي (التأويلات)، و(التوحيد) للماتريدي فوجد في كتاب (التوحيد) قليل انغلاق وتطويل، وفي ترتيبه نوع تعسير، فعمد إلى إعادة ترتيبه وتبسيطه مع ذكر بعض الإضافات عليه في كتاب (أصول الدين).
ـ أخذ عن الشيخ أبو اليسر البزدوي جمٌّ غفير من التلاميذ؛ ومن أشهرهم: ولده القاضي أبو المعاني أحمد، ونجم الدين عمر بن محمد النسفي صاحب (العقائد النسفية)، وغيرهما.
ـ توفي في بخارى في التاسع من رجب سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة.
· مرحلة التأليف والتأصيل للعقيدة الماتريدية: (500ـ700هـ): وامتازت بكثرة التأليف وجمع الأدلة للعقيدة الماتريدية؛ ولذا فهي أكبر الأدوار السابقة في تأسيس العقيدة، ومن أهم أعيان هذه المرحلة:
ـ أبو المعين النسفي (438ـ508هـ): وهو ميمون بن محمد بن معتمد النسفي المكحولي، والنسفي نسبة إلى نسف وهي مدينة كبيرة بين جيحون وسمرقند، والمكحولي نسبة إلى جده الأكبر، ولكن نسبته إلى بلده غلبت نسبته إلى جده، وله ألقاب عدة أشهرها: سيف الحق والدين.
ـ ويعد من أشهر علماء الماتريدية، إلا أن من ترجم له لم يذكر أحداً من شيوخه، أو كيفية تلقيه العلم، يقول الدكتور فتح الله خليف: "ويعتبر الإمام ! أبو المعين النسفي من أكبر من قام بنصرة مذهب الماتريدي، وهو بين الماتريدية كالباقلاني والغزالي بين الأشاعرة، ومن أهم كتبه (تبصرة الأدلة)، ويعد من أهم المراجع في معرفة عقيدة الماتريدية بعد كتاب (التوحيد) للماتريدي، بل هو أوسع مرجع في عقيدة الماتريدية على الإطلاق، وقد اختصره في كتابه (التمهيد)، وله أيضاً كتاب (بحر الكلام)، وهو من الكتب المختصرة التي تناول فيها أهم القضايا الكلامية".
ـ توفي في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة ثمانٍ وخمسمائة، وله سبعون سنة.
ـ نجم الدين عمر النسفي (462ـ537هـ): هو أبو حفص نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل … بن لقمان الحنفي النسفي السمرقندي، وله ألقاب عدة أشهرها: نجم الدين، ولد في نسف سنة إحدى أو اثنتين وستين وأربعمائة.
ـ كان من المكثرين من الشيوخ، فقد بلغ عدد شيوخه خمسمائة رجلاً ومن أشهرهم: أبو اليسر البزدوي، وعبد الله بن علي بن عيسى النسفي. وأخذ عنه خلقٌ كثير، وله مؤلفات بلغت المائة، منها: (مجمع العلوم)، (التيسير في تفسير القرآن)، (النجاح في شرح كتاب أخبار الصحاح في شرح البخاري) وكتاب العقائد المشهورة بـ(العقائد النسفية) ، والذي يعد من أهم المتون في العقيدة الماتريدية وهو عبارة عن مختصر (لتبصرة الأدلة) لأبي المعين النسفي قال فيه السمعاني في ترجمة له: "كان إماماً فاضلاً متقناً، صنَّف في كل نوع من التفسير والحديث.. فلما وافيت سمرقند استعرت عدة كتب من تصانيفه، فرأيت فيها أوهاماً كثيرة خارجة عن الحد، فعرفت أنه كان ممن أحب الحديث، ولم يرزق فهمه".
ـ توفي بسمرقند ليلة الخميس ثاني عشر من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.
· مرحلة التوسع والانتشار: (700ـ1300هـ): وتعد من أهم مراحل الماتريدية حيث بلغت أوجَ توسعها وانتشارها في هذه المرحلة؛ وما ذلك إلا لمناصرة سلاطين الدولة العثمانية، فكان سلطان الماتريدية يتسع حسب اتساع سلطان الدولة العثمانية، فانتشرت في: شرق الأرض، وغربها، وبلاد العرب، والعجم، والهند، والترك، وفارس، والروم.
وبرز فيها أمثال: الكمال بن الهمام صاحب (المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة) ، والذي ما زال يدرَّس في بعض الجامعات الإسلامية. وفي هذا الدور كثرت فيها تأليف الكتب الكلامية من: المتون، والشروح، والشروح على الشروح، والحواشي على الشروح.
وهناك مدراس مازالت تتبنى الدعوة للماتريدية في شبه القارة الهندية وتتمثل في:
ـ مدرسة ديوبند و الندوية (1283هـ ـ …) وفيها كثر الاهتمام بالتأليف في علم الحديث وشروحه، فالديوبندية أئمة في العلوم النقلية والعقلية؛ إلا أنهم متصوفة محضة، وعند كثير منهم بدعٌ قبورية، كما يشهد عليهم كتابهم (المهنَّد على المفنَّد) لـ الشيخ خليل أحمد السهارنفوري أحد أئمتهم، وهو من أهم كتب الديوبندية في العقيدة، ولا تختلف عنها المدرسة الندوية في كونها ماتريدية العقيدة.
ـ مدرسة البريلوي (1272هـ ـ…) نسبة إلى زعيمهم أحمد رضا خان الأفغاني الحنفي الماتريدي الصوفي الملقب بعبد المصطفى (1340هـ) وفي هذا الدور يظهر الإشراك الصريح، والدعوة إلى عبادة القبور، وشدة العداوة للديوبندية، وتكفيرهم فضلاً عن تكفير أهل السنة.
ـ مدرسة الكوثري ( 1296هـ ـ …) و تنسب إلى الشيخ محمد زاهد الكوثري الجركسي الحنفي الماتريدي (1371هـ) ويظهر فيها شدة الطعن في أئمة الإسلام ولعنهم، وجعلهم مجسمة ومشبهة، وجعل كتب السلف ككتب: (التوحيد)، (الإبانة)، (الشريعة)، و(الصفات)، و(العلو)، وغيرها من كتب أئمة السنة، كتب وثنيةٍ وتجسيمٍ وتشبيهٍ، كما يظهر فيها أيضاً شدة الدعوة إلى البدع الشركية وللتصوف من تعظيم القبور والمقبورين تحت ستار التوسل. انظر تعليقات الكوثري على كتاب (الأسماء والصفات) للبيهقي، وكتاب (مقالات الكوثري).

محروم
اليوم, 01:32 PM
أسباب انتشار الماتريدية


انتشرت الماتريدية في بقاع الأرض شرقها، وغربها لأسباب أهمها ما يلي:
1- السبب الرئيس، بل أهم الأسباب، اعتناق السلاطين والملوك للمذهب الحنفي، فبسبب ذلك انتشر المذهب الحنفي في شرق الأرض وغربها، وعربها، وعجمها، وفارسها ورومها، وبانتشار الحنفية ونفوذ سلطانهم انتشرت الماتريدية ، لأن الماتريدية كانوا يمثلون المذهب الحنفي، وهذه حقيقة اعترف بها الحنفية الماتريدية .
2- ومن المعروف في التاريخ عبر القرون أن أية دولة إذا كانت تميل إلى فرقة ما تسهل وتوفر لعلمائها مناصب القضاء، والإفتاء والرئاسة والخطابة والتأليف، والتدريس؛ فيجدون أسبابا كثيرة وطرقا ميسورة لبسط سلطانهم على القلوب والأبدان، ونفوذ تأثيرهم على الشعوب والأوطان وتشجعهم الدولة أيضا بإنشاء المدارس والجوامع، وبذلك تنشر أفكارهم ويزداد نشاطهم.
قال الشاه ولي الله الدهلوي (1176هـ) في بيان سبب انتشار الحنفية:
" فأي مذهب كان أصحابه مشهورين، وسد إليهم القضاء، والإفتاء، واشتهرت تصانيفهم في الناس، ودرسوا درسا ظاهرا، انتشر في أقطار الأرض ، ولم يزل ينتشر كل حين، وأي مذهب كان أصحابه خاملين، ولم يولوا القضاء، والإفتاء، ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين "
وقد صرح العلامة عبد الحي اللكنوي أن سبب شيوع مذهب الحنفية تولية الإمام أبي يوسف قضاء القضاة زمن هارون الرشيد (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
" وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر، والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي (محمد بن المنصور 168هـ) والرشيد (هارون بن محمد المهدي 193هـ) ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين كان أهل السنة في تلك الأيام أكثر وأقوى، وأهل البدع أقل، وأذل . . ؛
ولكن كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة، وكانت الشريعة أعز وأظهر، وكان القيام بجهاد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين أعظم.
و في دولة أبي العباس المأمون (218هـ) ظهر (الخرمية) (2) ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل (يعني الفلاسفة) المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وأرسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة . . فتولد من ذلك محنة الجهمية، حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات، والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام وغيره ما جرى مما يطول وصفه إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ [ البقرة:156] .
وكان في أيام المتوكل (جعفر بن محمد المعتصم 247هـ) قد عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم. . " . إلى آخر ذلك الكلام المهم في مقارنة الملوك والدول ومعاملتهم مع الإسلام وأهله والسنة وأهلها.
الحاصل: أن مناصرة الملوك والسلاطين والأمراء لمذهب ما وتشجيعهم لعلمائه من أهم أسباب انتشاره، كما يقال: " الناس على دين ملوكهم " ، وهذا واقع غالبا، وهذا من الأسباب الرئيسة لنشر العقيدة الأشعرية في البلاد الشامية، والمغربية أيضا .
قال أبو عذبة: " و في بلاد الهند على كثرتها، وسعتها، وبلاد الروم على كثرتها وسعتها - مع كونهم بأسرهم حنفية - عقائد الماتريدية " (3) .
وهكذا انتشرت الماتريدية وعقائدهم في بلاد ما وراء النهر، والترك، والأفغان، والهند، والصين وما والاها.
وقوى هذا السبب لنشر العقيدة الماتريدية في الهند وما جاورها، أن العلماء والمشائخ الذين وردوا الهند في عهود الملوك المسلمين - كان جلهم من علماء ما وراء النهر الذي كان معظم اعتمادهم على كتب المتأخرين من فقهاء الحنفية وكان عنايتهم بكتب السنة تحلة للقسم وكانوا مولعين بخرافات اليونان فأصبح مسلموا الهند يتسكعون في ظلمات علوم اليونان.
وافتخر الكوثري افتخارا عظيما بكثرة الحنفية في بقاع الأرض قائلاً:
" . . . فالحنفية في السند لا تقل عن خمسة وسبعين مليونا، و في الصين عن خمسين مليونا، وفي بلاد الروس ، والقوقاس ، والقزان وبخارى ، وسيبريا، وما والاها عن خمسين مليونا أيضا ، و في بلاد الرومان، والعرب ، ودربوسنا ، وهرسك، والألبان، والبلغار ، واليونان ، والبلاد العثمانية القديمة في القارات الثلاث، يعني آسيا، وأوروبا، وأفريقيا، عن خمسين مليونا أيضا ، سوى من بلاد الأفغان، وبلاد الحبشة ، ومصر ، وطرابلس الغرب ، وتونس ، وأفريقيا الجنوبية، وغيرها. . " .
قلت: نستدل بكلام الكوثري هذا - مع مجازفته - على كثرة الماتريدية وانتشارهم على البسيطة تبعا لانتشار الحنفية: ولكن عدد الماتريدية أقل من الحنفية؛ لأن في الحنفية جهمية أولى، ومعتزلة، وزيدية، وكرامية، واتحادية، وحلولية، والمتفلسفة، ونذرا قليلا من السلفية، كما أن النساء، والعوام وأصحاب الحرف من الفلاحين وغيرهم ليسوا من الماتريدية في شيء وإن هم انتسبوا إلى الماتريدية ظاهرا؛ فمن في هؤلاء من يزعم أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا فوق ولا تحت؟ ومن فيهم من يقول: إن كلام الله كلام نفسي لا بحرف ولا بصوت وأن هذا القرآن العربي مخلوق ليس كلام الله بل هو دال على كلام الله؟
ومن فيهم من يقول: إن موسى عليه السلام لم يسمع كلام الله بل سمع صوتا مخلوقا في الشجرة إلى آخر تلك الحماقات الكلامية الماتريدية ؟ .
فهؤلاء كلهم في الحقيقة على الفطرة فلا يصح ظن الظان أن الماتريدية والأشعرية تمثل أهل السنة وأنهم الكثرة الكاثرة والجمهور وأنهم السواد الأعظم (4) .
بل الحقيقة أن الفريقين من الماتريدية والأشعرية قلة قليلة والذي اشتهر خلافه فهو خلاف الواقع والحقائق الملموسة.
2- مدارس الماتريدية ، ونشاطهم الدراسي والتدريسي:
لمدارس الماتريدية دور عظيم في نشر عقيدتهم، وأنا لا أخوض في تفصيل تلك المدارس لأن هذا يحتاج إلى بحث مستقل بل القصد ههنا التنبيه على أن المدارس لها دور في نشر عقيدة هؤلاء، و على سبيل المثال نذكر جامعة ديوبند فإنها أكبر جامعة للماتريدية في القارة الهندية ودورها في نشر العقيدة الماتريدية مما لا يخفى على أحد بطبيعة الحال وهكذا مدارس الحنفية الماتريدية في تاريخ أفغانستان، و في تاريخ الدولة العثمانية فإنها خدمت الحنفية و الماتريدية في آن واحد، فكانت هذه المدارس حقولا ومزارع لغرس البذور الماتريدية وتربيتهم ثم تخرجهم وانتشارهم في بقاع الأرض حيث يواصلون مساعيهم لنشر ما تعلموه وما رسخ في أذهانهم من العقيدة الماتريدية على ظنهم أنها عقيدة أهل السنة يجب الدفاع عنها ونشرها.
ولذلك لا تجد في جميع مدارس الحنفية الماتريدية عبر القرون كتابا واحدا من كتب السلف في العقيدة يكون في منهجهم الدراسي بل نرى بعكس ذلك كتب علم الكلام والمنطق يهتمون بها درسا وتدريسا، وهذا أمر جعلهم متعمقين في العقيدة الكلامية الماتريدية كما جعلهم بعيدين عن الكتاب والسنة والعقيدة السلفية السنية في آن واحد حتى الفنجفيرية.
3- نشاط الماتريدية في ميدان التأليف:
للماتريدية نشاط بالغ وسعي متواصل في ميدان التصنيف في علم الكلام، وانتشرت هذه الكتب في مشارق الأرض ومغاربها وبانتشارها ودرسها وتدريسها انتشرت العقيدة الماتريدية وبسطت سلطانها على قلوب المشائخ والطلاب... المهم أن نذكر الآن أن تراث الماتريدية وعكوف الناس عليه سبب عظيم لنشر عقائدها.
ونضرب لذلك مثالًا واحدًا على لسان أحد الماتريدية المعاصرة.
يقول الدكتور أبو الخير محمد أيوب علي البنغلاديشي الماتريدي: " وندرك أثر الماتريدي، ونجاح طريقته ورضاء أهل السنة بها؛ .
حين نرى (الفقه الأكبر) لـ (أبي حنيفة)، و (العقيدة) لـ (النسفي) ، و (المسايرة) لـ (ابن الهمام) تدرس في هذه الأيام في الجامعات الدينية، وكلياتها، والمعاهد الدينية ومنها الأزهر و في كثير من البلاد الإسلامية، وقد أدرك الأزهر ضرورة دراسة المدرسة الماتريدية ، والتعريف بأبي منصور الماتريدي فأدرج في منهج الدراسة في كليتي الشريعة، وأصول الدين دراسة هذه المدرسة دراسة علمية وتاريخية " (5) .
ويقول: " ثم إن مذهب الأشعري، وإن كان له أكبر أثر على عقيدة جمهور المسلمين ، وكان قد تغلب على الماتريدية في الأيام الماضية، فإن الماتريدية قد أصبحت اليوم - كما يبدو لنا - أكثر منه تأثيراً على جماعة علماء أهل السنة " .
4- أمور أخرى تكون بمجموعها سببًا قويًا لانتشارهم وانخداع الناس بهم:
وهي ما يلي:
أ- تظاهرهم بمظهر أهل السنة بل دعواهم: أنهم، والأشعرية هم يمثلون أهل السنة.
ب- اتهامهم لأهل السنة المحضة وأصحاب الحديث بالتجسيم والتشبيه ونحو ذلك.
ج- انتسابهم إلى السلف ولاسيما إلى الأئمة: " أبي حنيفة " و " الشافعي " و " الأشعري " .
د- كثرة الحق الذي عندهم بالنسبة للباطل الذي عند غيرهم من أهل البدع.
هـ - ردهم على الفرق الباطلة كالجهمية الأولى والمعتزلة والخوارج والروافض وغيرهم.
و- ضعف أنوار الآثار السلفية وعجز كثير من أهل السنة المحضة وأهل الحديث " .

محروم
اليوم, 01:36 PM
أسس وقواعد تقرير العقيدة عن الماتريدية

الاعتماد على العقل


إن مصدر الماتريدية في التلقي هو العقل وقد صرح بهذا الماتريدي في كتاب (التوحيد) وفي (التأويلات) فهو يقول أصل ما يعرف به الدين وجهان : أحدهما السمع والآخر العقل أما السمع فما لا يخلو بشر من انتحاله مذهبا يعتمد عليه ويدعوه غيره إليه ...فلزم طلب أصل يجمعهم عليه لغاية ما احتمل وسعهم الوقوف عليه على أن الأحق في ذلك إذ علم بحاجة كل ممن يشاهد وضرورة كل من المعاين أن لهم مدبرا عالما بأحوالهم وبما عليه بقاؤهم وأنه جبلهم على الحاجات لا يدعهم وما هم عليه من الجهل وغلبة الأهواء مع ما لهم من الحاجة في معرفة ما به معاشهم وبقاؤهم دون أن يقيم لهم من يدلهم على ذلك ويعرفهم ذلك ولابد من أن يجعل له دليلا وبرهانا يعلمون خصوصه بالذي خصه به من الإمامة لهم وأحوجهم إليه فيما عليه أمرهم فيكون في ذلك ...أنه هو الذي جعله المفزع لهم والمعتمد" (1) .
وقال أيضا: " إنا وجدنا الناس مختلفي المذاهب في النحل في الدين متفقين على اختلافهم في الدين على كلمة واحدة: أن الذي هو عليه حق والذي عليه غيره باطل على اتفاق جملتهم من أن كلا منهم له سلف يقلد فثبت أن التقليد ليس مما يعذر صاحبه لإصابة مثله ضده على أنه ليس فيه سوى كثرة العدد اللهم إلا أن يكون لأحد ممن ينتهي القول إليه حجة عقل يعلم بها صدقه فيما يدعي وبرهان يقهر المنصفين على إصابته الحق فمن إليه - أي إلى العقل - مرجعه في الدين بما يوجب تحقيقه عنه فهو المحق..." (2) .
وقال في موضع آخر : " والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه أو شهادة السمع ...." (3) .
وقال أيضا: " إن العلم بالله وبأمره عرض لا يدرك إلا بالاستدلال" (4) . أي: بالمعرفة الاستدلالية القائمة على النظر العقلي".
وقال في تفسيره لقوله تعالى : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] "قوله تعالى :لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] حقيقة الحجة لكن ذلك إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها السمع لا العقل فلا يكون وأما الدين فإن سبيل لزومه بالعقل فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة... " (5) .
والماتريدية لا تقول بالقدرة المطلقة للعقل إذ إن العقل عندهم يدرك ظواهر الأشياء ولا يدرك ماهيتها وحقائقها يقول الماتريدي موضحا هذا : " إن العقول أنشئت متناهية تقصر عن الإحاطة بكلية الأشياء والأفهام متقاصرة عن بلوغ غاية الأمر...." (6) وهم بذلك يحاولون أن يصلوا إلى غايتهم وهي محاولة التوسط بين العقل والنقل وهذا دفعهم إلى تقسيم العقائد إلى إلهيات ونبوات يستقل العقل بإثباتها وإلى سمعيات لا يستقل العقل بإثباتها ولا تدرك إلا بالسمع (7) .
قال صاحب (نثر اللآلئ) : " قد صرح غير واحد من علماء الحنفية بأن العقل حجة من حجج الله تعالى ويجب الاستدلال به قبل ورود الشرع وعليه فيكون إرسال الرسل وإنزال الكتب تتمة للدين من بيان ما لا تهتدي العقول إليه من أنواع العبادات والحدود وأمر البعث والجزاء فإن ذلك مما يشكل مع العقل وحده لا لنفس معرفة الخالق فإنها تنال ببداية (أي ببداهة) العقول" (8) .
وهذا المنهج الذي تحاول به الماتريدية التوسط بين العقل والنقل قائم أساسا على فكرة باطلة وهي أن نصوص الوحي متعارضة مع أحكام العقل ، وهذا التعارض المزعوم إنما هو في الواقع مسلك الفلاسفة في الأصل الذين لا يثبتون النبوات ولا يرون أن إرسال الرسل وما جاءوا به حقائق ثابتة فمصدرهم في الاستدلال على إثبات الأمور هو العقل وما أثبته العقل فهو الثابت وما نفاه هو المنفي .
فلما اعتمد المتكلمون من المعتزلة ومن نحا نحوهم كالماتريدية والأشاعرة هذا الأصل وقرروا أن العقل هو الميزان الصحيح وأن أحكامه يقينية أقحموا العقل في مجالات ليست من مجال بحثه فخرج العقل بأحكام باطلة وفاسدة وهي بزعمهم أنها يقينية ثم أرادوا أن يجمعوا بين هذه الأحكام ونصوص الوحي فتولد لديهم تعارض بين الأحكام العقلية التي توصلوا إليها وبين نصوص الوحي فأرادوا أن يتخلصوا من هذا التعارض فوضعوا قانونا يسمى بقانون التأويل الذي حاصله أنه يجب تقديم العقل على النقل وتأويل النقل حتى يتفق مع العقل أو تفويضه.
وأصل شبهتهم في تقديمهم للعقل على النقل وجعله مصدر التلقي هو اعتقادهم أن السمع لا يعرف ولا يثبت إلا من طريق العقل .
قال صاحب (المسامرة) : إن الشرع إنما يثبت بالعقل فإن ثبوته يتوقف على دلالة المعجزة على صدق المبلغ وإنما ثبتت هذه الدلالة بالعقل فلو أتى الشرع مما يكذب العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل معا ...." (9) .
وقد أجاب عن هذه الشبهة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينا تهافتها وعدم صحتها بقوله : " من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول صلى الله عليه وسلم .
وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل ذلك يعلم بما يعلم به أن الله تعالى أرسله مثل إثبات الصانع وتصديقه للرسول بالآيات وأمثال ذلك .
وإذا كان كذلك لم تكن جميع المعقولات أصلا للنقل لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها ولا بمعنى الدلالة على صحته ولا بغير ذلك لا سيما عند كثير من متكلمة الإثبات أو أكثرهم ....الذين يقولون العلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات التي مجرى تصديق الرسول علم ضروري فحينئذ ما يتوقف العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير مع أن العلم بصدق الرسول له طرق كثيرة متنوعة...
وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن يقدح فيه قدحا في أصل السمع وهذا بين واضح وليس القدح في بعض العقليات قدحا في جميعها كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحا في جميعها ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها كما لا يلزم من صحة السمعيات صحة جميعها .
وحينئذ فلا يلزم من صحة المعقولات التي تبني عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات ولا من فساد هذه فساد تلك فضلا عن صحة العقليات المناقضة للسمع فكيف يقال إنه يلزم من صحة المعقولات التي هي ملازمة للسمع صحة المعقولات المناقضة للسمع ؟" (10) .
ويقال لهم أيضا: "لو قدر تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لأن العقل قد صدق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به ولا العلم بصدق الشرع موقوف على كل ما يخبر العقل ومعلوم أن هذا المسلك إذا سلك أصح من مسلكهم كما قال بعض أهل الإيمان يكفيك من العقل أن يعرفك صدق الرسول ومعاني كلامه ثم يخلي بينك وبينه .
وقال آخر: العقل سلطان ولى الرسول ثم عزل نفسه . ولأن العقل دل على أن الرسول يجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ولأن العقل يدل على صدق الرسول دلالة عامة ولأن العقل يغلط كما يغلط الحس وأكثر من غلطه بكثير فإذا كان حكم الحس أقوى من أقوى الأحكام ويعرض فيه من الغلط ما يعرض فما الظن بالعقل؟" (11) .
قال الإمام أبو المظفر السمعاني رحمه الله : " اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل فإنهم أسسوا دينهم على المعقول وجعلوا الاتباع والمأثور تبعا للمعقول وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع والعقول تبع ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم ولبطل معنى الأمر والنهي ولقال من شاء ما شاء ولو كان الدين بني على المعقول وجب أن لا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا .
ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله عز وجل وما تعبد الناس (باعتقاده) وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه بينهم ونقلوه عن سلفهم إلى أن أسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط وصفات النار وتخليد الفريقين فيهما أمور لا تدرك حقائقها بعقولنا وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها فإذا سمعنا شيئًا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر ومنه التوفيق وما لم يمكنا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [ الإسراء:85] وقال تعالى : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة:255] " (12) .
ثم قال رحمه الله : " وإنمَّا علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانًا وتصديقًا وما لم نعقله قبلناه تسليمًا واستسلامًا وهذا معنى قول القائل من أهل السنة : إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم " (13) . (20)
فمصدر تلقي العقيدة في هذه الأبواب هو العقل عندهم والنقل تابع له أما مباحث المعاد فجعلوها سمعية وكذا مباحث النبوات، ويعبرون عن السمعيات بالشرعيات أيضاً.
وعرفوا الشرعيات بأنها أمور يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً ونفياً، ولا طريق للعقل إليها، وأما العقليات فهي ما ليس كذلك (14) .
فمصدر العقيدة عندهم في هذه الأبواب هو النقل، والعقل تابع له (15) .
وقد جعل بعضهم مباحث النبوات من قبيل العقليات (16) .
فأنت ترى أنهم جعلوا العقل حاكماً فيما يسمونه "العقليات" وجعلوا النقل عاطلاً؛ أما ما يسمونه "السمعيات" فقد جعلوا النقل حاكماً فيه والعقل عاطلاً مع أن من مذهب أهل السنة أنه لا منافاة بين العقل السليم الصريح والنقل الصحيح أصلاً (17) ، فالنقل هو الذي يعتمد عليه، والعقل معاضد للنقل ومعاون له... وليس أصلاً من أصول العقيدة يستقل فيه العقل أو يهدر فيه (18) .
ولهذا احتج الله تعالى على منكري المعاد بحجج عقلية قطعية في مواضع من كتابه؛ فدل هذا على أن العقل لا يهدر حتى في أمر المعاد بل العقل الصحيح يدل على المعاد أيضاً.
الحاصل: أن الماتريدية لما قسموا أصول الدين إلى "عقليات" و"سمعيات" بنوا على ذلك موقفهم الفاسد من النقل في باب ما يسمونه "العقليات" فأي نقل خالف عقولهم في "العقليات" إن كان من أخبار الآحاد ردوه، أو أوّلوه؛ وإن كان من المتواترات حرفوه بشتى التأويلات الفاسدة، وأما ما يتعلق بالمعاد فلا يؤولونه.
يقول متكلم الماتريدية الهندية، الشيخ عبدالعزيز الفريهاري في صدد إثبات نعيم القبر وعذابه، وسؤال منكر ونكير:
"ثابت كل من هذه الأمور بالدلائل السمعية أي المسموعة من الشارع، وهي الآيات والأحاديث، لأنها أمور ممكنة، غير مستحيلة أخبر بها الصادق، وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تقرر أن الأمر الممكن الذي أخبر به الشارع يجب الإيمان به من غير تأويل، وأما الأمر المحال (يعني علو الله تعالى واستوائه ووجهه، ويديه وغيرها من الصفات) فالنص الوارد مؤول مصروف عن الظاهر؛ كالنصوص الموهمة لإثبات جسمية، أو جهة لله تعالى، نحو قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، فإنها مؤولة بالقدرة، وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] فإن الاستواء مؤول بالعظمة التامة، والقدرة القاهرة"

محروم
اليوم, 01:45 PM
ترك الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقيدة


من الأصول المنهجية لدى الماتريدية في تقرير العقيدة عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب العقائد فلا يحتجون إلا بالقرآن أو المتواتر من الأحاديث ولا يثبتون العقيدة بالقرآن أو الحديث إلا إذا كان النص قطعي الدلالة ومعنى قطعي الدلالة عندهم أنه لا يحتمل التأويل أي أنها مقبولة عقلًا خالية من التعارض مع العقل (1) .
وقالوا بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن ولا تفيد العلم اليقيني وذلك لعروض الشبهة في كونها خبر الرسول لعدم الأمن من وضع الأحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم (2) .
وقالوا يؤخذ بها في الأحكام الشرعية وذلك حيطة في الأمر وأخذًا بالحزم وأن المتواتر لا يوجد في كل حادثة فلو رد خبر الواحد تعطلت الأحكام (3) . وقد نص على عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد الماتريدي في كتاب (التوحيد) وفي (التأويلات) وذكر أن خبر الآحاد لا يوجب العلم لأنه لا يبلغ مرتبة الخبر المتواتر في إيجاب العلم والشهادة ولكنه يجب العمل به واستدل على وجوب العمل بخبر الواحد بأمر الله لمن يصلح للتفقه في الدين بالتخلف عن الجهاد لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم (4) .
ونص على ذلك أيضا الناصري في (النور اللامع) حيث قال: "خبر الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم ..." (5) .
وقال في موضع آخر: " ولا تبنى العقائد على أخبار الآحاد لأنها لا توجب العلم يقينا ..." (6) .
ونص على ذلك أيضا أبو البركات النسفي في المنار (7) وابن الهمام في التحرير (8) وابن عبد الشكور في مسلم الثبوت (9) وملا على القاري في شرح نخبة الفكر (10) وغيرهم.
والماتريدية في الحقيقة لا يحتجون بأحاديث الآحاد الصحيحة في الأحكام الشرعية العملية مطلقا بل حتى يكون الحديث مقبولا لديهم يجب أن يكون موافقا لقواعدهم وأصولهم التي قرروها وقد صرح به غير واحد منهم قال أبو زيد الدبوسي في (تأسيس النظر) : " الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفًا لنفس الأصول مثل ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أوجب الوضوء من مس الذكر لم يقبل أصحابنا هذا الخبر لأنه ورد مخالفا للأصول ..." (11) .
وقال أبو الحسن الكرخي في رسالته في بيان أصول الحنفية والتي ذكر أمثلتها وشواهدها عمر النسفي صاحب (العقائد) : " الأصل أنه يفرق بين العلم إذا ثبت ظاهرًا وبينه إذا ثبت يقينًا".
قال عمر النسفي معلقًا على هذا الأصل :" من مسائله أن ما علم يقينًا يجب العمل به واعتقاده وما ثبت ظاهرًا وجب العمل به ولم يجب اعتقاده" (12) .
وقال أبو الحسن الكرخي : " إن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على النسخ أو على أنه معارض بمثله ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق وإنمَّا يفعل ذلك على حسب قيام الدليل فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليه وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه ".
ثم قال: " الأصل أن الحديث إذا ورد عن الصحابي مخالفًا لقول أصحابنا فإن كان لا يصح في الأصل كفينا مؤنة جوابه وإن كان صحيحا في مورده فقد سبق ذكر أقسامه إلا أن أحسن الوجوه وأبعدها عن الشبه أنه إذا ورد الحديث عن الصحابي في غير موضع الإجماع أن يحمل على التأويل أو المعارضة بينه وبين صحابي مثله" (13) .
وقول الماتريدية ومن وافقهم بعدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد قول لا أصل له بل هو مبتدع محدث فتقسيم ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى متواتر وآحاد تقسيم لم يكن معروفا في عصر الصحابة والتابعين كما أن القول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم قول ابتدعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأحاديث ورفضها لأنها حجة عليهم (14) فإن أشهر من عرف عنه اشتراط العدد في صحة الحديث هو إبراهيم بن إسماعيل بن علية (218 هـ) وهو كما قال الذهبي : " جهمي هالك كان يناظر في خلق القرآن " (15) .
وقد نص الإمام الشافعي رحمه الله على إجماع المسلمين على حجية خبر الواحد في الرسالة حيث قال: " ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديما وحديثا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي " (16) . وقال بعد أن نص على حجية خبر الواحد: " ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل" (17) .
والقول بحجية خبر الواحد في العقائد والأحكام هو مذهب الإمام مالك رحمه الله كما ذكره عنه محمد بن أحمد المعروف بابن خويزمنداد (18) .وهو أيضا قول الإمام أحمد رحمه الله قال المروذي رحمه الله : "قلت لأبي عبد الله : ههنا اثنان يقولان إن الخبر يوجب عملًا ولا يوجب علمًا فعابه وقال لا أدري ما هذا..." (19) .
ولا يعرف عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّه قال بعدم إفادة خبر الواحد العلم أو أنَّه فرق في قبوله بين العقائد والأعمال بل الذي ورد عنه قبول الأحاديث بدون تفريق فقد روي عنه أنه قال :"إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم نحد عنه إلى غيره وأخذنا به" (20) وهذا هو مذهب أصحاب أبي حنيفة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره (21) . وهو أيضًا مذهب السلف وجمهور المحدثين والأصوليين كما نص على هذا غير واحد من العلماء.
وقول الماتريدية ومن شاكلهم بأن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم لاحتمال الكذب والخطأ والشبهة في كونها خبر الرسول مرده إلى جهلهم بعلم الحديث وأهله فإنَّه كما يرجع في معرفة الفقه للفقهاء وفي معرفة اللغة لأهل اللغة وكذا في كل صنعة وفن فإنه ينبغي الرجوع في معرفة الحديث لأهل الحديث الذين أفنوا أعمارهم وأموالهم في حفظ الحديث وصيانته ودراسته وتدريسه.
قال أبو الحسن العامري الفيلسوف: "وليس يشك أن أصحاب الحديث هم المعنيون بمعرفة التواريخ العائدة بالمنافع والمضار وهم العارفون لرجال السلف بأنسابهم وأماكنهم ومقادير أعمارهم ومن اختلف إليهم وأخذ العلم عنهم بل هم المتحققون لما يصح من الأحاديث الدينية وما يسقم ويقوى منها ويضعف بل هم المتجشمون للحل والترحال في أقاصي البلدان وأدانيها ليأخذوا عن الثقات سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هم المجتهدون أن يصيروا نقاد الآثار وجهابذة الأخبار فيعرفوا الموقوف منها والمرفوع والمسند والمرسل ... وأن يصونوا صناعتهم صيانة لو رام أحد أن يفتعل حديثًا مزورًا أو يغير إسنادًا أو يحرف متنًا أو يروج فيها ما روج في الأخبار الأدبية كالفتوح والسير والأسمار والوقائع للحقه من جماعتهم أعنف النكير.
وإذا كان هذا سعيهم وعليه مدار أمرهم فمن الواجب أن نعتقد لهم فيما أكدوا من العناية أعظم الحق وأوفر الشكر وأتم الإحماد وأبلغ التقريظ " (22) .
بل إن أهل الحديث، كما يقول ابن القيم "من أعظم الناس صدقًا وأمانةً وديانةً وأوفرهم عقولًا وأشدهم تحفظًا وتحريًا للصدق ومجانبة للكذب وإن أحدًا منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه ولا صديقه وأنَّهم حرروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريرًا لم يبلغه أحد سواهم لا من الناقلين عن الأنبياء ولا من غير الأنبياء وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ، حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة ومن تأمل ذلك أفاده علمًا ضروريًا بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم ينقله كل طائفة عن صاحبه وهذا أمر وجداني عندهم لا يمكنهم جحده بل هو بمنزلة ما تحسونه من الألم واللذة والحب والبغض حتى أنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه ويباهلون من خالفهم عليه.
وقول هؤلاء القادحين في أخباره وسنته يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين بمنزلة قول أعدائه يجوز أن يكون الذي جاء به شيطان كاذب وكل أحد يعلم أن أهل الحديث أصدق أهل الطوائف كما قال عبد الله بن المبارك: وجدت الدين لأهل الحديث، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة، والحيل لأهل الرأي...وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذه الأخبار وحدث بها في الأماكن والأوقات المتعددة وعلمهم بذلك ضروريا لم يكن قول من لا عناية له بالسنة والحديث أن هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم مقبولا..." (23) .
ومما يدل لحجية الآحاد مطلقًا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الفرقة الناجية قال: ((من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)) (24) فلا بد من معرفة ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة لمن أراد أن يكون من الفرقة الناجية وهذا لا يمكن إلا من طريق معرفة الأحاديث والآثار وأهل الحديث هم فرسان هذا الميدان وأبطاله وقد أبى الله تعالى كما يقول أبو المظفر السمعاني " أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفا عن سلف وقرنا عن قرن إلى أن انتهوا إلى التابعين وأخذه التابعون عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا طريق لمعرفة ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من الدين المستقيم والصراط القويم إلا من هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث " (25) .
ومما يدل أيضا على أن أحاديث الآحاد توجب العلم كما أنها توجب العمل عمل النبي صلى الله عليه وسلم حيث اقتصر بخبر الواحد في إيجاب العلم فقد كان يبعث الآحاد من الصحابة إلى الملوك والرؤساء والأقطار يدعونهم إلى الإسلام وهذا مما لا بد فيه من العلم بمعنى الاعتقاد الجازم الذي لا يبقى معه شك ولا شبهة (26) .
وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في (الرسالة) جملة الأحاديث والآثار التي دلت على ذلك (27) ، فعلى هذا فإن القول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم يفضي إلى الطعن في عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أيضا خرق إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام وموافقة للجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج (28) نعوذ بالله من هذا القول الشنيع والعمل القبيح (34)

أما أخبار الآحاد: وهو النوع الثاني من النصوص - فموقفهم منها مركب من مقدمات ثلاث:
الأولى: أنها ظنية لا تفيد اليقين (29) .
الثانية: أنها لا تثبت بها العقيدة (30) .
قال التفتازاني فيلسوف الماتريدية، والفنجفيرية وغيرهم من الماتريدية واللفظ للأول: "إن خبر الواحد على تقدير اشتماله على جميع الشرائط المذكورة في أصول الفقه لا يفيد إلا الظن، ولا عبرة بالظن في باب الاعتقاديات..." (31) .
وقال الملا علي القاري (1014هـ): "فإن الآحاد لا تفيد الاعتماد في الاعتقاد" (32) قلت: وارتكبت هذه الطامة الفنجفيرية أيضاً (33) .
الثالثة: أنها إن وردت في مخالفة العقل، فإن كانت نصاً لا تحتمل التأويل ردت وإن كانت ظاهرة فظاهرها غير مراد.

محروم
اليوم, 01:46 PM
القول بالمجاز


ذهبت الماتريدية كغيرها من الفرق الكلامية إلى القول بأن المجاز واقع في اللغة والقرآن والحديث ، قال ابن الهمام : " المجاز واقع في اللغة والقرآن والحديث ..." (1) . وقد نص على هذا غير واحد من أئمتهم وعلمائهم وهو أصل منهجي يعتمدون عليه في تقرير العقيدة وأصول الفقه (2) .
فهم يقسمون الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز ويقصدون بالحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له وبالمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له فالمجاز عندهم هو قسيم الحقيقة أي بمعنى الشيء المقابل للحقيقة والمجاز بهذا الاصطلاح كان له دور كبير في عقيدة الماتريدية ومن قبلها المعتزلة حيث اعتمدوا عليه في تأويلهم للنصوص والذي دفعهم لهذا هو اعتقادهم بأن حمل النصوص على معانيها الحقيقية يستلزم التجسيم والتشبيه لذلك نجدهم يستدلون على قولهم بالمجاز بقوله تعالى: اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة:15] ونحوها من الآيات ويقولون بأن الاستهزاء حقيقة لا يتصور منه تعالى فهو مجاز عن الجزاء المشابه له .
قال البياضي في (إشارات المرام) : " لما لم يكن حمل تلك النصوص على معانيها الحقيقية من الجوارح الجسمانية والتحيز والانفعالات النفسانية لمنع البراهين القطعية ولم يجز إبطال الأصل لعدم درك حقيقة الوصف بلا كيفية تحمل على المجاز من الصفات بلا كيفية ...." (3) .
وقال أيضا : " وإنما قالوا بالمجاز نفيا لوهم التجسيم والتشبيه..." (4) .
والقول بالمجاز على اصطلاحهم قول مبتدع محدث لا أصل له فأئمة اللغة المتقدمون كالخليل بن أحمد وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء لم يتكلموا فيه ولا يوجد فيما وصل إلينا من كتبهم وكلامهم أدنى إشارة إلى هذا الاصطلاح أو حتى إلى تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز .
كما لا يوجد هذا التقسيم عند أئمة الفقهاء والأصوليين فالشافعي رحمه الله أول من تكلم في علم الأصول وقد وصل إلينا أهم كتبه في هذا العلم وهو (الرسالة) ولا يوجد في كتابه هذا أدنى إشارة إلى هذا التقسيم لا من قريب ولا من بعيد وكذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه الجامع الكبير لم يتكلم فيه بلفظ الحقيقة والمجاز كما أنه لم ينقل هذا التقسيم عن أي واحد من الأئمة كمالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وغيرهم (5) .
وأما قول الإمام أحمد رحمه الله في كتابه (الرد على الجهمية): "أما قوله تعالى : إِنَّا مَعَكْمْ فهذا في مجاز اللغة ..." (6) . فإنه لم يقصد به المجاز الذي هو قسيم الحقيقة إنما قصد به أنه مما يجوز في اللغة والدليل على هذا قوله رحمه الله بعد كلامه هذا : " وأما قوله : قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [ طـه:46] فهو جائز في اللغة يقول الرجل الواحد للرجل سأجري عليك رزقك أو سأفعل بك خيرا" (7) . فمن يقول إن الإمام أحمد قال بالمجاز وبالتأويل بناء على ذلك فقد أخطأ ونسب إلى الإمام ما لم يقله والمطلع على مذهب الإمام أحمد وأصحابه المتقدمين يعرف خطأ من يقول بهذا (8) .
وما ذكره أبو عبيد في كتابه (مجاز القرآن) كذلك لم يقصد به المجاز الذي اصطلح عليه المتكلمون بل الذي قصده هو ما يجوز أن يعبر به عن الآية في اللغة فهو يستخدم المجاز بمعنى التفسير فهو يقول في قوله ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [ الأنعام:46] مجازه يعرضون وهكذا فكتابه إذا ما هو إلا تفسير لغريب القرآن.
وعلى هذا فمن قال بأن الأئمة أو أهل اللغة المتقدمين قد نصوا على أن اللفظ ينقسم إلى حقيقة ومجاز قد افترى عليهم وتكلم بغير علم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "من قال من الأصوليين ...إنه يعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا هذا حقيقة وهذا مجاز فقد تكلم بلا علم فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها ..." (9) .
فالقول بالمجاز الذي هو قسيم الحقيقة قول محدث وقد حدث بعد القرون المفضلة وكان منشؤه من جهة المعتزلة كما نص على هذا شيخ الإسلام وتلميذه الإمام ابن القيم قال شيخ الإسلام بعد كلامه السابق: "وإنما هذا اصطلاح حادث والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين ..." (10) .
وقال ابن القيم : " وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيما شرعيا ولا عقليا ولا لغويا فهو اصطلاح محض وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين...." (11) .
ولعل أول من عرف عنه القول بالمجاز هو الجاحظ كما يشير إلى ذلك الشريف الرضى في كتابه (تلخيص البيان في مجازات القرآن) (12) كما نجد الجاحظ يستخدم المجاز بمعنى الشيء المقابل للحقيقة في عدة مواضع من كتابه (الحيوان) بل إن ابن جني يرى أن أكثر اللغة مجاز وهذا في غاية الفساد ومما يبين عدم صحة القول بالمجاز أصل وضع اللغة فالعرب كما يقول الإمام الشاطبي: " إنما عنايتها بالمعاني وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد والمعنى هو المقصود ولا أيضا كل المعاني فإن المعنى الإفرادي قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبي مفهوما دونه ... ولهذا أصل في الشريعة صحيح نبه عليه قوله تعالى : لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة:177] إلى آخر الآية فلو كان فهم اللفظ الإفرادي يتوقف عليه فهم التركيبي لم يكن تكلفا بل هو مضطر إليه ...
فإذا كان الأمر هكذا فاللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب لأنه المقصود والمراد وعليه يبنى الخطاب ابتداء " (13) .
والقول بالمجاز يصح كما يقول شيخ الإسلام " لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم بعد ذلك استعملت فيها فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال وهذا إنما يصح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية فيدعي أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا ويجعل هذا عاما في جميع اللغات وهذا القول لا نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم الجبائي ...
والمقصود هنا أنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم استعملوها بعد الوضع وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني ... فالمولود إذا ظهر منه التمييز سمع أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ ويشير إلى المعنى أي أراد المتكلم به ذلك المعنى ثم هذا يسمع لفظا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم ..." (14) .
ومما يدل على فساد القول بالمجاز قول القائلين به " أن كل مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقا في نفس الأمر فتقول لمن قال رأيت أسدا يرمي ليس هو بأسد وإنما هو رجل شجاع فيلزم على القول بأن في القرآن مجازا أن في القرآن ما يجوز نفيه.
ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهدت في الخارج صحته وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم.
وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك فقالوا لا يد ولا استواء ولا نزول ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات لأن هذه الصفات لم ترد حقائقها بل هي عندهم مجازات فاليد مستعملة عندهم في النعمة أو القدرة والاستواء في الاستيلاء والنزول نزول أمره ونحو ذلك فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز" (15) .
وأما زعمهم أن حمل النصوص على معانيها الحقيقية يستلزم التجسيم والتشبيه فلا ريب في بطلانه إذ إنه من المعلوم لكل مسلم أن " كل ما أخبر به الله يستحيل أن يلزم عليه باطل ... ولا يخفى على أحد أن الذي يقول إن الاستواء على العرش يلزمه مشابهة الحوادث أن إلزامه هذا اعتراض صريح على من أخبر بالاستواء وهو الله عز وجل .
فليعلم مدعي لزوم الباطل لظاهر آيات الصفات أن اعتراضه على ربه ومن ظن أن ظواهر آيات الصفات دالة على اتصافه تعالى بصفات تشبه صفات الخلق فهو جاهل مفتر بل ظاهرها اتصافه بتلك الصفات المنزهة عن مشابهة صفات الحوادث.
ومن أوضح الأدلة على أن آيات الصفات لم يرد بها شيء من المعاني التي يحملها عليه المتأولون أنها لو كان يراد بها ذلك لبادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيانه لأنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة إليه كما تقرر في الأصول ولا سيما في العقائد" (16) .
ورحم الله الإمام ابن حزم إذ يقول : " كيف يظن به عليه السلام أن يخبر عن ربه خبرا يكلفنا فهمه وهو بخلاف ما يفهم ويعقل ويشاهد ويحس ما ينسب هذا إليه صلى الله عليه وسلم إلا ملحد في الدين كائد" (17) .
فالقول بالمجاز على اصطلاح هؤلاء في القرآن أو الحديث أو اللغة قول مبتدع محدث لا أصل له لا في اللغة ولا في الشرع والقوم قالوا به ليتخذوه مطية لتعطيل النصوص عما دلت عليه من المعاني .
والذين يقولون من أهل السنة بجواز وقوع المجاز في القرآن أو الحديث أو اللغة من الأصوليين واللغويين وغيرهم لم يدركوا حقيقة المسألة وأصل نشأتها وبعدها العقدي وهم في قولهم هذا مخالفون لمنهج أهل السنة والجماعة موافقون لمنهج المتكلمة من المعتزلة وغيرهم .

محروم
اليوم, 01:46 PM
: معرفة الله واجبة عندهم بالعقل قبل ورود السمع


ذهبت الماتريدية إلى أن معرفة الله تجب بالعقل قبل ورود السمع وأن الإنسان يتحمل مسؤولية هذه المعرفة قبل بعثة الأنبياء والرسل ولا يكون معذورا بتركها بل يعاقب على تركه لها وقد صرح بذلك غير واحد من علمائهم صرح به الماتريدي في تفسيره لقوله تعالى لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] حيث ذكر أن حقيقة الحجة إنما هي في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها الرسل أما معرفة الله فإن سبيل لزومها العقل فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة (1) .
وذكر غير واحد من الماتريدية أن الماتريدي أوجب معرفة الله تعالى بالعقل على الصبي العاقل (2) .
وقال أبو المعين النسفي: " من لم يبلغه الوحي وهو عاقل ولم يعرف ربه هل يكون معذورا أم لا ؟
عندنا لا يكون معذورا ويجب عليه أن يستدل بأن للعالم صانعا ..." (3) .
وقال الأوشي في منظومته :
وما عذر لذي عقل بجهل بخلاق الأسافل والأعالي (4)


وقال صاحب (نظم الفرائد): "ذهب جمهور مشايخ الحنفية إلى أنه تعالى لو لم يبعث إلى الناس رسولا لوجب عليهم بعقولهم معرفة وجوده تعالى ووحدته واتصافه بما يليق ...." (5) .
والحق والصواب في هذه المسألة أن وجوب معرفة الله تعالى ثابت بالعقل والسمع " والقرآن على هذا يدل فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد ويبين حسنه وقبح الشرك عقلا وفطرة ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال وهي الأدلة العقلية وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك كقوله : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر:29] وقوله : ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [ النحل:75] وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحـج:73-74] إلى أضعاف ذلك من براهين التوحيد العقلية التي أرشد إليها القرآن ونبه عليها.
ولكن ههنا أمر آخر وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع كما دل عليه قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [ الإسراء:15] وقوله: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [ الملك:8-9] وقوله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59] وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم من حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر" (6) .
فمعرفة الله تعالى إذا واجبة بالعقل والسمع " فالعقل يوجبه بمعنى اقتضائه لفعله وذمه على تركه وتقبيحه لضده والسمع يوجبه بهذا المعنى ويزيد إثبات العقاب على تركه والإخبار عن مقت الرب تعالى لتاركه وبغضه له" (7) .
فثبوت الحجة إذا وترتب العقاب على ذلك لا يكون إلا بعد ورود السمع وهذا هو الذي قد دل عليه الكتاب والعقل الصحيح، كما تقدم بيانه.
فظهر بهذا أن قول الماتريدية وهو قول المعتزلة من قبل أن معرفة الله واجبة بالعقل قبل ورود السمع وأن العبد يعاقب على تركها قول باطل ظاهر البطلان لمعارضته نص الكتاب وصريح العقل.
وحقيقة قول الماتريدية هذا أن إرسال الرسل وعدم إرسالهم سواء. وهذا قول تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [ مريم:90] ولا يقول له من في قلبه ذرة إيمان فكيف ترضى الماتريدية بذلك.

محروم
اليوم, 01:47 PM
القول بالتحسين والتقبيح العقليين


ومن القواعد والأسس المنهجية التي يقوم عليها منهج الماتريدية في تقرير العقيدة القول بالتحسين والتقبيح العقليين فقد ذهبت الماتريدية إلى أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها فقد ذهبت الماتريديةإلى أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها كما قالت المعتزلة من قبل إلا أنهم خالفوهم في المسائل المبنية على القول بالتحسين والتقبيح العقليين كالقول بوجوب الصلاح والأصلح ونحو ذلك .
واختلفت الماتريدية فيما بينها في الجزم بحكم الله في الفعل بمجرد إدراك العقل للحسن والقبح فيه فجمهور الماتريدية وعلى رأسهم الماتريدي يذهبون إلى أن حكم الله يجزم به في بعض الأفعال دون بعض قبل ورود السمع كالإلهيات والنبوات وأما السمعيات والشرائع فلا تدرك إلا بالسمع .
وأما أئمة بخارى فذهبوا إلى أن العقل لا يقضي بما أدركه من حسن الفعل وقبحه بحكم الله تعالى فيه إلا بعد ورود الشرع.
قال ابن الهمام: " قالت الحنفية قاطبة بثبوت الحسن والقبح للفعل على الوجه الذي قالته المعتزلة ثم اتفقوا على نفي ما بنته المعتزلة على إثبات الحسن والقبح للفعل من القول بوجوب الأصلح ... ووجوب الرزق والثواب على الطاعة والعوض في إيلام الأطفال والبهائم ...
واختلفوا هل يعلم باعتبار العلم بثبوتهما في فعل حكم الله في ذلك الفعل تكليفا، فقال الأستاذ أبو منصور وعامة مشايخ سمرقند نعم وجوب الإيمان بالله وتعظيمه وحرمة نسبة ما هو شنيع إليه وتصديق النبي عليه السلام وهو معنى شكر المنعم...
وقال أئمة بخارى منهم لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة ...إذ لا يمتنع أن لا يأمر الباري بالإيمان ولا يثيب عليه وإن كان حسنا ولا ينهى سبحانه عن الكفر ولا يعاقب عليه وإن كان قبيحا والحاصل أن لا يمتنع عدم التكليف عقلا إذ لا يحتاج سبحانه إلى الطاعة ...ولا يتضرر بالمعصية..." (1) .
وقول الماتريدية بالتحسين والتقبيح العقليين راجع إلى أن العقل عندهم هو أصل المعرفة فلذلك كان أصلا للسمع وكان مقدما عليه عند التعارض فيتفقون في هذا مع المعتزلة ويقابلهم الأشاعرة فإنهم ينفون الحسن والقبح العقليين ويجعلون حسن الأشياء وقبحها راجعا إلى الشرع لا إلى صفات قائمة بالأعيان والأفعال فهذان المذهبان على طرفي نقيض والحق وسط بينهما . (4)
وخلاصة القول أن الماتريدية يوافقون المعتزلة في إثبات الحسن والقبح الذاتيين للأفعال وأن العقل يدرك الحسن والقبح في بعض الأفعال فيدرك القبح المناسب لترتب حكم الله تعالى بالمنع من الفعل على وجه ينتهض معه الإتيان بذلك الفعل سببا للعقاب ويدرك الحسن المناسب لترتب حكمه تعالى فيه بالإيجاب والثواب على فعله والعقاب على تركه.
إلا أن أئمة بخارى- وإن أثبتوا الحسن والقبح العقليين- متفقون مع الأشاعرة في أنه لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة.
كما أن جميع الماتريدية يخالفون المعتزلة في وجوب الصلاح واللطف وغيرها من الأمور التي أوجبها المعتزلة على الله تفريعا على قولهم بالحسن والقبح العقليين. (5)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : الناس في مسألة التحسين والتقبيح على ثلاثة أقوال طرفان ووسط :
الطرف الأول: قول من يقول بالحسن والقبح ويجعل ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعل الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات فهذا قول المعتزلة وهو ضعيف .
وأما الطرف الآخر في مسألة التحسين والتقبيح فهو قول من يقول إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر لمحض لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر ...
وهذا القول ولوازمه هو أيضا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف والفقهاء مع مخالفته أيضا للمعقول الصريح" ثم قال: "وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم والظلم يشتمل على فسادهم فهذا النوع هو حسن وقبيح وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح فإنهم قالوا إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولا وهذا خلاف النص قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59] والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا الرسالة كثيرة ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح أن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم.
النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا وإذا نهى عن شيء صار قبيحا واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه ولا يكون المراد فعل المأمور به كما أمر إبراهيم بذبح ابنه فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى لما بعث إليهم من سألهم الصدقة فلما أجاب الأعمى "قال الملك: أمسك عليك مالك فإنما ابتليتم فرضي عنك وسخط على صاحبيك" (2) .
فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو الصواب " (3) .
فإطلاق القول في مسألة التحسين والتقبيح بأنهما عقليان أو شرعيان غير صحيح والحق والصواب في المسألة هو التفصيل كما بينه ووضحه شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه المتقدم.

محروم
اليوم, 01:48 PM
التأويل والتفويض


وبعد أن عرفنا أن مصدر تلقى العقيدة عند الماتريدية في العقليات هو العقل فالعقل حاكم وأصل، والنقل تبع له وفرع له؛ فإذا ورد النقل على خلاف العقل لابد من أن يرد أو يحرف بتأويله وصرفه عن ظاهره، وأما في السمعيات فمصدر تلقي العقيدة عندهم هو النقل.
ولما قسموا هذه القسمة الضيزي، وأصلوا هذا الأصل الفاسد، بنوا عليه موقفهم الفاسد من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المحكمة الصريحة الواردة في صفات الله تعالى، بنوعيها من المتواترات، وأخبار الآحاد.
أما المتواترات: كنصوص القرآن الكريم، والسنة المتواترة - فحكموا عليها بأنها وإن كانت قطعية الثبوت، ولكنها ظنية الدلالة؛ لأنها أدلة لفظية، وظواهر ظنية لا تفيد اليقين، وأنها تخالف البراهين القطعية العقلية، وأن الأدلة العقلية براهين قطعية، وعند التعارض تقدم الأدلة العقلية، لأنها الأصل (1) .
وأن الأدلة السمعية إما أن يفوض فيها، وإما أن تؤول (2) ، وأما البراهين العقلية فتأويلها محال" (3) .
وقد ساق التفتازاني فيلسوف الماتريدية عدة آيات الصفات ثم ذكر قانوناً كلياً في الجواب عن تلك الآيات فقال:
"والجواب أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظاهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله مع اعتقاد حقيتها جرياً على الطريق الأسلم...، أو تؤول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفاسير، وشروح الأحاديث، سلوكاً للطريق الأحكم - يعني طريقة المتكلمين على زعمه الفاسد -" (4) .
وقال الجرجاني: "... ولا يجوز التعويل في إثباته - أي الاستواء- على الظاهر من الآيات والأحاديث مع قيام الاحتمال المذكور، هو أن المراد به الاستيلاء..." (5) .
وقال: "والحق أنها أي الدلائل النقلية قد تفيد اليقين في الشرعيات، نعم في إفادتها في العقليات نظر".
ثم قال: (فلا جرم كانت إفادتها في العقليات محل نظر وتأمل) (6) .
ثم قال: "وقد جزم الإمام الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية في المسائل العقلية، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية".
ولقد ساق الزبيدي نصوص صفتي الاستواء والنزول، وسماها "ظواهر"، ثم ذكر قانوناً كلياً معروفاً عند الماتريدية وزملائهم الأشعرية في الجواب عن نصوص الصفات فقال:
"وأجيب عنه بجواب إجمالي هو كالمقدمة للأجوبة التفصيلية:
وهو أن الشرع إنما ثبت هذه الدلالة بالعقل، فلو أتى الشرع بما يكذبه العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل، معاً.
إذا تقرر هذا، فنقول: كل لفظ يرد في الشرع مما يستند إلى الذات المقدسة بأن يطلق اسماً، أو صفة لها، وهو مخالف للعقل، ويسمى المتشابه، لا يخلو إما أن يتواتر، أو ينقل آحاداً، والآحاد إن كان نصاً لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله، أو سهوه، أو غلطه، وإن كان ظاهراً فظاهره، غير مراد، وإن كان متواتراً فلا يتصور أن يكون نصاً لا يحتمل التأويل، بل لابد وأن يكون ظاهراً، وحينئذ الاحتمال الذي ينفيه العقل ليس مراداً منه" (7) .
وهكذا موقفهم من نصوص أخرى في صدور الصغائر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتوبتهم عنها، فهي أيضاً إما أن تُرد وإما أن تحرف فيذكرون قانونهم الكلي قائلين:
"... فما نقل عن الأنبياء عليهم السلام مما يشعر بكذب أو معصية، فما كان منقولاً بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن، وإلا فمحمول على ترك الأولى، أو كونه قبل البعثة" (8) .
قلت: هذا الذي ذكرنا من موقفهم من المتواترات، وأن العقل أصل والنقل فرع فلابد من صرف النقل عن ظاهره، ولا يجوز التمسك بظاهره، هو بعينه موقف الجهمية الأولى والمعتزلة (9) ، بل القرامطة الباطنية من نصوص الشرع.
وهذه حقيقة اعترف بها الماتريدية (10) ، ولذلك نرى تأويلات الماتريدية عين تأويلات الجهمية الأولى والمعتزلة (11) .
وللماتريدية وزملائهم الأشعرية موقف آخر أضرّ من الأول مأخوذ من القرامطة الباطنية كما صرح به ابن سينا الحنفي المتفلسف الباطني القرمطي (428هـ) وهو أن نصوص الصفات في الكتب السماوية والأحاديث النبوية ليست جادة في بيان الاعتقاد ولا القصد منها اعتقاد ما تدل عليه من صفات الله تعالى بل القصد منها استدراج العوام المشبهة لأن ذلك أنسب لدعوتهم إلى التنزيه لئلا يتبادروا إلى الإنكار والعناد.
وهذا من الأدلة الواضحة على أن مادة الماتريدية هذه مأخوذة عن الجهمية الأولى بل عن القرامطة الباطنية ابن سينا من الملاحدة والزنادقة.
هذا هو بيان موقفهم من النصوص المتواترات. (40)
فالتأويل والتفويض إذا هما أصل من الأصول المنهجية التي يقوم عليها منهج الماتريدية في تقرير العقيدة وقد صرح الماتريدي بأن النصوص لا تحمل على ظواهرها بل يجب أن تفهم على المعنى الذي يفهمونه ويتصورونه هم من النصوص قال في (التأويلات) : "إن الخطاب قد لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج ولكن على مخرج الحكمة والمعنى" (12) .
كما أن أبا المعين النسفي قد صرح بهذا في (التبصرة) و(التمهيد).
قال في (التبصرة): " إن هذه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة المروية التي يوهم ظاهرها التشبيه وكون الباري جسما متبعضا متجزيا كانت كلها محتملة لمعان وراء الظاهر والحجج المعقولة ...غير محتملة، والعقول من أسباب المعارف وهي حجة الله تعالى وفي حمل هذه الآيات على ظواهرها ...إثبات المناقضة بين الكتاب والدلائل المعقولة وهي كلها حجج الله تعالى ومن تناقضت حججه فهو سفيه جاهل ... والله تعالى حكيم لا يجوز عليه السفه ...فحمل تلك الدلائل السمعية على ظواهرها كان محالا ممتنعا" (13) .
وقال في موضع آخر: "إن حمل الآيات على ظواهرها والامتناع عن صرفها إلى ما يحتمله من التأويل يوجب تناقضا فاحشا في كتاب الله تعالى... فلا يجوز أن يفهم مما أضيف من الألفاظ إلى الله تعالى ما يستحيل عليه ويجب صرفه إلى ما لا يستحيل عليه أو تفويض المراد إليه والإيمان بظاهر التنزيل مع صيانة العقيدة عما يوجب شيئا من أمارات الحدث فيه..." (14) .
والماتريدية كغيرهم من المتأولة لا يوجد لديهم قانون مستقيم في التأويل ولا في التفويض فالماتريدي يؤول بعض النصوص ويجزم بتأويله إياها أي أنه يقطع بأن تأويله هو المعنى المراد من اللفظ كتأويله قوله تعالى: اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة:15] وقوله: يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] وقوله: وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ [آل عمران:54] كما أنه يؤول كثيرا من النصوص ولا يجزم ولا يقطع بتأويله لها كما في تأويله لصفة الاستواء والوجه والعينين واليدين ونحوهما من الصفات ويلجأ إلى التفويض في نصوص أخرى كتفويضه لصفة المجيء (15) . والماتريدية بعد الماتريدي اختلفوا فمنهم من رجح التأويل ومنهم من رجح التفويض ومنهم من أجاز الأمرين ومنهم من أجاز التأويل للحاجة.
فأبو القاسم الحكيم السمرقندي يرى التفويض مطلقا فهو يقول بعد ذكره لبعض النصوص الخبرية: " فينبغي له - أي للعبد - أن يعتقد ويؤمن بها ولا يفسرها لأن تفسيرها يدخل في مذهب التعطيل ... وإذا رأيت آية المتشابه فدع ذلك إلى الله تعالى ولا تفسره حتى تنجو لأنه ليس فرضا عليك أن تعرف تفسيره بل الفرض عليك أن تؤمن به " (16) .
وذهب أبو المعين النسفي إلى جواز كل من التأويل والتفويض كما أنه ذكر اختلاف مشايخ الماتريدية في ذلك وكذا البياضي وغيره.
قال أبو المعين: " اختلف مشايخنا رحمهم الله منهم من قال في هذه الآيات - أي آيات الصفات الخبرية - إنها متشابهة نعتقد فيها أن لا وجه لإجرائها على ظواهرها ... ولا نشتغل بتأويلها ونعتقد أن ما أراد الله تعالى بها حق ...
ومنهم من اشتغل ببيان احتمال الآيات معاني مختلفة سوى ظاهرها ويقولون نعلم أن المراد بعض ما يحتمل بها الألفاظ من المعاني التي لا تكون منافية للتوحيد والقدم ولا يقطعون على مراد الله تعالى لانعدام دليل يوجب القطع على المراد وتعيين بعض المعاني ..." (17) .
ثم قال: " فلا يجوز أن يفهم مما أضيف من الألفاظ إلى الله تعالى ما يستحيل عليه ويجب صرفه إلى ما لا يستحيل عليه أو تفويض المراد إليه والإيمان بظاهر التنزيل مع صيانة العقيدة عما يوجب شيئا من أمارات الحدث... " (18) .
وقال في التمهيد بعد ذكره لآيات الصفات : " فإما أن نؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلها ...وإما أن تصرف إلى وجه من التأويل يوافق التوحيد" (19) .
وذهب الناصري إلى القول بالتفويض ونسب القول به إلى مشايخ الماتريدية بإطلاق وبدون تفصيل.
قال: ومن أراد أن يعرف الحق فعليه التمسك بالأدلة الموجبة للعلم قطعا... وما اشتبه عليه من متشابهات الكتاب والخبر المتواتر فيؤمن بمراد الله تعالى ومراد رسوله منها وينفي عن الله مشابهة الخلق عملا بالنص المحكم وهو قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] . ويصفه بما وصف نفسه في سورة التوحيد والإخلاص ويعتقد أن الله قديم حكيم لم ينزل كتابه متناقضا ولا بعث رسوله بدين متناقض ...." (20) .
وقال أيضا: "والمذهب عند أصحابنا رحمهم الله أن كل ما ثبت بالكتاب والسنة الواضحة ولا يتعلق به العمل فإنه لا يجب الاشتغال بتأويله بل يجب الاعتقاد بثبوته وحقية المراد بذكره ووروده " (21) .
ويرى ابن الهمام التأويل فيما دعت الحاجة إليه وذلك إذا خيف على العوام أن يقع خلل في فهمهم فهو يقول مثلا في الاستواء: "أنه تعالى استوى على العرش مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام من التمكن والمماسة والمحاذاة بل بمعنى يليق به هو سبحانه أعلم به وحاصله وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه فأما كون المراد أنه استيلاؤه على العرش فأمر جائز الإرادة إذ لا دليل على إرادته عينا فالواجب عينا ما ذكرنا وإذا خيف على العامة عدم فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية وأن لا ينفوه فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء .... " (22) .
وأما ابن قطلوبغا فيرى أن التفويض أليق بالعوام والتأويل أليق بأهل النظر والاستدلال قال في حاشيته على (المسايرة): "فاللائق بالعوام سلوك طريق التسليم واللائق بأهل النظر طريق التأويل لدفع تمسكات المبتدعة " (23) .
فالماتريدية إذا ليس لهم قانون مستقيم في التأويل ولا في التفويض فأقوالهم فيه مختلفة مضطربة....
والتأويل على اصطلاح الماتريدية وغيرها من الفرق الكلامية ...قول مبتدع محدث لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين ولا عن أحد من أهل اللغة المتقدمين (24) .
والتأويل بهذا الاصطلاح ما هو إلا منهج عقلي ظهر بظهور بدعة نفي الصفات والقدر على يد الجهمية والمعتزلة فقد ورد عن بعض رءوس الجهمية أنه قال : " ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن فأقروا به في الظاهر ثم صرفوه بالتأويل ويقال إنه قال إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتأويل" (25) .
والذي يغلب على الظن كما أن القول بنفي الصفات انتقل إلى الجهمية والمعتزلة من طريق اليهود والنصارى فكذا القول بالتأويل، إذ إن التأويل بهذا الاصطلاح كان معروفا عند اليهود والنصارى قبل ظهوره على يد الجهمية والمعتزلة ففي اليهودية ارتبط التأويل باسم (فايلو الإسكندراني) الذي كان ينفي الصفات الخبرية التي وردت في التوراة ويؤكد على وجوب تفسيرها تفسيرا مجازيا وفق قوانين التأويل المجازي التي حددها هو بنفسه.
وسار على نهج فايلو عدد من لاهوتي اليهود في العصور الإسلامية منهم سعدايا الفيومي وموسى بن ميمون الذي أكد في كتابه (دلالة الحائرين) أن السبب الرئيسي الذي أدى إلى ظهور التشبيه هو التمسك بظاهر الصفات الخبرية التي وردت في التوراة وتفسيرها بالحقيقة دون المجاز (26) .
وفي النصرانية ظهر القول بالتأويل المجازي على يد كلمانت الإسكندري وأوريجين والقديس أوغسطين واشتهر به أيضا يوحنا الدمشقي الذي يعتبر من أكبر آباء الكنيسة الشرقية وقد كان له دور كبير في ظهور الجدل العقلي بين المسلمين بل يعده كثير من الباحثين المسؤول الأول عن ظهور الجدل العقلي في البيئة الإسلامية (27) .
ولقد كان التأويل أصل كل بدعة ظهرت بين المسلمين كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في نونيته :
هذا وأصل بلية الإسلام من تأويل ذي التحريف والبطلان
وهو الذي قد فرق السبعين بل زادت ثلاثا قول ذي البرهان


إلى أن قال رحمه الله :
وجميع ما في الكون من بدع وأحداث تخالف موجب القرآن
فأساسها التأويل ذو البطلان لا تأويل أهل العلم والعرفان


فجميع ما أحدث في الإسلام من بدع فرقت الأمة شذر مذر أصله وسببه هو التأويل الباطل الذي هو في الحقيقة تحريف وتعطيل لنصوص الكتاب والسنة.
وقول الماتريدية وغيرهم من المتكلمين بالتأويل ظاهر الفساد لكل عاقل ومما يدل على فساده تناقضهم فيه والقول المتناقض بطبيعة الحال قول فاسد لذا كان الطبيب ابن النفيس يقول ليس إلا مذهبان مذهب أهل الحديث أو مذهب الفلاسفة فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف (28) ... وهو بهذا "يعني أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسول وأولئك جعلوا الجميع تخييلا وتوهيما ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة" (29) .
لهذا لم يكن لهم قانون مستقيم في التأويل فلا يستطيعون أن يفرقوا بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والتي لا تحتاج إليه فهم كما يقول شيخ الإسلام : " يوجبون التأويل في بعض السمعيات دون بعض وليس في المنتسبين إلى القبلة بل ولا في غيرهم من يمكنه تأويل جميع السمعيات.
وإذا كان كذلك قيل لهم ما الفرق بين ما جوزتم تأويله فصرفتموه عن مفهومه الظاهر ومعناه البين وبين ما أقررتموه؟
فهم بين أمرين إما أن يقولوا ما يقوله جمهورهم إن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه .
فيقال لهم: فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء فإنه لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية...
وأيضا فعدم المعارض العقلي القاطع لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي فإنه على قولكم إذا جوزتم على الشارع أن يقول قولا له معنى مفهوم وهو لا يريد ذلك لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر للخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك جاز أن يريد بكلامه ما يخالف مقتضاه بدون ذلك لجواز أن يظهر في الآخرة ما يخالف ذلك أو لكون ذلك ليس معلوما بدليل عقلي ونحو ذلك فإنه إذا جاز أن يكون تصديق الناس له فيما أخبر به موقوفا على مثل ذلك الشرط جاز أن يكون موقوفا على أمثاله من الشروط إذ الجميع يشترك في أن يكون الوقف على مثل هذا الشرط يوجب أن لا يستدل بشيء من أخباره على العلم بما أخبر به.
وإن قالوا بتأويل كل شيء إلا ما علم بالاضطرار أنه أراده كان ذلك أبلغ فإنه ما من نص وارد إلا ويكون الدافع له أن يقول ما يعلم بالاضطرار أنه أراد هذا.
فإن كان للمثبت أن يقول أنا أعلم بالاضطرار أنه أراده كان لمن أثبت ما ينازعه فيه هذا المثبت أن يقول أيضا مثل ذلك ...
فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانونا فيما يتأول وما لا يتأول بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع ... فعلم أن قولهم باطل..." (30) .
" فهؤلاء مع تناقضهم لا يجعلون الرسول نفسه نصب في خطابه دليلا يفرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال بل يجعلون الفارق هو ما يختلف باختلاف الناس من أذواقهم وعقولهم.
ومعلوم أن هذا نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان بل إلى كتمان الحق وإضلال الخلق بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله ولهذا كان حقيقة أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول.
فلا يستفيدون من كتاب الله وسنة رسوله شيئا من معرفة صفات الله تعالى بل الرسول معزول عندهم عن الإخبار بصفات الله نفيا وإثباتا وإنما ولايته عندهم في العمليات..." (31) .
ويقال لهم إن الأصل في اللفظ حمله على الحقيقة وحمله على غير حقيقته وظاهره يكون إخراجا له عن أصله وهذا حتى يكون صحيحا مقبولا لابد لمدعيه أن يأتي بأربعة أمور ليس له قدرة على واحد منها وهي :
الأول: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة منشئا وضعا من عنده فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص" (32) .
الثاني: أن " يبين ذلك المعنى ...فإنه إذا أخرج عن حقيقته قد يكون له معان فتعين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل" (33) .
الثالث: "إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره فإن دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه" (34) .
الرابع: "الجواب عن المعارض فإن مدعي الحقيقة قد أقام الدليل العقلي والسمعي على إرادة الحقيقة
أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه.
وأما العقلي فمن وجهين: عام وخاص. فالعام الدليل الدال على كمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال نصحه والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفة تلك الشبه الخيالية أولى بالجواز وإن لم تجز مخالفة تلك الشبه فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى.
وأما الخاص فإن كل صفة وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فهي صفة كمال قطعا فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها فالدليل العقلي الذي دل على ثبوت الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر دل نظيره على ثبوت الحكمة والرحمة والرضا والغضب والفرح والضحك والذي دل على أنه فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به وذلك عين الكمال المقدس وكل صفة دل عليها القرآن والسنة فهي صفة كمال والعقل جازم بإثبات صفات الكمال للرب سبحانه ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا وهذا الدليل أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة" (35) .
ثم يقال لهم: إن القول بالتأويل على اصطلاحكم شر من التشبيه والتعطيل فإن التأويل " يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص وانتهاكه لحرمتها وإساءة الظن بها ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال فجمعوا بين أربعة محاذير: اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله المحال الباطل ففهموا التشبيه أولا ثم انتقلوا إلى المحذور الثاني وهو التعطيل فعطلوا حقائقها بناء منهم على ذلك الفهم الذي لا يليق بها ولا يليق بالرب جل جلاله . المحذور الثالث نسبة المتكلم الكامل العلم الكامل البيان التام النصح إلى ضد البيان والهدى والإرشاد ... ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح أو أنصح للناس.
المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم وقد حلت بها المثلات وتلاعبت بها أمواج التأويلات ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد فلو شاهدتها بينهم وقد ...قعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا لا طريق لك علينا وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين وأنت أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين فلا إله إلا الله والله أكبر كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن ...." (36) .
ويلزم القائلين بالتأويل لوازم باطلة لا يرضى بواحد منها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان " منها أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل ومنها أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب ولم يفصح به بل رمز إليه رمزا وألغزه إلغازا لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك ومنها أن يكون دائما متكلما في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب تارة بأنه استوى على عرشه وتارة بأنه فوق عباده وتارة بأنه العلي الأعلى وتارة بأن الملائكة تعرج إليه ... إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك ولا يتكلم فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو الصواب فيه لا نصا (ظاهرا ولا تنبيها) ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون فقد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان وذلك إما جهل ينافي العلم وإما كتمان ينافي البيان... ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال ولم يستفيدوا منها يقينا ولا علما بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك إنما يستفاد من عقول الرجال وآرائها" (37) .
فهل يشك أحد بعد هذا في فساد التأويل وبطلانه؟!
وأما القول بالتفويض فهو في الحقيقة من شر أقوال أهل البدع وذلك لمناقضته ومعارضته نصوص التدبر للقرآن واستلزامه تجهيل الأنبياء والمرسلين برب العالمين فمن المعلوم " أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟!
وأيضا فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا وإخراجنا من الظلمات إلى النور إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك فعلى التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر.
وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا أنه لم يبين الحق ولا أوضحه مع أمره لنا أن نعتقده وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه بل دل ظاهره على الكفر والباطل وأراد منا أن لا نفهم منه شيئا أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد" (38) .
" فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الملائكة ولا السابقون الأولون وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه ...ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته ... لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بيَّن للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين.
وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما عملته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم معناه أحد لا يجوز أن يستدل به ..." (39) .
فتبين بهذا أن القول بالتفويض في غاية البطلان والفساد بل هو من شر أقوال أهل البدع كما أن التأويل كذلك.

محروم
اليوم, 01:50 PM
خلاصة المسائل العقدية التي خالف فيها الماتريدية السلف


وأما بالنسبة لآرائهم التي خالفوا فيها السلف فمن أهمها ما يلي:
خلاف الماتريدية في مفهوم توحيد الألوهية، إذ هو عندهم بمعنى أن الله واحد في ذاته لا قسم له ولا جزء له، واحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له. وأهل السنة يخالفونهم في هذا المفهوم لتوحيد الألوهية.
اعتمدت الماتريدية في إثبات وجود الله تعالي على دليل حدوث الأعراض والأجسام، وهى طريقة باطلة لا اعتبار لها عند السلف، وإنما هي طريقة غلاة الفلاسفة وأهل الكلام المذموم.
يستدل الماتريدية على وحدانية الله تعالى بقوله عز وجل: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء:22] وهو ما يسميه البعض بدليل التمانع، وقد خطأهم السلف في هذا المفهوم، مع إقرار السلف بأن دليل التمانع صحيح في دلالته على امتناع صدور العالم عن إلهين، لكن ليس هذا هو المقصود من الآية الكريمة.
تثبت الماتريدية جميع الأسماء الحسنى لدلالة السمع عليها، إلا أنهم غلوا في الإثبات ومدلول الأسماء لعدم تفريقهم بين ما جاء في باب التسمية وبين ما جاء في باب الإخبار عن الله، فمدلول الاسم عندهم هو الذات وهذا خاص في اسم "الله" فقط، وأما ما عداه فمدلوله يؤخذ عندهم من الصفات التي أثبتوها فلم يقفوا على ما ثبت بالسمع فقط.
وقف الماتريديون في باب الصفات على إثبات بعض الصفات دون غيرها، فأثبتوا من الصفات: القدرة، العلم، الحياة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، التكوين، وذلك لدلالة العقل عليها عندهم، وهم تحكم باطل، وقد ألزمهم السلف بإثبات ما نفوه بنفس الدليل الذي أثبتوا به تلك الصفات الثمانية.
نفت الماتريدية جميع الصفات الخبرية الثابتة بالكتاب والسنة، لأن في إثباتها - بزعمهم - مخالفة للعقل الذي يرى في إثباتها ما يدعو إلى وصف الله تعالي بالتشبيه والتجسيم.
ولقد دحض السلف هذا المفهوم الباطل والاعتقاد الخاطئ، وكذلك نفوا ثبوت الصفات الاختيارية لله تعالى التي هي صفات الفعل اللازمة لله تعالي، لأنها كذلك تؤدي إلى التشبيه والتجسيم، وقد أبطل السلف هذا المفهوم وفندوا شبههم.
يعتقد الماتريديون أن كلام الله تعالي معنى واحد قديم أزلي، ليس له تعلق بمشيئة الله تعالى وقدرته، وأنه ليس بحرف ولا صوت، بل هو كلام نفسي لا يسمع، بل المسموع منه إنما هو عبارة عنه، وهو اعتقاد باطل مخالف للكتاب والسنة ولما عليه السلف.
حصر الماتريديون الدليل على صدق الأنبياء في ظهور المعجزات على أيديهم، لأنها تفيد العلم اليقيني وحدها بزعمهم.
والسلف لا يختلفون في أن المعجزات دليل صحيح معتبر لصدق الأنبياء، ولكنهم يخالفونهم في حصر أدلة صدق الأنبياء في المعجزات فقط دون النظر إلى الأدلة الأخرى.
يرى الماتريديون أن كل المسائل المتعلقة باليوم الآخر لا تعلم إلا بالسمع، والسلف يخالفونهم في هذا، ويقولون: إن تلك المسائل علمت بالسمع ودل عليها العقل أيضا.
أثبت الماتريديون رؤية الله تعالي، ولكنهم نفوا الجهة والمقابلة، وخالفهم السلف واعتبروا قول الماتريدية تناقضاً واضطراباً في مفهومهم للرؤية، ويؤدي إلى إثبات ما لا يمكن رؤيته، وإلى نفي جهة العلو المطلق الثابت لله تعالي.
اعتبر السلف ما ذهب إليه الماتريديون في خلق أفعال العباد اعتقادا خاطئا لما فيه من إثبات إرادة للعباد مستقلة - عن مشيئة الله تعالى، وأن خلق الله لأفعالهم إنما هو تبع لإرادتهم غير المخلوقة، والسلف يعتقدون أن لله تعالى وحده المشيئة وأن للعباد مشيئة لا تخرج عن مشيئة الله تعالى.
ذهبت الماتريدية إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وقال بعضهم: إنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان ومنعوا زيادته ونقصانه وحرموا الاستثناء فيه ومنعوا التفريق بين مفهوم الإيمان والإسلام.
وخالفهم السلف في كل ذلك فإن الإيمان عندهم هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالأركان وأنه يزيد وينقص ويجوز الاستثناء فيه لعدم جواز تزكية النفس. وأما الإسلام والإيمان فإنهما متلازمان، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا كما هو الحال في مفهوم الفقير والمسكين ونحو ذلك.
يرى الماتريديون أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان، بينما يرى السلف أنه مؤمن بإيمان فاسق بكبيرته، فلا يسلبون منه الإيمان ولا يثبتون له الكمال فيه.

محروم
اليوم, 01:58 PM
الرد على الماتريدية
: الرد على الماتريدية في عدم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة


إن موقف الماتريدية من أخبار الآحاد مركبٌ من المقدمات الثلاث - كما سبق-:
1- أخبار الآحاد ظنية لا تفيد اليقين.
2- لا يحتج بها في باب الاعتقاد، وتصلح للعمليات.
3- إن وردت في مخالفة العقل؛ فإن كانت نصاً ترد، وإلا يفوض مرادها أو تؤول إلى ما يوافق العقل.
ونحن نعارض الماتريدية في جميع هذه المقدمات معارضة علمية على وجه البصيرة بتوفيق الله تعالى فنقول:
أولاً: القول بعدم الاحتجاج بأخبار الآحاد في العقيدة قولٌ مبتدع مخالفٌ لطريقة السلف المتوارثة ولاسيما منهج الإمام أبي حنيفة وأصحابه الأوائل.
ثانيا: أحاديث الصفات ليست أخبار الآحاد، بل هي من قبيل المشهورات والمتواترات فلا يصح زعمكم أنها ظنية.
ثالثا: أحاديث الصفات ليست أخبار الآحاد مجردة بل هي موافقة لكتاب الله والعقل الصريح والفطرة السليمة في الدلالة على صفات الله تعالى فلا يصح قولكم: إنها ظنية.
ورابعاً: القول بظنية أخبار الآحاد، هكذا مطلق العنان - لا يصح لأن أخبار الآحاد المحتفة بقرائن الصحة - بجميع أنواعها - مفيدةٌ للعلم اليقيني فهي كالمشهورات والمتواترات كل ذلك باعترافكم.
وخامساً: لو سلمنا مقدماتكم - على سبيل فرض المحال - لنقولُ: إن المراد من العمل أعم من عمل الجوارح، فيشمل عمل القلب، فصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب العقيدة حتى باعترافكم أيضاً.

الوجه الأول:
أن القول بأن أخبار الآحاد ظنية لا تصلح لإثبات العقيدة والفرق بين أبواب العقيدة، وبين أبواب الأحكام وأن أخبار الآحاد تصلح للأحكام دون العقائد - قول مبتدع في الإسلام ابتدعه طوائف الجهمية من المتكلمين ثم دب إلى بعض الأصوليين والفقهاء.
وأنه مخالف لما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة هذا الدين. حيث يحصل لهم العلم من تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي رويت من طريق الثقات الأثبات، ولو سلمنا أنها لا تفيد العلم اليقيني - كما هو زعم المتكلمين - لا نسلم هذه التفرقة: من أن أخبار الآحاد تصلح لإثبات الأحكام العملية ولا تصلح للمباحث العقدية العلمية. لأن هذه التفرقة هي خلاف ما أجمع عليه السلف بل هذه التفرقة أصل من أصول الضلال.
1- قال إمام عصره المجمع على إمامته أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني (489هـ) جد صاحب الأنساب:
قولهم: إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم - رأي سمعت به المبتدعة في رد الأخبار.
إذ أن الخبر إذا صح ورواه الثقات والأئمة، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة. وأما هذا القول المبتدع فقول القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار. وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول، ولو أنصف أهل الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد قد يوجب العلم.
ثم ذكر الإمام السمعاني أدلة قاطعة على ذلك وبين بالحجج الدامغة أن منهج النقد عند المحدثين منهج متين رصين، لا يغادر للظنين طنيناً بل يورث يقيناً (1) .
2- وقال ابن القيم على سبيل التسليم: "إن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها.
فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر؟ بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؟ وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميّات كما تحتج بها في الطلبيات العمليّات، ولا سيما أن الأحكام العملية، تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه، ورضيه ديناً، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته.
ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوّز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله، وأسمائه وصفاته. فأين سلف المفرّقين بين البابين؟.
نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله، ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب، والسنة وأقوال الصحابة ويحيلون على آراء المتكلمين، وقواعد المتكلفين، فهم الذين يعرف عنهم هذا التفريق بين الأمرين...؛
وهذا التقسيم أصل من أصول ضلال القوم. فإنهم فرّقوا بين ما سموه أصولاً وما سموه فروعاً، وسلبوا الفروع حكم الله المعين فيها،...، وجعلوا ما سموه أصولاً من أخطأ فيه عندهم فهو كافرٌ أو فاسق، وادعو بالإجماع على هذا التفريق" (2) .
3- وقال الإمام ابن القيم أيضاً: ونحن نشهد بالله ولله شهادةً على البت والقطع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: خبرك خبر واحدٍ لا يفيد العلم حتى يتواتر؛ ولم يكن أحد من الصحابة ولا أحد من أهل الإسلام بعدهم يشك فيما أخبر به أبو بكر الصديق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي ولا عبدالله بن مسعود، ولا غيرهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل كانوا لا يشكون في خبر أبي هريرة رضي الله عنه، مع تفرده بكثير من الحديث ولم يقل أحد منهم يوماً واحداً من الدهر: خبرك هذا خبر واحد لا يفيد العلم.
وكان حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجل في صدورهم من أن يقابل بذلك، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثاً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصفات تلقاه بالقبول، واعتقد تلك الصفة على القطع واليقين، كما اعتقدوا رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة وضحكه، وفرحه، وإمساك سماواته بإصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له سبحانه وتعالى.
ومن سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو عن أحد من الصحابة "رضي الله عنهم" اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق ولم يرتب فيها قط. إلى أن قال ابن القيم: حتى إن الصحابة ربما يَتَثَّبتونَ في بعض أحاديث الأحكام حتى يستظهروا بآخر؛ أما أحاديث الصفات فلم يطلب أحد منهم الاستظهار فيها البتة، بل كانوا أعظم مبادرةً إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها، ومن له أدنى إلمام بالسنة والالتفات إليها - يعلم ذلك دون شك، ولولا وضوح الأمر في ذلك كالشمس في رابعة النهار لذكرنا أكثر من مائة موضع.
فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام؛ ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين، والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف في الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم.
ثم أفاض الإمام ابن القيم في نقل إجماع الأئمة على ذلك ولاسيما الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الإمام أبي حنيفة، وغيرهم (3) .
4- وقد ذكر ابن عبدالبر الإجماع على قبول خبر الواحد في العقائد وله كلام قيم في بيان منهج السلف في العقيدة ولاسيما في الصفات فارجع إليه (4) .

الوجه الثاني:
أن نعارض الماتريدية بمنهج الإمام أبي حنيفة وأصحاب الأوائل في مصدر تلقي العقيدة فإن منهجهم في تلقي العقيدة أنهم يأخذون العقيدة عن كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة بما فيها أخبار الآحاد، كما يستخدم الإمام دليل الفطرة الصحيحة السليمة أيضاً. فلا يوجد في منهج الإمام وأصحابه شيء مما زعمه هؤلاء المتكلمون: من أن ظواهر النصوص أدلة لفظية ظنية أو أخبار الآحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة، بل نجد عندهم خلاف ما عند هؤلاء المتكلمين.
إذاً فهم خارجون جهاراً على أئمتهم مخالفون لمنهجهم في تلقي العقيدة.
وأنهم مبتدعون في تفريقهم حول أخبار الآحاد: من أنها تفيد العمل ولا تفيد العلم ومخالفون لإمامهم في آنٍ واحدٍ فليسوا أهل السنة.
وها هي نماذج من نصوص الإمام أبي حنيفة وبعض كبار أصحابه.
1- قال الإمام أبو حنيفة:
"من قال: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر. وكذا من قال: إنه على العرش ولا أدري العرش في السماء أو في الأرض؟.
والله يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء وعليه ما روي في الحديث، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال: وجب علّي عتق رقبة مؤمنة أفتجزئ هذه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمؤمنة أنتِ فقالت: نعم فقال: أين الله فأشارت إلى السماء، فقال: (أعتقها فإنها مؤمنة)) (5) .
قلت: أيها المسلم! هذا نص أبي حنيفة بشهادة الحنفية الماتريدية جميعاً وعلى آخرهم الكوثري فقد ترى أن الإمام استدل في أكبر مسألة، وأوضحها في العقيدة - وهي العلو لله تعالى واستوائه على عرشه- بدليل الفطرة، وحديث الجارية اللذين تلاعب بهما المتكلمون وعلى رأسهم الكوثري أنواع التلاعب، ولم يكتف الإمام بإثبات علو الله تعالى بل كفّر من أنكر ذلك أو شك فيه، وفي ذلك عبرة للمتكلمين عامة وللماتريدية خاصة.
ولا شك أن حديث الجارية خبر الواحد وإن قيل بتواتره.
2- وقال الإمام محمد بن الحسن رحمه الله:
"اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير، ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي"؛ وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول الجهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه قد وصفه بصفة لا شيء (6) .
تفكر أيها المسلم: في كلام هذا الإمام، فإنه مشتمل على الأمور الثلاثة على الأقل:
الأول: الإجماع على إثبات الصفات لله التي جاء بها الكتاب والأحاديث المروية عن طريق الثقات.
الثاني: الإجماع على إثبات الصفات بالأحاديث بدون تقييد كونها متواترةً أو مشهورةً أو أخبار الآحاد بعد أن كانت صحيحةً مرويةً عن الثقات.
الثالث: الإجماع على الإيمان بصفات الله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه ولا تفسير الجهمية وتأويلهم الذي هو عين التحريف والتعطيل المؤدي إلى كون الله تعالى موصوفاً بصفة لا شيء لأن نفي علو الله والقول بأنه لا فوق ولا تحت ولا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا ومنفصل عنه صفة معدوم بل ممتنع كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
"هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها" (7) .
فهذا نص صريح في إثبات الصفات بالأحاديث التي رويت عن الثقات بدون قيد التواتر فيصح الأخذ في باب العقيدة بالسنة بعد أن كانت صحيحة مروية عن طريق الثقات وهذا هو منهج السلف الصالح، ولاسيما أئمة الحنفية وفي ذلك عبرة للماتريدية أيما عبرة.
4- وقال الإمام الطحاوي فيما ذكره عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، الإمامين أبي يوسف، ومحمد رحمهم الله في أحاديث الرؤية:
"وكل ما جاء من ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو ما قال: ومعناه، على ما أراد الله تعالى، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا" (8) .
5- وقال: "وجميع ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الشرع والبيان كله حق" (9) .
فهذا النص كما ترى ينادي بأندى الصوت أن الحديث بعد ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستدل به على إثبات العقيدة من دون قيد التواتر والشهرة فثبت ثبوتاً واضحاً كفلق الصبح بل كالشمس في رابعة النهار أن منهج الماتريدية كغيرهم من المتكلمين منهج مبتدع مخالف لمنهج السلف، عامة ولاسيما الإمام أبي حنيفة وأصحابه الأوائل.
فوا عجباً للحنفية الماتريدية حيث يتهالكون في تقليد الإمام أبي حنيفة رحمه الله في المسائل الفقهية، ولو كانت مخالفةً للكتاب والسنة الصحيحة المحكمة الصريحة مع نهي الإمام أبي حنيفة رحمه الله وغيره من الأئمة عن مثل هذا التقليد الأعمى حتى باعتراف الحنفية (10) وينبذون أصول هذا الإمام ومنهجه ومنهج أصحابه الأئمة الأوائل في باب العقيدة وراءهم ظهريا، وفي ذلك عبرة، فهل من معتبر؟
فلو كانوا حنفية كاملة على تعبير العلامة عبدالحي اللكنوي، لما نبذوا منهج الإمام وأصحابه الأوائل هكذا بالمرة.
مع أن أبواب الاعتقاد أهم من الأحكام فخروجهم على الإمام أبي حنيفة في الأصول وتشبثهم بأقواله في الفروع، ولو كانت مخالفة للأحاديث الصحيحة من عجب العجاب!.
6- هذا، وللإمام ابن أبي العز الحنفي كلام مهم في شرح قول الطحاوية فارجع إليه (11) .

الوجه الثالث:
أن عامة أحاديث الصفات ليست أخبار آحادٍ - كما يزعم من لم يجمع طرفها ولم يعش معها، لأن أحاديث الصفات إما متواترة لفظاً ومعنى، أو معنى فقط، أو مشهورة، فلا يصح زعمهم: "أنها أخبار آحادٍ وهي ظنية لا تثبت بها العقيدة". لأنها ليست أخبار آحادٍ باصطلاح الحنفية الماتريدية واعترافهم بل هي فوق أخبار الآحاد في المنزلة وإفادة العلم، فقد صرحوا بأن المتواتر يوجب اليقين بلا شكٍ عندهم، وأما المشهور فيوجب علم الطمأنينة؛ فيجوز الزيادة به على كتاب الله عندهم، والمشهور في حيز المتواتر، بل قد صرح الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي بأن المشهور قسم من المتواتر؛.
فقد صرح الحنفية بأن حديث الرجم وأحاديث المسح على الخفين، ونحوها مما كان أخبار الآحاد في القرن الأول ثم اشتهر فصار من المشهور في القرن الثاني والثالث (12) ومثل هذا يثبت به العقيدة حتى باعترافهم هم وشهادتهم بلسانهم وبنانهم.
فقد قال الإمام شمس الأئمة السرخسي الحنفي رحمه الله (490هـ): "فأما الآثار المروية في عذاب القبر، ونحوها فبعضها مشهورة، وبعضها آحاد وهي توجب عقد القلب..." (13) .
ومثله بنصه قوله الإمام صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود الحنفي (747هـ): "فيكفي له خبر الواحد وفي هذا نظر لأنه يجب أن لا يختص هذا بأحكام الآخرة بل يكون كل الاعتقاديات كذلك" (14) .
ثم لم يجب عن هذا الإشكال وهذا يدل على أنهم عملوا قوة هذه الأخبار ولو كانت أخبار آحاد.
الحاصل: أنه لما أنه لما كان غالب أحاديث الصفات إما متواتراً لفظاً ومعنى أو معنى فقط، أو مشهوراً - وهذه الأنواع أعلى مرتبة من أخبار الآحاد؛ فالمتواتر يفيد العلم القطعي اليقيني، والمشهور يفيد علم الطمأنينة، وكلا النوعين تثبت به العقيدة عند الحنفية الماتريدية - لم يصح دعواهم حول أحاديث الصفات أنها ظنية بحجة أنها أخبار الآحاد؛ فإن دعواهم بهذا الإطلاق والعموم منهدمة على عروشها منهارة على أسسها، وهذا واضح جداً، فدعواهم هذه كما تدل على استخفافهم بالنصوص وتقديم العقول الفاسدة عليها، كذلك تدل على جهلهم بالنصوص وبعدهم عنها؛ لأن أحاديث الصفات ليست كلها أخبار آحاد بل غالبها متواتر.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"والأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام:
أحدها: متواتر لفظاً ومعنى.
والثاني: أخبار متواترة معنى، وإن لم تتواتر بلفظ واحد.
والثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة.
والرابع: أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فأما القسمان الأولان: فكالأخبار الواردة في عذاب القبر، والشفاعة، والحوض، ورؤية الرب تعالى، وتكليمه عباده يوم القيامة، وأحاديث علوه فوق سماواته على عرشه، وأحاديث إثبات العرش... ونحو ذلك مما يعلم بالاضطرار أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاء بها كما يعلم بالاضطرار أنه جاء بالتوحيد وفرائض الإسلام وأركانه، وجاء بإثبات الصفات للرب تبارك وتعالى - فإنه ما من باب من هذه الأبواب إلا وقد تواتر فيه المعنى المقصود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تواتراً معنوياً لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة من وجوه متعددة يمتنع في مثلها في العادة التواطؤ على الكذب عمداً أو سهواً... أفادت العلم اليقيني... وهذا عند أهل الحديث أعظم من علم الأطباء بوجود بقراط وجالينوس فإنهما من أفاضل الأطباء، وأعظم من علم النحاة بوجود سيبويه، والخليل، والفراء، وعلمهم بالعربية،، لكن أهل الكلام وأتباعهم في غاية قلة المعرفة بالحديث وعدم الاعتناء به وكثير منهم بل أفضلهم عند أصحابه لا يعتقد أنه روي في الباب الذي يتكلم فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء أو يظن أن المروي فيه حديث أو حديثان كما تجده لأكابر شيوخ المعتزلة، كأبي الحسين البصري الحنفي يعتقد أنه ليس في الرؤية إلا حديث واحد وهو حديث جرير، ولم يعلم أنه فيها ما يقارب ثلاثين حديثاً؛ وقد ذكرناها في كتاب (صفة الجنة) (حادي الأرواح) (15) .
فإنكار هؤلاء لما عليه أهل الوراثة النبوية من كلام نبيهم أقبح من إنكار ما هو مشهور من مذاهب الأئمة عند أتباعهم.
وما يعلم أن كثيراً من الناس قد تطرق سمعه هذه الأحاديث ولا تفيده علماً، لأنه لم تجتمع طرقها وتعددها واختلاف مخارجها من قبله.
فإذا اتفق له إعراضٌ أن نفرةٌ عن رواتها، وإحسان ظن بمن قال بخلافها.
أو تعارض خيال شيطاني فهناك يكون الأمر كما قال الله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت:44].
فلو كانت أضعاف ذلك لم تحصل لهم إيماناً ولا علماً...
فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه الأخبار العلم بطريقها ومعرفة حال رواتها وفهم معناها - حصل له العلم الضروري، الذي لا يمكن رفعه؛ ولهذا كان جميع أئمة الحديث - الذين لهم لسان صدق في الأمة - قاطعين بمضمون هذه الأحاديث شاهدين بها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جازمين بأن من كذب بها أو أنكر مضمونها فهو كافر مع علم من له إطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم من أعظم الناس صدقاً وأمانةً وديانةً، وأوفرهم عقولاً وأشدهم تحفظاً وتحرياً للصدق ومجانبة للكذب وأن أحداً منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه، ولا صديقه، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحريراً لم يبلغه أحدٌ سواهم لا من الناقلين عن الأنبياء ولا عن غير الأنبياء وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة.
ومن تأمل ذلك أفاده علماً ضرورياً بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم تنقله كل طائفة عن صاحبها، وهذا أمر وجداني عندهم، لا يمكنكم جحده؛ بل هو بمنزلة ما تحسونه من الألم واللذة والحب والبغض، حتى إنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه، ويباهون من خالفهم عليه.
وقول هؤلاء القادحين في الأخبار والسنن: "يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين" بمنزلة قول أعدائه: "يجوز أن يكون الذي جاء به شيطاناً كاذباً"... فإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث، كانوا مكابرين لهم... والمناظرة إذا انتهت إلى هذا الحد لم يبق، فيها فائدة وينبغي العدول إلى ما أمر الله به ورسوله -صلى الله عليه وسلم- من المباهلة، قال الله تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61] (16) .
قلت: رحم الله ابن القيم الإمام وشيخ الإسلام ورفعهما مكانا عليّا؛ فقد عرفا حقيقة هؤلاء المتكلمين من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية أفراخ الجهمية المعطلة.

الوجه الرابع:
أن نقول: لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحادٍ، لكن لا نسلم أنها أخبارُ أحادْ مجردةٌ ظنيةٌ، بل هي قطعيةٌ، لأنها موافقة لكتاب الله تعالى، والعقل الصريح والفطرة السليمة، وإجماع السلف في الدلالة على صفات الله تعالى، كعلو الله تعالى على خلقه، واستوائه، على عرشه، ووجهه الكريم، ويديه، ورضاه، وغضبه، ومحبته وكراهيته، وغيرها من صفات الله تعالى، التي تنفى حقائقها الماتريدية ويحرفون نصوصها؛ فقد جاءت بها نصوص كتاب الله كما جاءت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فحينئذ لا يصح زعمهم: "أن تلك الأحاديث أخبارُ آحادٍ وهي ظنية، لا تثبت بها العقيدة" لأن أحاديث الصفات ليست مجردة عن موافقتها العقل الصريح والفطرة السليمة، وإجماع السلف ومطابقتها لكتاب الله؛ ولأن تلك الصفات ثابتة بنصوص كتاب الله تعالى الصريحة مع موافقتها للعقل الصريح والفطرة السليمة، وإجماع السلف، فيكون مجييء الأحاديث بتلك الصفات من قبيل توافر الأدلة، وتواردها على مدلول واحد، وفيما يلي نبذة من كلام أئمة السنة:
1- قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"هذه الأخبار الصحيحة في هذا الباب يوافقها القرآن ويدل على مثل ما دلت عليه، فهي مع القرآن بمنزلة الآية مع الآية والحديث مع الحديث، المتفقين وهما كما قال النجاشي في القرآن: "إن هذا والذي جاء به موسى من مشكاةٍ واحدة"؛
ومعلوم أن مطابقة هذه الأخبار للقرآن وموافقتها له أعظم من مطابقة التوراة للقرآن.
فلما كانت الشهادة بأن هذه الأخبار والقرآن يخرجان من مشكاة واحدة فنحن نشهد لله على ذلك شهادةً على القطع والبت إذا شهد خصومنا شهادة الزور أنها تخالف العقل.
وما يضرها أن تخالف العقول المنكوسة إذا وافقت الكتاب وفطرة الله التي فطر عباده عليها والعقول المؤيدة بنور الوحي.
وكذلك شهادة ورقة بن نوفل بموافقة القرآن لما جاء به موسى... كان قوله: المبطل: "هذه الأحاديث لا تفيد العلم" - بمنزلة قول من قال في قصص القرآن "إنها لا تفيد العلم".
وهكذا قال المبطلون سواء وإن اختلفت جهة إبطال العلم، عندهم من نصوص الوحي فنصوص القرآن لا تفيد علماً من جهة الدلالة، وهذه لا تفيد علماً من هذه الجهة ومن جهة السند، وهذا إبطال لدين الإسلام رأساً.
بل ذكر هذه الأحاديث بمنزلة ذكر أخبار المعاد، والجنة، والنار التي شهدت بما شهد به القرآن...، وهل يخفى على ذي العقل السليم أن تفسير القرآن بهذه الطرق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال، وشيوخ التجهم، والاعتزال... وأضرابهم من أهل التفرق، والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالاتٍ وبدعاً؛ وفرقوا دينهم وكانوا شيعاً..؛ فإذا لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دل عليه وحصول العلم اليقين بسنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة الثابتة وكلام الصحابة وتابعيهم - أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته؟.. من كل أعمى أعجمي القلب واللسان بعيد عن السنة والقرآن مغمور عند أهل العلم والإيمان"؟ (17) .
2-5- وقال الحافظ ابن حجر:
(تنبيهان):
أحدهما: الذي يظهر من تصرف البخاري في كتاب (التوحيد)، أنه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة فيدخل كل حديث منها في باب يؤيده بآية من القرآن بلا إشارة إلى خروجها من أخبار الآحاد، على طريق التنزل في ترك الاحتجاج بها في الاعتقادات، وأن من أنكرها خالف الكتاب والسنة جميعاً.
وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب (الرد على الجهمية)، بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال: "ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله؛ يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75] لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ [عمران:28].
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67] تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ونحو ذلك فلم يزل - أي سلام بن أبي مطيع- يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس" (18) .
6- وللخطيب البغدادي كلام في مثل هذه المعنى يأتي نص كلامه قريباً إن شاء الله.
7-8 ومثله كلام للإمام أبي محمد أحمد بن عبدالله المفضلي المزني (356هـ). رواه عنه البيهقي بإسناده إليه، وأقره (19) .
9- ولإمام الأئمة ابن خزيمة (311 هـ) كلام مهم أيضاً (20) .
10- وقال ابن القيم: ولهذا كان أئمة السلف يذكرون الآيات ثم الأحاديث كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده، فإن الإمام أحمد وابن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تدل عليه أحاديث النزول والإتيان ونحوها بالقرآن (21) .
الحاصل: أن أخبار الصفات الصحيحة يؤيدها كتاب الله، فهي تفيد العلم اليقيني ويثبت بها الاعتقاد.

الوجه الخامس:
أن نقول: إن أحاديث الصفات لو سلم أنها أخبارُ آحادٍ؛ لكن لا نسلم أنها ظنيةٌ لا تفيد اليقين ولا تثبت بها العقيدة.
لأنها ليست أخبار آحادٍ فقط مجردةً من قرائن الصحة، بل هي محتفة بالقرائن؛ ومن المعروف المقرر المعترف به، أن أخبار الآحاد المحتفة بقرائن الصحة مفيدة للعلم اليقيني النظري.
وقد صرح بهذا كبار أئمة الأمة، بما فيهم كثيرٌ من أساطين الماتريدية وعلى آخرهم الكوثري، وكثير من أئمة الأشعرية، بل بعض كبار المعتزلة؛ فنصوص هؤلاء حجة عليهم في باب الصفات.
وفيما يلي نماذج ممن صرح بكون الخبر المحتف بالقرآئن مفيداً للعلم اليقيني لتكون شاهدة لما قلنا وتقطع أعذار الماتريدية وتتم عليهم الحجة:
1- أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام رأي المعتزلة (231هـ) (22) .
2- الإمام الحافظ الخطيب البغدادي (463هـ) (23) .
3- إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك الجويني (478هـ) (24) .
4- الغزالي (505هـ) الذي يلقبونه بـ "حجة الإسلام وكلاهما من كبار أئمة الأشعرية" (25) .
5- وفخر الدين الرازي فيلسوف الأشعرية (606هـ) (26) .
6- سيف الدين الآمدي (631هـ) وهو من كبار أئمة الأشعرية (27) .
7- الإمام جمال الدين أبي عمرو وعثمان بن عمرو المعروف بابن الحاجب (646) (28) .
8- عضد الدين عبدالرحمن بن أحمد الإيجي من أئمة الأشعرية صاحب (الموقف) (756هـ) (29) .
9- سعد الدين التفتازاني فيلسوف الماتريدية (792هـ) (30) .
10- الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) ومفاد كلامه: أنه لا خلاف في هذه المسألة؛ لأن الخلاف فيها لفظي؛ لأن من قال: يفيد العلم، أراد العلم النظري، ومن أبى - خص بالمتواتر ولم ينف أن المحتف بالقرائن أرجح (31) .
11- كمال الدين بن الهمام (861هـ) وهو من أكابر الحنفية والماتريدية (32) .
12- وتلميذه ابن أمير الحاج الحنفي (879هـ) (33) .
13- شمس الدين محمد بن عبدالرحمن السخاوي (902هـ) (34) .
14- جلال الدين عبدالرحمن السيوطي (911هـ) (35) .
15- محمد أمين المعروف "بأمير بادشاه" الحنفي (987هـ) (36) .
16- العلامة أنور شاه الكشميري الحنفي الديوبندي (1352هـ) (37) .
17- الكوثري مجدد الماتريدية (1371هـ).
وغيرهم ممن لا يحصون.
أنواع الأخبار المحتفة بالقرائن:
ذكر الحافظ ابن حجر أربعة أنواع للخبر المحتف بقرائن الصحة:
الأول: ما أخرجه الشيخان في (صحيحهما)، مما لم يبلغ حد الواتر ولم ينقده أحد من الحافظ ولم يقع التجاذب بين مدلوليه.
الثاني: المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة.
الثالث: المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريباً، كالحديث الذي يرويه الإمام أحمد مثلاً، ويشاركه فيه غيره من الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك، فإنه يفيد العلم عند سماعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته.
الرابع: المتلقى بالقبول:
قال: "وهذا التلقي وحده أقوى من إفادته العمل من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر" (38) .
قلت:
أما النوع الأول:
وهو الحديث المتفق عليه فقد صرح أهل هذا الشأن بأنه أعلى أقسام الصحيح؛ فيذكرون للحديث مراتب سبعاً:
الأولى: ما أخرجه الشيخان في (صحيحيهما).
الثانية: ما انفرد به البخاري.
الثالثة: ما انفرد به مسلم.
الرابعة: ما كان صحيحاً على شرطهما جميعاً.
الخامسة: ما كان على شرط البخاري.
السادسة: ما كان على شرط مسلم.
السابعة: ما كان صحيحاً، ولم يكن على شرط واحد منهما (39) .
فهذا النوع من الأحاديث قد صرح جمع غفير من الجهابذة النحارير من المحدثين، ومن كبار أساطين المتكلمين من الماتريدية والأشعرية بأنها تفيد العلم اليقيني النظري.
فكيف يصح زعم الماتريدية: أن أحاديث الصفات أخبار آحاد ظنية؟
وفيما يلي نماذج من هؤلاء الأعلام:
1- أبو إسحاق إسماعيل بن محمد الأسفراييني الملقب بركن الدين (418هـ) فقد نقل على ذلك إجماع أهل الحديث فقال: "أهل الصنعة مجموعة على أن الأخبار التي اشتمل عليها "الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع" (40) .
2- الإمام أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بشمس الأئمة السرخسي (483هـ) إمام الحنفية في وقته (41) .
3- أبو عبدالله محمد بن أبي نصر الحميدي - صاحب (الجمع بين الصحيحين) (488هـ) (42) .
4- الإمام أبو حامد الغزالي (505هـ) أحد كبار أئمة الأشعرية، ذكره الكوثري فيمن يقولون بإفادة أحاديث (الصحيحين) القطع.
5- الإمام أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (507هـ) (43) .
6- أبو نصر بن يوسف (هو عبدالرحمن بن عبدالخالق اليوسفي) (574هـ) (44) .
7- الإمام الحافظ صدر الدين أبي طاهر أحمد بن محمد الأصفهاني السلفي (576هـ) (45) .
8- الإمام أبو عمرو بن الصلاح (643هـ).
ونص كلامه: "وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به...، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة..." (46) .
9- شيخ الإسلام (728هـ) (47) وسيأتي نصه قريباً إن شاء الله تعالى.
10- الإمام ابن القيم (751هـ) (48) .
11- الحافظ ابن كثير (774هـ).
ومن كلامه: "وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه" (49) .
12- والإمام عمر بن رسلان البلقيني (805هـ) (50) .
13- وأبو الفيض محمد بن محمد بن علي الفارسي المعروف بفصيح الهروي الحنفي (837هـ) (51) .
ومن قوله: "ما روياه، أو واحد مقطوع بصحته، أي يفيد العلم القطعي نظراً لا ضرورةً..." (52) .
14- الحافظ ابن حجر (852هـ).
قال: ".. منها ما أخرجه الشيخان في (صحيحهما) مما لم يبلغ حد المتواتر، فإنه احتفت به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تميز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين" (53) .
15- والسخاوي (902هـ) (54) .
16- والسيوطي (911هـ).
وقال: "وهو الذي اختاره، ولا أعتقد سواه" (55) .
17- والعلامة محمد معين السندي الحنفي (1161هـ) (56) فله بحث قيم في إفادة أحاديث (الصحيحين) القطع (57) ودراسته تقمع الحنفية.
18- الإمام الشاة ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في وقته (1176هـ).
فقد قال: "أما (الصحيحان) فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة وكتاب (الطحاوي) و(مسند الخوارزمي)، وغيرهما تجد بينها، وبينهما بعد المشرقين" (58) .
وقال في الثناء على صحيح البخاري:
"ولعمري! إنه نال من الشهرة، والقبول درجة لا يرام فوقها" (59) وكم لهذا الإمام من نصوص تقطع دابر أصول الحنفية.
19- والأمير اليماني الصنعاني (1182هـ) (60) .
20- والإمام الشوكاني (1250هـ) (61) .
21- والحافظ المحدث أبي العلي محمد عبدالرحمن المباركفوري (1253هـ) (62) .
22- ومحدث الشام العلامة جمال الدين القاسمي (1332هـ) (63) .
23- والشيخ طاهر بن صالح الجزائري (1378هـ) (64) .
24- العلامة محمد أنور شاه الكشميري الديوبندي الملقب بإمام العصر (1352هـ) الذي يعظمه الديوبندية والكوثرية غاية التعظيم، ونحن نسوق نصه بطوله لأهميته، ولمكانته عندهم إتماما للحجة وإيضاحا للمحجة.
قال رحمه الله: "القول الفصل في أن خبر (الصحيحين) يفيد القطع اختلفوا في أن أحاديث الصحيحين هل تفيد القطع أم لا؟
فالجمهور (65) إلى أنها لا تفيد القطع، وذهب الحافظ رضي الله عنه إلى أنها تفيد القطع، وإليه جنح شمس الأئمة السرخسي رضي الله عنه من الحنفية، والحافظ ابن تيمية من الحنابلة، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح رضي الله عنه، وهؤلاء وإن كانوا أقل عدداً (66) إلا أن رأيهم هو الرأي.
وقد سبق في المثل السائر:
تعرينا أنا قليل عديدنا فقلت لها: إن الكرام قليل

...فإن قيل: إن فيهما أخباراً آحاداً، وقد تقرر في الأصول أنها لا تفيد غير الظن.
قلت: لا ضير؛ فإن هذا باعتبار الأصل، وذاك بعد احتفاف القرائن، واعتضاد الطرق فلا يحصل القطع إلا لأصحاب الفن الذي يسر لهم الله سبحانه التمييز بين الفضة، والقضة ورزقهم علماً من أحوال الرواة، والجرح والتعديل، فإنهم إذا مروا على حديث وتتبعوا طرقه، وفتشوا رجاله، وعلموا حال إسناده - يحصل لهم القطع، وإن لم يحصل لمن لم يكن له بصر ولا بصيرة..؛
ألا ترى أن الواحد جليل القدر إذا أخبرك بأمر، فنظرت إلى حاله وثقته، وعلمه ودينه - أيقنت بخبره كفلق الصبح، ولا يبقى في نفسك قلق، واضطراب، وكفاك جماعة؛ فإن واحداً قد يزن جماعة بل يرجحهم، والآخر كريشة طائر لا يوازي جناح بعوضة، وإن إبراهيم كان أمة قانتاً، ومن أمته من يجيء يوم القيامة أمة وحده.
ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد

...، ولما كان هذا أمراً لا يسع إنكاره لأحد - جعل الحافظ هذا النزاع راجعاً إلى النزاع اللفظي، فلم يبق في نفس إفادة القطع خلاف، ولا شقاق، وإنما هو في أن تلك الإفادة بديهية، أو نظرية فمن ذهب إلى أنها تفيد القطع أراد به النظري، ومن أنكرها أراد به الضروري.
وهذا، فإنه تحقيق حقق بالقبول، ومن حاد عنه فقد عدل عن المسلك القويم" (67) .
قلت: نص العلامة الكشميري هذا يستأصل مزاعم الماتريدية ولا سيما الكوثرية والديوبندية منهم.
25- والكوثري مجدد الماتريدية وإمامهم في وقته (1371هـ)، فقد اعترف في صدد إثبات نزول عيسى عليه السلام بأن أحاديث (الصحيحين) تفيد القطع. وهذا حجة عليه، وعلى الماتريدية في باب الصفات.
26- ومحدث مصر، العلامة أبو الأشبال أحمد بن محمد شاكر (1377هـ) (68) .
27- والعلامة محمد إسماعيل السلفي (1387هـ) فله خدمة مشكور عليها في هذا الباب (69) .
28- والدكتور خليل ملا خاطر "من المعاصرين" له عمل عظيم في الذب عن مكانة (الصحيحين)، وله بحث قيم في إفادة أحاديث (الصحيحين) القطع (70) وهذا الكتاب عديم النظير لقلع نسج متعصبة الحنفية.
قلت: الحاصل أن أحاديث (الصحيحين) تفيد العلم القطعي بشهادة من ذكرنا وفيهم كبار أعيان الحنفية الماتريدية الديوبندية منهم، والكوثرية، وغيرهم.
بل ثبت بلسان الحافظ ابن حجر، والعلامة الكشميري الديوبندي أن هذه المسألة لا خلاف فيها: فمن أثبت العلم القطعي - أراد النظري، ومن نفى ذلك أراد البديهي ولم ينف النظري.
تنبيه مهم:
لقد تبين مما سبق من علو مكانة (الصحيحين) وأن أحاديثهما تفيد القطع، وأنها أصح الصحاح.
إذا تقرر هذا علم أن أحاديث (الصحيحين) مقدمة على غيرها عند التعارض ولا أعلم في هذا خلافاً لأحد إلا لمتأخري الحنفية، فقد قالوا عدم ترجيح أحاديث (الصحيحين) عند التعارض على غيرها، وذلك لأنهم يعلمون جيداً أن مذهبهم مخالف لكثير من أحاديث (الصحيحين)، فوضعوا هذا الأصل ليخرجوا بهذا عن هذا المضيق؛ فقالوا: لا ترجيح لأحاديث (الصحيحين) عند التعارض بل - يجوز أن يقدم حديث آخر على حديث (الصحيحين).
وأول من وضع هذا الأصل - فيما أعلم- من الحنفية هو الإمام ابن الهمام (861هـ) ثم تابعه الحنفية، ولا سيما الديوبندية منهم، والكوثرية (71) .
قلت: وهذا الأصل الفاسد مبني على أصلهم الآخر أفسد منه، وهو: أن للحنفية أصولاً وقواعد في تصحيح الحديث وتضعيفه، كما أن للمحدثين قواعد، فرب حديث ضعيف عند المحدثين صحيح عند الحنفية، وبالعكس فلا لوم على الحنفية إذا خالفوا بعض الأحاديث (72) .
قلت: هذا الذي عرضناه من مكانة أحاديث (الصحيحين)، وأنها مما احتف بالقرائن، وأنها تلقتها الأمة بالقبول، وأنها تفيد العلم القطعي اليقيني - على لسان كبار أئمة الحنفية، وغيرهم - يقطع دابر هذا الأصل الفاسد، ولقد تصدى للرد على هذا الأصل المحدث المباركفوري (1253هـ) (73) .
قلت: ويكفي لرد مزاعمهم في تقديم حديث خارج (الصحيحين) على أحاديثهما ورد أحاديث (الصحيحين) بذلك دفاعاً عن مذهبهم - ما قاله الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني الملقب بركن الدين (418):
"أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها (الصحيحان) مقطوع بصحة أصولها، ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها، ورواتها".
قال: "فمن خالف حكمه خبراً منها، وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه، لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول" (74) .
قلت: لكثير من متعصبة الحنفية موقف مذموم من (الصحيحين) وفي قلوبهم حزازة منهما يبدو أثرها بين حين وآخر، وما تخفي صدورهم أكبر؛ ولكن كتابي (الدراسات) و (المكانة) قضاء عليهم (75) .
وللحنفية عدة أصول باطلة فاسدة حماية للمذهب يحتاج إبطالها إلى كتاب مستقل ولي في ذلك كتاب ،، علًة يفتح لإخراجه باب ،،
وأما النوع الثاني:
من المحتف بالقرائن - وهو المسلسل بالأئمة - فقد حكى السهيلي إفادته العلم اليقيني عن بعض الشافعية (76) .
وحكاه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (476هـ) عن بعض المحدثين (77) .
قلت: وجزم به الحافظ ابن حجر حيث قال: "فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم..." (78) .
قلت: وإلى هذا يشير كلام العلامة الكشميري الديوبندي حيث يقول: "فإن واحداً قد يزن جماعة بل يرجحهم...؛
ليس على الله بمستنكر أن يجمع العلام في واحد

وأما النوع الرابع:
من المحتف بالقرائن - وهو المتلقى بالقبول - فهذا النوع بمدلوله أعم من الأنواع الثلاثة الأولى فهو يشملها جميعاً سواء كان في (الصحيحين) أو كان مشهوراً، أو كان مسلسلاً بالأئمة، فهو يفيد العلم اليقيني القطعي النظري، وهو مذهب كثير من أهل الكلام من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية ومذهب أهل الحديث قاطبة والسلف عامة، وهو مذهب عامة المحققين من كبار أئمة الحنفية، والمالكية والشافعية، والحنابلة، ولم يخالف في ذلك إلا شرذمة قليلة من المتأخرين تبعاً لبعض المتكلمين، فلا عبرة بهم، كما صرح به شيخ الإسلام وغيره (79) .
ولا شك أن أحاديث الصفات لا تخلو من هذا النوع فهي مفيدة للعلم القطعي اليقيني فكيف يصح دعوى الماتريدية وغيرهم من المتكلمين: أنها أخبار آحاد، لا تفيد إلا الظن؟.
وفيما يلي عرض بعض نصوص العلماء إتماماً للحجة وإيضاحاً للمحجة وقطعا لأعذار الماتريدية وإلقامهم الأحجار.
1- الإمام عيسى بن أبان (221هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية الأوائل (80) فقد حكي عنه أنه قال:
"خبر الواحد إذا عمل عليه أكثر الصحابة وعابوا من لم يعمل به يقطع به" (81) .
2- أبو هاشم عبدالسلام بن محمد الجبائي الحنفي، إمام الهاشمية من المعتزلة (321هـ) (82) .
3- أبو الحسن عبيد الله بن الحسن الكرخي أحد كبار أئمة الحنفية (340هـ) (83) .
4- وقال الإمام أبو بكر بن علي الجصاص إمام الحنفية في وقته (370هـ) (84) .
عند الكلام حول حديثين في طلاق الأمة، وعدتها:
"وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة - وإن كان وروده من طريق الآحاد - فصار في حيز التواتر، لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواضع" (85) .
5- الإمام أبو بكر بن فورك (406هـ) من كبار أئمة الأشعرية - فقد حكى عنه إمام الحرمين أنه قال:
"الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول محكوم بصحته... وإن تلقوه بالقبول قولاً وقطعاً حكم بصدقه" (86) .
6- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأسفراييني الملقب بركن الدين (418هـ) فقد حكى عنه إمام الحرمين:
"أن ما اتفق عليه أئمة الحديث مستفيض وهو قسم آخر بين المتواتر وبين خبر الواحد، وأنه يقيني العلم نظراً" (87) .
7- وقال أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري الحنفي المعتزلي (436هـ):
"فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على مقتضاه، وحكمت بصحته، فإنه يقطع على صحته، لأنها لا تجمع على خطأ" (88) .
8- وقال الخطيب البغدادي (463هـ): ".. وقد يستدل على صحته بأن يكون خبراً عن أمر اقتضاه نص القرآن، أو السنة المتواترة، أو أجمعت الأمة على تصديقه، أو تلقته بالقبول وعملت بموجبه" (89) .
9- أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي أحد الأئمة الشافعية (476هـ)
قال: "... خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول، فيقطع بصدقه سواء عمل الكل به أو عمل البعض، وتأويله البعض، فهذه الأخبار توجب العمل، ويقع العلم بها استدلالاً" (90) .
10- الإمام أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بشمس الأئمة السرخسي (483هـ) أحد أكابر أئمة الحنفية.
11- وللإمام أبي المظفر منصور بن محمد السمعاني (489هـ) جد صاحب الأنساب: كلام في غاية الأهمية في قبول خبر الواحد في العقيدة، وأن الخبر إذا صح ورواه الثقات وتلقته الأئمة بالقبول فهو يوجب العلم اليقيني وهذا قول عامة أهل الحديث وخلاف ذلك قول أهل البدعة، وقد ذكرنا نص كلامه.
12- وقال الإمام محفوظ بن أحمد الكلوذاني من أئمة الحنابلة في وقته (510هـ):
"فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على حكمه وتلقته بالقبول..
فظاهر كلام أصحابنا: أنه يقع به العلم.." (91) .
13-18 وقال شيخ الإسلام (728هـ):
"... فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول، والتصديق؛ والأمة لا تجتمع على خطأ؛ فلو كان الحديث كذباً في نفس الأمر - والأمة مصدقة له قابلة له - لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب؛ وهذا إجماع على خطأ، وذلك ممتنع".
وقال: "ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً - إذا كان في الاعتقاد - أو عملاً - إذا كان في الأحكام - أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد.
إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيراً من أهل الكلام، أو أكثرهم يوافقون الفقهاء، وأهل الحديث والسلف على ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية، كأبي إسحاق، وابن فورك.
وأما ابن الباقلاني: فهو الذي أنكر ذلك، وتبعه مثل أبي المعالي وأبي حامد وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الخطيب، والآمدي ونحو هؤلاء.
والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب، وأبو إسحاق، وأمثاله من الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبدالوهاب، وأمثاله من المالكية.
وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي، وأمثاله من الحنفية.
وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب، وأبو الحسن بن الزاغروني، وأمثالهم من الحنبلية.
إذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجباً للقطع فالاعتبار (92) في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة..." (93) .
19-23- قلت: قد قتل كلام شيخ الإسلام هذا جماعة من العلماء وأقروه: كالإمام ابن القيم (751هـ) (94) ، والحافظ ابن كثير (774هـ) (95) ، والإمام عمر بن رسلان البلقيني (805هـ) (96) .
والحافظ ابن حجر (852هـ) (97) والسخاوي (902هـ) (98) والسيوطي (911هـ) (99) ، والعلامة محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار (972هـ) (100) والأمير الصنعاني (1182هـ) (101) ، وجمال الدين القاسمي (1332هـ) (102) ، وطاهر بن صالح الجزائري (1338هـ) (103) .
والكوثري مجدد الماتريدية وإمامهم في وقته (1371هـ) ذكر نص كلام شيخ الإسلام، ولكن لشدة عدائه إياه، لم ينسبه إليه، والعلامة محمد إسماعيل السلفي (1387هـ) (104) ، والشيخ أحمد بن محمد شاكر (1377هـ) (105) .
والدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر (أشعري العقيدة)، فقد ألف كتابه العظيم (مكانة الصحيحين) أجاد فيه وأفاد، وذكر كلام شيخ الإسلام ثم قال: "وهذا الذي قاله كلام نفيس، ومهم يعبر عن نظرةٍ بعيدةٍ، وسير لأسانيد وروايات طرق الأحاديث" (106) .
33- وللإمام ابن أبي العز الحنفي (792هـ) بحث قيم في الأخذ بأخبار الآحاد في العقيدة، وأن الخبر المتلقى بالقبول من قسم المتواتر، وأنه لا نزاع فيه عند السلف (107) .
34- الشيخ أبو غدة الكوثري، فقد نقل عن الإمام الشافعي، والسخاوي: أن الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ به المقطوع (108) .
قلت: إذا كان الحديث الضعيف يرتفع إلى منزلة المتواتر بمجرد التلقي فما ظنك بأحاديث الصفات المتواترة، والمشهورة والمتفق عليها، المتلقاة بالقبول، المحتفة بالقرائن؟ وفي هذا كله عبرة للماتريدية أيما عبرة.
خاتمة هذا الوجه:
35- لما كان الكوثري يعدّ إماماً للماتريدية؛ بل مجدداً لهم في وقته، ولاسيما للكوثرية منهم، والديوبندية أردت أن أختم هذا الوجه بنصوص الكوثري التي اعترف فيها بالحق لما رأى وسمع أن أعداء الإسلام احتجوا بقاعدة المتكلمين - من أن خبر الواحد ظني لا يثبت به العقيدة- على إنكار نزول عيسى عليه السلام (109) .
فتصدى لهم الكوثري، وألف في الرد عليهم كتاباً بعنوان (نظرة عابرة) أجاد فيه وأفاد، ورد على تلك القاعدة الفاسدة للمتكلمين من أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، ولا تثبت بها العقيدة - ولكن هذا الكتاب كله حجة عليه، وعلى الماتريدية في باب الصفات وهذا تناقض.
وهذه بعض نصوص الكوثري:
(من قال: "إن خبر الآحاد لا يفيد العلم" يريد خبر الآحاد من حيث هو بالنظر إلى رأي جماعة، وإلا فخبر الآحاد الذي تلقته الأمة بالقبول، يقطع بصدقه، كما نص على ذلك أبو المظفر السمعاني في (القواطع) (110) ؛
وقد حكى السخاوي في (فتح المغيث) عن جماعة من المحققين إفادة خبر الآحاد العلم عند احتفافه بالقرآن، بل قال جماعة: إن ما اتفق عليه البخاري ومسلم يفيد - في غير مواضع النقد منه - العلم؛ لاحتفافه بالقرائن، ومنهم الغزالي).
وقال: "وأين اجتماع نصوص العلماء مع قول أمثال أبي حامد الأسفراييني، وأبي إسحاق الأسفراييني، والقاضي أبي الطيب، وابي إسحاق الشيرازي، وشمس الأئمة السرخسي، والقاضي عبدالوهاب، ورواية ابن خويز منداد عن مالك، وقول أبي يعلى وأبي الخطاب، وابن الزاغوني، وابن فورك، وغيرهم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، وفي الخبر المحتف بالقرائن" (111) .
وقال: (بل جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له، أو عملاً به أنه يوجب العلم كما تجد تفصيل ذلك في (توجيه النظر) في ص: 134" (112) .
قلت: كلام الكوثري هذا حق لا ريب فيه غير أنه لم يقتصر على مسألة "نزول عيسى عليه السلام" فقط، بل هو شامل لجميع الأحاديث الواردة في جميع الأبواب، ومنها باب صفات الله تعالى، فكلام الكوثري هذا حجة عليه خاصة، وعلى الماتريدية عامة كما هو حجة على منكري نزول عيسى عليه السلام، وغيرهم من الملحدين في أسماء الله وصفاته.
وقال الكوثري: "ونحن نسمع من فلتات ألسنة دعاة هذه النعرة بين حين، وآخر تهوين أمر أخبار الآحاد الصحيحة من السنة..،..، فبتهوين أمر أخبار الآحاد يتخلصون من كتب السنة، من صحاح، وسنن وجوامع ومصنفات، ومسانيد، وتفاسير بالرواية، وغيرها...؛
فهل يسلك مثل هذه السبيل من سبل الشيطان غير صنائع أعداء الإسلام؟ على أن أخبار الآحاد الصحيحة قد يحصل بتعدد طرقها تواتر معنوي؛ بل قد يحصل العلم بخبر الآحاد عند احتفافه بالقرائن؛ بل يوجد بين أهل العلم من يرى أن أحاديث الصحيحين - غير المنتقدة - من تلك الأحاديث المحتفة بالقرائن" (113) .
قلت: أول من استخف بالأحاديث النبوية واستهان بأمرها هم هؤلاء المتكلمون - أئمة الكوثري وهو منهم - في باب الصفات - فهم قدموا عليها عقولهم الفاسدة وردوها أو حرفوها وعلى كل حالٍ كلام الكوثري هذا حجة عليه وعلى الماتريدية في باب الصفات وهذا تناقض واضح فاضح.
الحاصل: أن أحاديث الصفات لو سلمنا أنها أخبار آحادٍ لكنها محتفة بالقرائن مفيدةٌ للعلم القطعي بشهادة أئمة الإسلام، وكبار المتكلمين من المعتزلة والماتريدية والأشعرية، أولهم النظام، وآخرهم الكوثري.
ولكن الكوثري مع تناقضه الفاضح شهد على نفسه ببيانه الواضح
فكان كعنز السوء قامت لظلفها إلى مدية تحت التراب تثيرها


الوجه السادس:
لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحاد مجردة، وسلمنا أيضاً أنها غير محتفة بالقرائن، وسلمنا أيضاً أنها لا تفيد اليقين ولا تفيد إلا العمل فقط، لكن لا نسلم أن لفظ "العمل" مقصور بعمل الجوارح فقط. بل المراد من "العمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب"، فيصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب الاعتقاد؛ لأنه من "عمل القلب"، وهذا كله بشهادة كبار الماتريدية واعترافهم بما فيهم الكوثري.
فكيف يصح إبعاد أخبار الآحاد عن حيز الاحتجاج بها في باب العقيدة؟.
وكيف يصح زعمهم أنها ظنية لا تثبت بها العقيدة؟.
هذا كله على فرض تسليم أنها ظنية كفرض المحال، مع أنها متواترة، ومشهورة، ومحتفة بالقرائن، ومتفق عليها، متلقاة بالقبول، مفيدة للعلم القطعي يصح الاحتجاج بها في الاعتقاد والأحكام جميعاً بإجماع السلف، ونصوص كبار المتكلمين من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية كما سبق، فهي أحد مصدري تلقي العقيدة في دين الإسلام.
وإليك بعض نصوص الماتريدية في أن "العمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب" فيصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب الاعتقاد؛ لأنه من عمل القلب؛ فأقول وبالله التوفيق:
لقد تصدى الكوثري للرد على مزاعم منكري نزول عيسى عليه السلام الذين تمسكوا بقاعدة فاسدة باطلة وضعها المتكلمون من أن أخبار الآحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة؛ فقالوا: "إن أحاديث نزول عيسى عليه السلام أخبار آحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة، ولا تصلح إلا للأحكام العملية". إلزاماً للمتكلمين واحتجاجاً عليهم.
فرد عليهم الكوثري ردوداً عدة:
منها أن المراد من العمل في كلام المتكلمين: "أن أخبار الآحاد لا تصلح إلا للعمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب" وهو الاعتقاد.
فيقول الكوثري: (قال علاء الدين عبدالعزيز بن أحمد البخاري في شرح أصول فخر الإسلام البزدوي: "اعتقاد القلب فضل على العلم، لأن العلم قد يكون بدون عقد القلب، كعلم أهل الكتاب بحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم، مع عدم اعتقادهم حقيقة..، والعقد قد يكون بدون العلم أيضاً كاعتقاد المقلد، وإذا كان كذلك جاز أن يكون خبر الواحد موجباً للاعتقاد الذي هو عمل القلب، وإن لم يكن موجباً للعلم.
قال أبو اليسر: "الأخبار الواردة في أحكام الآخرة من باب العمل فإن العمل نوعان: عمل الجوارح، واعتقاد القلب، فالعمل بالجوارح إن تعذر لم يتعذر العمل بالقلب اعتقاداً".
وذلك عند شرحه لقول فخر الإسلام "وفيه ضرب من العمل أيضاً، وهو عقد القلب عليه، إذ العقد فضل عليه".
فظهر أن خبر الآحاد الصحيح قد يفيد اعتقاداً جازماً في أناس، ولا يفيد البرهان العلمي اعتقاداً في آخرين، فواحد يعتقد اعتقاداً جازماً بنزول عيسى عليه السلام بمجرد أن سمع حديثاً واحداً في ذلك من صحيح البخاري مثلاً، وآخر لا يعتقد ذلك ولو أسمعته سبعين حديثاً، وثلاثين أثراً من الصحاح والسنن والمسانيد والجوامع وسائر المدونات في الحديث مما يحصل التواتر بأقل منها بكثير، فالناجي هو ذاك الواحد دون الآخر) (114) .
ويقول الكوثري أيضاً: (والواقع أن من قال: "إن خبر الواحد يفيد العمل فقط". يريد بالعمل ما يشمل عمل الجوارح، وعمل القلب - وهو الاعتقاد، كما نص على ذلك البزدوي نفسه حيث قال في آخر مبحث الآحاد: "فأما الآحاد في أحكام الآخرة فمن ذلك ما هو مشهور، ومن ذلك ما هو دون ذلك، لكنه يوجب ضرباً من العلم على ما قلنا، وفيه ضرب من العمل أيضاً، وهو عقد القلب...، فصح الابتلاء بالعقد كما صح الابتلاء بالعمل بالبدن".
وبذلك يعلم وجه تدوين أخبار الآحاد في كتب الحديث في المغيبات، وأمور الآخرة...؛
فالآن قد ظهر من يفهم معنى العقيدة، ومن لا يفهمه حقاً، ومن تزبب قبل أن يتحصرم يلقى ما يلقاه من تزعم قبل أن يتعلم..) (115) .
وقال الكوثري أيضاً: (والاعتقاد عمل قلبي يؤخذ من خبر الآحاد، كما سبق من فخر الإسلام، فيكون إنكار أخذ الاعتقاد من خبر الآحاد إنكاراً للدليل العقلي المفيد للعلم الموجب للعمل بخبر الآحاد أعم من أن يكون عمل الجوارح، وعمل القلب - وهو الاعتقاد -.. ؛
فيعلم أن حفاظ الأمة ما كانوا عابثين في تدوينهم لأخبار الآخرة، والأمور الغيبية في كتبهم، ولا كان الأئمة لاعبين في تدوينهم السمعيات في كتب العقائد) (116) .
قلت: نعمد إلى حجة الماتريدية والكوثري هذه - التي احتجوا بها على منكري نزول عيسى عليه السلام - فنقلبها حجة على الكوثري خاصة والماتريدية عامة، فنقول: لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحاد مجردة، ظنية، لا تفيد إلا العمل، لكن نقول: إن العمل نوعان: عمل الأركان، وعمل الجنان؛ فهي تفيد عمل الجنان، وهو الاعتقاد، فصح أخذ العقيدة من أخبار الآحاد؛ وخبر الآحاد الصحيح قد يفيد اعتقاداً جازماً لأناس بقوا على فطرتهم السليمة؛ فإن أحدهم إذا سمع حديثاً واحداً من صحيح البخاري في صفات الله تعالى اعتقده اعتقاداً جازماً.
أما الذين زاغت قلوبهم، وفسدت فطرهم، وعقولهم بالفلسفة والكلام فإن أحدهم لو أسمعته سبعين حديثاً، وثلاثين أثراً من الصحاح، والسنن لا يحصل لهم شيء من العلم بل ربما يردها أو يحرفها.
فالآن قد ظهر من يفهم معنى العقيدة فهماً صحيحاً، ومن تزبب قبل أن يتحصرم يلقى ما يلقاه من تزعم قبل أن يتعلم كما تبين أن أئمة السنة وحافظ الأمة ما كانوا عابثين ولا لاعبين في تدوينهم لأحاديث الصفات وغيرها في كتب العقائد، ولله الحمد والمنة،، على أن هدانا إلى السنة،، وله الشكر على أن قتل الكوثري سلاح لسانه، وسيف بيانه وسكين بنانه،، ورده بغيظه برد كيده في نحره،، وهتك مكره وأمره بعجره وبجره،، فهو متناقص مفضوح صريح قتيل ذليل،، بقاله هذا وقيله الآتي عما قليل،،
أرادوا بنا كيداً فكيدوا بكيدهم وزلوا فضلوا لم يجدوا مواليا

محروم
اليوم, 02:01 PM
التفويض عند الماتريدية للصفات


التفويض في صفات الله تعالى عند الماتريدية هو التفويض في معانيها وكيفيتها وجهلهما جميعا، ونفي ما تدل عليه نصوصها، وتلاوتها دون فهم معانيها، وجعلها متشابهات كالحروف المقطعة، وتقويلهم السلف إياه، فهم معطلة جاهلة مجهلة (1) وفيما يلي بعض نصوص الماتريدية.
1- قال الإمام أبو منصور الماتريدي: ".. مع ما كان الله يمتحن بالوقوف في أشياء كما جاء من نعوت الوعد والوعيد، وما جاء من الحروف المقطعة وغير ذلك مما يؤمن المرء أن يكون ذا مما المحنة فيه الوقف لا القطع".
وقال: "يجب نفي التشبيه عنه والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء" (2) .
2- وقال أبو المعين النسفي: "وما تعلق به الخصوم من الآيات المتشابهة محتملة لوجوه كثيرة غير ممكنة الحمل على ظواهرها على ما قررنا.
فإما أن نؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلاتها على ما هو اختيار كثير من كبراء الأمة، وعلماء الملة.
وإما أن تصرف إلى وجه من التأويل يوافق التوحيد ولا تناقض الآية المحكمة، وكتب العلماء والتفسير، والكلام مملوءة من تأويلاتها، وكتابنا هذا لا يسع لبيان ذلك" (3) .
3- وقال: "... فإذا ظهرت صحة ما ادعينا من تعذر حمل الآيات على الظواهر، ووجوب الصرف إلى ما يصح من التأويلات، ثم بعد ذلك اختلف مشائخنا رحمهم الله، منهم من قال في هذه الآيات: إنها متشابهة يعتقد فيها أن لا وجه لإجرائها على ظواهرها، ونؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلها ونعتقد أن ما أراد الله بها حق.." (4) .
4- قال نور الدين الصابوني وحافظ الدين النسفي واللفظ الأول:
"لأهل السنة فيها - أي في نصوص الصفات - طريقان:
أحدهما:
قبولها: وتصديقها، وتفويض تأويلها إلى الله مع تنزيهه عما يوجب التشبيه، وهو طريق سلفنا الصالح.
والثاني:
قبولها والبحث عن تأويلها على وجه يليق بذات الله تعالى موافقاً لاستعمال أهل اللسان من غير قطع بكونه مراد الله تعالى" (5) .
5- وقال التفتازاني بعد ما ذكر عدة آيات الصفات: "والجواب أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية فيقطع بأنها ليست على ظاهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله تعالى مع اعتقاد حقيقتها جرياً على الطريق الأسلم... أو تؤول تأويلات مناسبة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفاسير وشرح الأحاديث سلوكاً للطريق الأحكم" (6) .
6- وقال الإمام ابن الهمام: "إنها من المتشابهات، وحكم المتشابه القطاع رجاء المراد منه في هذه الدار" (7) .
7- وقال الشيخ قاسم بن قطلوبغا: "وقال سلفنا في جملة المتشابه: نؤمن به، ونفوض تأويله إلى الله مع تنزيهه عما يوجب التشبيه والحدوث بشرط أن لا يذكر إلا ما في القرآن والحديث، فلا نقول: الاستواء صفة،... أجمع السلف على أن لا يزيدوا على تلاوة الآية...، ولا يبدلوا لفظة: "على" بلفظة: "فوق" ونحو ذلك" (8) .
8- وقال الملا علي القاري: "ومذهب الخلف جواز تأويل الاستواء بالاستيلاء ومختار السلف عدم التأويل، بل اعتقاد التنزيل مع وصف التنزيه له سبحانه عما يوجب التشبيه، وتفويض الأمر إلى الله، وعلمه في المراد به كما قال الإمام مالك..، واختاره إمامنا الأعظم، وكذا كل ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهات..." (9) .
9- وقال: "فالتفويض إلى الله، والاعتقاد بحقيقة مراد الله من غير أن يعرف مراده من كمال العبودية في العبد فلذا اختاره السلف" (10) .
10- وقال المرعشي: "والأولى اتباع السلف في الإيمان بهذه الأشياء ورد علمها إلى الله تعالى... وحاصل الرد إليه تعالى التوقف عن الحكم بأنها صفات زائدة على الذات غير الصفات المذكورة، أو مؤولة بما ذكروه" (11) .
11- وذكر الكوثري: ".. ولا كيف ولا معنى" (12) .
12- قال: "مراد من يقول من أهل السنة بإجراء أخبار الصفات على ظاهرها - حيث يرد إجراء اللفظ المستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفات الله على اللسان كما ورد مع التفويض أو التأويل - على ما سبق" (13) .
13- وذكر: ".. تفسيره قراءته بلا كيف ولا معنى" (14) .
14- الحاصل: أن معنى التفويض عند الماتريدية تفويض معاني الصفات ونصوصها وتفويض كيفيتها جميعاً إلى الله تعالى، وعدم العلم بالمعنى والكيف وعدم إثبات ما تدل عليه نصوص الصفات فهم معطّلة مجهّلة للسلف، جاهلة ولذلك يجعلون نصوص الصفات من قبيل المتشابهات (15) .
مع أنه أجاد وأفاد في بيان مذهب السلف، وحقق أن مذهبهم هو الإثبات لا التفويض، وصرح بأن التفويض بمثابة انسحاب من المشكلة أساساً، فلا يقول بإثبات ولا بنفي، وأن التفويض أن تقول: أفوض علم ذلك إلى الله

محروم
اليوم, 02:04 PM
في إبطال التفويض


لقد سبق .... أن بينا الفرق بين التفويض السلفي الحق وبين التفويض الكلامي الخلفي الباطل المتقول على السلف.
ولما كان نسبة هذا التفويض الباطل إلى السلف بالغ التقول اقتضى ذلك أن نذكر وجوهاً تتضمن براهين قاطعة وحججاً ساطعة على إبطال ذلك التفويض وبطلان نسبته إلى السلف الصالح، فأقول وبالله التوفيق:
الوجه الأول:
أن القول بهذا التفويض المطلق - التفويض في المعنى والكيف جميعاً - يستلزم الجهل بالله تعالى، وصفاته العلا.
كما يستلزم الجهل بمذهب السلف، والتقول عليهم.
ويستلزم أيضاً تجهيل السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة هذا الدين - بالله تعالى وصفاته الكمالية كما يستلزم استبلادهم، وأنهم كانوا يتلون كتاب الله ويقرؤون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يفهمون معاني ذلك.
ويستلزم تفضيل الخلف أهل الكلام والبدع على خيار هذه الأمة بحجة أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم، وغيرها من اللوازم الفاسدة.
وكل من هذه اللوازم في غاية الفساد والبطلان فالملزوم مثلها وفيها يلي نصوص بعض الأئمة لبيان فساد القول بالتفويض ونسبته إلى السلف:
1- قال شيخ الإسلام: "ولا يجوز أن يكون الخالفون أعلم من السالفين - كما يقول بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله، ورسوله، والمؤمنين به حقيقة المعرفة: من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم...
فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم - على طريقة السلف- إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن؛ إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن؛ والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين...، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.
وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين.
فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان لابد للنصوص من معنى - بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى - وهي التي يسمونها طريقة السلف - أو بين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف - وهي التي يسمونها طريقة الخلف.
فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات، وهي شبهات. والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.
فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين - كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين، واستبلادهم، واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي.
وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله.
ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة.
كيف يكون هؤلاء المتأخرون - لاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ من معرفة الله حجابهم".
ثم ذلك أمثلةً لحيرتهم وشكوكهم واضطرابهم وندامتهم على لسانهم ثم قال:
"كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفصولون المسبوقون الحيارى المتهوكون - أعلم بالله وأسمائه وصفاته؟؟.
وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى.
الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا.
الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم.
وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيى من يطلب المقابلة.
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة - لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته - من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟؟.
أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند، واليونان وورثة المجوس، والمشركين، وضلال اليهود، والنصارى، والصابئين وأشكالهم وأشباههم - أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟؟!!" (1) .
2- وقال شيخ الإسلام أيضاً: "فإن معرفة مراد الرسول، ومراد الصحابة هو أصل العلم، وينبوع الهدى.
وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف، ويحكيه لايكون له خبرة بشيء من هذا الباب.
كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفا، وأحاديثها أنه لا يفهم أحد معانيها، لا الرسول، ولا غيره...؛
فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآناً لا يفهم معناه. بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها. وأن جبريل كذلك، وأن الصحابة والتابعين كذلك، وهذا ضلال عظيم، وهو أحد أنواع الضلال، ظن أهل التخييل، وظن أهل التحريف، والتبديل، وظن أهل التجهيل" (2) .
3- وقال: أما المنحرفون عن طريقهم - (أي السلف) - فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل".
ثم فصل القول في الرد على أهل التخييل والتأويل ثم قال:
"وأما الصنف الثالث - وهم أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف، يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك، كذلك قولهم من أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله. مع أن الرسول تكلم بها ابتداء، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه" (3) .
4- وقال أيضاً: "والمقصود هنا التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعنى القرآن الذي نزل إليه، ولا جبريل - جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى، ولا بياناً للناس ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول، وأمته في باب معرفة الله عز وجل لا علوماً عقلية ولا سمعية، وهم شاركوا الملاحدة في هذه من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف، والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة (4) .
5- وقال الإمام ابن القيم:
"والصنف الثالث: أصحاب التجهيل: الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا ندري ما أراد الله ورسوله، منها، ولكن نقرؤها ألفاظاً لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهي عندنا بمنزلة كهيعص [مريم:1] و حم عسق [الشورى: 1-2].
وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات..
وبنوا هذا المذهب على أصلين:
أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه.
والثاني: أن للمتشابه تأويلاً لا يعلمه إلا الله.
فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، والتابعين لهم بإحسان...؛
ولازم قولهم أن الرسول كان يتكلم بذلك، ولا يعلم معناه.
ثم تناقضوا أقبح التناقض فقالوا: تجرى على ظواهرها، وتأويلها مما يخالف الظواهر باطل، ومع ذلك فلها تأويل لا يعلمها إلا الله...؛
وهؤلاء غلطوا في المتشابه، وفي جعل هذه النصوص من المتشابه، وفي كون المتشابه لا يعلم معناه إلا الله.
فأخطأوا في المقدمات الثلاث، واضطرهم إلى هذا التخلص من تأويلات المبطلين، وتحريفات المعطلين، وسدوا على نفوسهم الباب، وقالوا: لا نرضى بالخطأ، ولا وصول لنا إلى الصواب.
فهؤلاء تركوا التدبر المأمور به والتذكر، والعقل لمعاني النصوص الذي هو أساس الإيمان، وعمود اليقين.
وأعرضوا عنه بقلوبهم، وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك، وظنوا أنها أنزلت للتلاوة، والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها، والتفكر فيها (5) .
6- وللإمام ابن القيم كلام مهم آخر غالبه سبق في كلام شيخ الإسلام (6) .
7- وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي (792)هـ:
"فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاماً لا يعلم معناه، جميع الأمة، ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لاحظ لهم في معرفة معناه سوى قولهم: مَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:7] وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك" (7) .
8- وقال الحافظ ابن حجر عن بعض أهل العلم:
(قول من قال: "طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم" ليس بمستقيم، لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات.
فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقاً بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمنعه القطع بصحة تأويله) (8) .
9- وقال ابن عربي المعروف عند أهل الخرافة بالشيخ الأكبر، وخاتم الأولياء (638هـ) وهو في الحقيقة "الشيخ الأكفر" والكذوب قد يصدق:
"وقسم آخر: قال: نؤمن بهذا اللفظ كما جاء من غير أن نعقل له معنى حتى نكون في هذا الإيمان به في حكم من لم يسمع، ونبقى على ما أعطانا دليل العقل من إحالة مفهوم هذا الظاهر من هذا القول.
فهذا القسم متحكم أيضاً بحسن عبارة، وأنه رد على الله بحسن عبارة، فإنهم جعلوا نفوسهم في حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب.
وقسم آخر: قالوا: نؤمن بهذا اللفظ على حد علم الله فيه، وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء قد قالوا: إن الله خاطبنا عبثاً، لأنه خاطبنا بما لا نفهم، والله يقول: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4].
وقد جاء بهذا، فقد أبان كما قال الله، لكن أبى هؤلاء أن يكون ذلك بياناً" (9) .
10- قلت: نقله الشعراني، وأقره (10) وهو خرافي فلا يصدق.
وفي كلام هذين الرجلين عبرة للمتكلمة المتصوفة.
11- وصرح العلامة المقبلي أن السلف لم يكونوا مفوضة، والتفويض جهل بالمعنى. وهو أخو التأويل فالمفوض متأول لا مسلِّم (11) .
12-13- وقال العلامة المحمود الألوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) وابنه السيد نعمان الألوسي (1317هـ):
"قيل: إن السلف بعد نفي ما يتوهم من التشبيه يقولون: لا ندري ما معنى ذلك؟ والله أعلم بمراده.
واعترض بأن الآيات والأخبار المشتملة على ذلك كثيرة جداً ويبعد غاية البعد أن يخاطب الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم العباد فيما يرجع إلى الاعتقاد بما لا يدرى معناه..." (12) .
الحاصل: أن القول بالتفويض المطلق - أي تفويض المعنى، والكيف جميعاً - قول في غاية الفساد والبطلان، وموقف بالغ الضلال والبهتان لاستلزامه ما يلي:
1- الجهل بالله تعالى وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا.
2-3 الجهل بمذهب السلف، والتقول الفاحش عليهم.
4- تجهيل السلف من الصحابة والتابعين، بل تجهيل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
5- استبلاد السلف وأنهم كانوا يقرؤون نصوص الصفات بدون فهم معناها.
6- تفضيل الخلف الحيارى المتهوكين على السلف الذين هم أعلم الناس بصفات ربهم بعد الأنبياء عليهم السلام.
7-8- أن القرآن لم يكن هدى وشفاء وبياناً، وأن الله خاطب الناس بكلام لا يفهمون معناه، إلا غير ذلك من اللوازم الفاسدة.
الوجه الثاني:
أن القرآن لا يمكن أن يوصف بكونه هدى وشفاء ونوراً إلا إذا كان مفهوم المراد ويكون في غاية من الوضوح والبيان.
ولذلك وصف الله تعالى كتابه بأنه مبين.
ووصفه بأنه بيان، وأنه تبينا، ووصف آياته بأنها بينات، ووصفها بأنها مبينات، ووصف كتابه بأنه على لسان عربي مبين.
وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4].
وقال: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44]
وأمر عباده بالتدبر في القرآن وآياته.
فكيف يعقل بعد هذا أن آيات الصفات مع تلك الكثرة الكاثرة والأهمية لا يعلم المراد منها، ولا يعرف معانيها، وأن السلف كانوا يتلونها بدون معرفة المراد؟.
الحاصل: أن الذي يدعي التفويض في المعنى، ويتقوله على السلف - فهو في الحقيقة مع جهله وتجهيله للسلف لم يجعل القرآن بياناً ،، ولا هدى وفرقانا ،،
كما صرح به شيخ الإسلام،، وأشار إليه ابن القيم الإمام،،

الوجه الثالث:
أن نقول: مما لا ريب فيه أن السلف تعرضوا لتفسير نصوص الصفات فتفسيرهم لها فرع معرفتهم لمعانيها، لأن تفسير الشيء فرع العلم به فإذا لا يعرف الإنسان شيئاً ما كيف يفسره؟! لأن الحكم على الشيء فرع لتصوره.
فتفسير السلف لنصوص الصفات يبطل التفويض كما يبطل تقوله عليهم وأنهم براء من هذا التفويض الباطل المنقول.
والذي لم يتعرضوا لتفسيره هو كيفية الصفات، أما معانيها فقد فسروها ووضحوا المراد منها، وفيما يلي بعض نصوص السلف:
1- هذا مجاهد - وهو إمام التفسير بعد الصحابة - قال: في تفسير "استوى": (على العرش) (13) .
2- وهذا أبو العالية. قال: في تفسير اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة:29] (ارتفع) (14) .
3- وهكذا فسر الربيع بن أنس قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة:29] (15) .
4- وقال أبو عبيدة معمر بن المثني (210هـ) في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [يونس:3]: ظهر على العرش وعلا عليه" (16) .
5- والإمام البخاري استدل بقول مجاهد، وأبي العالية في تفسير لفظ "استوى" على أن المراد: علا وارتفع (17) .
6- وبهذا فسره ابن قتيبة أديب أهل السنة (276هـ) (18) .
7- وقال ابن جرير إمام مفسري أهل السنة: "وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: "ثم استوى إلى السماء فسواهن" علا عليهن وارتفع.." (19) .
8- ومشى على هذا حافظ المغرب ابن عبدالبر (463هـ) (20) .
9- وقال البغوي (516هـ) "قال ابن عباس، وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء.." (21) .
10- قال شيخ الإسلام:
"ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال: هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآنِ آياتٍ لا يعلم معناها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك من بعض الناس، وهذا لا ريب فيه" (22) .
11- وقال: "وأيضاً فالسلف من الصحابة والتابعين، وسائر الأمة قد تكلموا في جميع النصوص - آيات الصفات، وغيرها- وفسروها بما يوافق دلالتها ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرةً توافق القرآن والحديث، وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم، مثل عبدالله ابن مسعود - الذي كان يقول: "لو أَعْلَمُ أَعْلَمَ بكتاب الله مني تبلغه آباط الإبل أتيته" - وعبدالله بن عباس- الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن-.
كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين إثباتاً للصفات، ورواية لها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا.
وما في التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين...؛
ولو كان معنى هذه الآيات منفياً، ومسكوتاً عنه لم يكن ربانيو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاماً فيه،
ثم إن الصحابة نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة.
ولم يذكر أحد منهم أنه امتنع من تفسير آية.
قال أبو عبدالرحمن السلمي: "حدثنا الذين كانوا يقرؤننا - عثمان ابن عفان، وعبدالله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل".
وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئاً من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيف".
ثم ذكر مقالة الإمامين ربيعة ومالك، المعروف وشرحها شرحاً وافياً ثم قال:
"ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعضهم: "ارتفع على العرش: علا على العرش"، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في "صحيحه" في آخر كتاب الرد على الجهمية" (23) .
12-14 وقال العلامة محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) وابنه نعمان الآلوسي (1317هـ): وحفيده شكري:
"... وأيضاً قد ورد في الأخبار ما يدل على فهم المخاطب المنى...، ... وقد صح عن بعض السلف أنهم فسروا ففي صحيح البخاري: قال مجاهد: "استوى على العرش" "علا على العرش"، وقال أبو العالية: "استوى على العرش" "ارتفع" (24) .
قلت: الحاصل: أن السلف كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى والمراد من نصوصها، ولذلك فسروها كتفسيرهم لبقية النصوص غير أنهم كانوا يفوضون علم كيفيتها إلى الله تعالى.
وهذا دليل قاطع على إبطال التفويض المتقول على السلف، وأنهم لم يكونوا مفوضة، بل كانوا مثبتين للصفات بلا تكييف ولا تمثيل ومنزهين لله تعالى عن كل عيب ونقص بلا تحريف ولا تعطيل. ويزيده إيضاحاً وتحقيقاً ما في الوجه الآتي.

الوجه الرابع:
أن السلف كانوا يميزون بين صفة وصفة وكانوا يصرحون بأن هذه الصفة غير تلك الصفة، وليست عينها، ولا يجوزون تفسير أحداها، بالأخرى.
فلو كانوا لا يعرفون معانيها كيف يميزون بين صفة وأخرى؟؟
فهذا من الحجج الدامغة على أنهم كانوا على حظ عظيمٍ وافر من العلم بها مع تفويضهم علم كيفيتها إلى الله تعالى.
وأذكر لذلك مثالين على لسان الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لتكون فيهما عبرة للحنفية الماتريدية الذين ادعوا التفويض ونسبوه إلى السلف.
الأول: ما قاله الإمام أبو حنيفة: "... ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف.." (25) .
الثاني: ما قال: "وغضبه، ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه، ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه" (26) .
قلت: هذان مثلان واضحان ونصان صريحان في عدم جواز تفسير صفة بأخرى، وأن ذلك مذهب المعتزلة، وليس من مذهب أهل السنة في شيء وأنه يجب وصف الله بما وصف به نفسه بلا كيف، وكما أن معنى "القدرة" معروف كذلك معنى "اليد" معروف وهكذا معنى "الغضب" ومعنى "الرضا" معروفان وهما من صفات الله بلا كيف. وهو قول أهل السنة، فبطل التفويض المفتعل المتقول على السلف.
قال شيخ الإسلام: "والله سبحانه وتعالى أخبرنا: أنه عليم قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.
فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم، والقدرة، وبين الرحمة، والسمع، والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله مع تنوع معانيها.
فهي متفقة متواطئة من حيث الذات متباينة من جهة الصفات".
ثم أورد أمثلة متعددة لإيضاح هذا المطلب، كأسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وأسماء القرآن والسيف،، وحقق أن هذه الأسماء مع تعددها تدل على ذات واحدة من اختلاف معانيها (27) .
وقال: "... فإنا نفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:75] معنى ونفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:65] معنى ليس هو الأول، ونفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:47] معنى، وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم هذا" (28) .

الوجه الخامس:
أنه من الواقع المحسوس أن الناس إذا سمعوا كلاماً ولا يفهمون معناه، يبادرون إلى السؤال عن معناه ومراد المتكلم ليفهموا معناه ويعرفوا المراد منه، والنفوس تحرص على هذا والقلوب تتطلع إلى المعرفة والإطلاع إلى العلوم، ولاسيما إذا كان الكلام بين الأستاذ وتلامذته، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة رضي الله عنهم أحرص الناس على حصول الخير والإطلاع على العلوم النافعة التي تتصل بصميم دينهم.
وباب الأسماء الحسنى والصفات العلا من أعظم المعارف الإسلامية وكان الصحابة أحرص الناس على الاستفادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسألونه في أمور جليلها ودقيقها - وكانا خير تلامذة وأصحاب لخير معلم ومرشد - إذا أشكل عليهم شيء في أمر الدين أو صعب عليهم فهم نص من نصوص الوحي.
ومع ذلك لم يثبت عنهم أنهم شكُّوا في صفات الله تعالى أو سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لفهم معناها.
بل كانوا يتلقون كتاب الله تعالى وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيهما نصوص الصفات مع تلك الكثرة الكاثرة.
فهل يَتَصوَّرُ من له أدنى مسكةٍ من عقلٍ صحيحٍ أنهم يتلونها ويرددونها بدون فهم معانيها ومعرفة المراد منها - طيلة حياتهم - ولم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟.
فهذا من البراهين الواضحة على أنهم لم يكونوا مفوضة بالمعنى الذي يعنيه الماتريدية، ولم يكونوا جاهلين بالله وبصفاته تعالى إلى الحد الذي زعمه أهل الكلام عليهم وقولهم التفويض الذي هم منه براء.
بل نقول جزماً لا يحتمل النقيض: أنهم لو لم يفهموا معانيها لبادروا إلى السؤال عنها، ولسابقوا إلى الإطلاع على المراد منها.
نعم قد ورد أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤية الله تعالى، فعن أبي هريرة: ((أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة...)) الحديث.
وعن أبي سعيد الخدري مثله.
فمثل هذين الحديثين يدلنا دلالة قاطعة على أنهم كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى، ويفهمون المراد من نصوصها، وإلا لبادروا إلى السؤال عنها ليعرفوا المراد كما فعلوا في مسألة الرؤية.
الحاصل: أن سؤال الصحابة وعدم سؤالهم في باب الصفات كلاهما دليل قاطع على أنهم كانوا يعرفون معانيها ويفهمون المراد منها.
وهكذا نرى الصحابة اختلفوا في باب الأحكام ولم يختلفوا قطعاً في باب الصفات قط.
ويزيد هذا المطلب إيضاحاً كلام الإمام المقريزي حيث يقول:
"اعلم أن الله تعالى لما بعث العرب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى الناس جميعاً وصف لهم ربهم سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه الكريم في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه صلى الله عليه وسلم الروح الأمين وبما أوحى إليه ربه تعالى.
فلم يسأله صلى الله عليه وسلم أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك كما كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر ونهي، وكما سألوه صلى الله عليه وسلم، عن أحوال القيامة والجنة والنار إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في أحكام الحلال والحرام وفي الترغيب والترهيب وأحوال القيامة.
والملاحم والفتن ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها.
ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات نعم ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً وهكذا أثبتوا رضي الله عنهم ما أطلقه الله سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين فأثبتوا رضي الله عنهم بلا تشبيه ونزهوا من غير تعطيل ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت.
ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم سوى كتاب الله ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة فمضى عصر الصحابة رضي الله عنهم على هذا..." (29) .
قلت: للإمام ابن القيم أيضاً كلام قيم في هذا الصدد فراجعه (30) .
ولنعلم ما قيل:
وهذا الحق بس به خفاء فدعنى من بُنّيَّاتِ الطريق

قلت: هذه حقيقة واقعة اعترف بها تقي الدين على بن عبدالكافي السبكي (756هـ) حيث قال:
"... وقد فهمها الصحابة، ولذلك لم يسألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها كانت معقولة عنهم بوضع اللسان، وقرائن الأحوال، وسياق الكلام، وسبب النزول.
ومضت الأعصار الثلاثة التي هي خيار القرون على ذلك.
حتى حدثت البدع والأهواء..." (31) .
قلت: السبكي من أئمة الكوثري في المباحث الكلامية وعداء شيخ الإسلام وابن القيم ولذلك نرى الكوثري يبجله غاية التبجيل (32) .
وقد سكت الكوثري على قوله هذا، فيكون حجة عليه في باب التفويض.
وهذا الذي ذكرنا من عدم سؤال الصحابة وعدم استشكالهم في باب الصفات. من ناحية؛
ومن ناحية أخرى.
أن الكفار بأصنافهم كانوا ألد أعداء الإسلام، وكانوا يترصدون الفرصة - بين حين وآخر - للطعن في القرآن والإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
وقد عارضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من المواطن طعناً في القرآن والإسلام (33) .
فلو كانت نصوص الصفات لا تعلم معانيها، ولا يعرف المراد منها، ولا كانوا يعرفوها، لبادروا إلى الطعن في القرآن، ولكان ذلك فرصة سعيدة لأعداء الإسلام، كما سيأتي في الوجه السابع.

الوجه السادس:
أن دعوى التفويض المطلق وتقوله على السلف الصالح دعوى باطلة يكذبها واقع نصوص السلف.
فإن نصوص السلف قد تواترت في إثبات الصفات بلا تكييف ولا تمثيل مع تنزيه الله تعالى بلا تحريف ولا تعطيل؛ وكلامهم في ذلك إما نص وإما ظاهر، وهذه كتب أئمة السنة تفوح بأقوال السلف وحصر أقوالهم خارج عن نطاق طاقة البشر.
ولكن أكتفي بأمثلة عديدة من أقوالهم تبين أن مذهبهم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، وأنهم كانوا يعرفون معاني الصفات ويفهمون المراد من نصوصها وتفويضهم في الكيف أما نسبة التفويض المطلق إليهم - فافتراء قيبح،، وبهت صريح،، وكذب شنيع،، وتقول فظيع،، عليهم:
1- قال الإمام ربيعة بن أبي عبدالرحمن المعروف بربيعة الرأي (136هـ) شيخ الإمام مالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول..".
2- ومثله كلام الإمام مالكٍ رحمهما الله تعالى.
وقال مالك (179هـ) أيضاً: "الله في السماء وعلمه في كل مكان...".
قلت: هذه المقالة الرَّبَعية والمالكية - التي سارت مسيرة الأمثال، وسارت بها الركبان - هي منهج كل مسلم سني سلفي، وهي تمثل مذهب السلف قديماً وحديثاً، وبهذا المهيع المستقيم السوي الوسط نجاة من ديجور التعطيل وفجور التمثيل.
وهي رد صريح على مزاعم أهل الجهل والتجهيل والتفويض، والتأويل؛ فإنهما قد صرحا بأن الاستواء معلوم، وإنما المجهول هو كيفيته.
3- قال شيخ الإسلام: "... وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئاً من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيف.
كقول مالك... "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"... وكذلك ربيعة قبله.
وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس أحد من أهل السنة ينكره، وقد بين: أن الاستواء معلوم، كما أن سائر ما أخبر به معلوم، ولكن الكيفية لا تعلم، ولا يجوز السؤال عنها، لا يقال: كيف استوى...؛
فإن قيل: معنى قوله: "الاستواء معلوم" أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم...؛
قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية.
وأيضاً فلم يقل ذكر الاستواء في القرآن، ولا إخبار الله بالاستواء،
وإنما قال: "الاستواء معلوم فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، ولم يخبر عن الجملة.
وأيضاً فإنه قال: "والكيف مجهول" ولو أراد ذلك يقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء.
وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه.
لو قال في قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]: كيف يسمع، وكيف يرى؟.
لقلنا: السمع، والرؤيا معلوم، والكيف مجهول.
ولو قال: كيف كلم موسى تكليماً؟ لقلنا: التكليم معلوم، والكيف غير معلوم" (34) .
قلت: هذا الذي حققه شيخ الإسلام في تفسير المقالة الرَّبَعِيَّة والمالكية حقيقة واقعة، وقد اعترف بها أبو بكر بن العربي (543هـ) فقال:
4- "ومذهب مالك رحمه الله: أن كل حديث منها معلوم المعنى، ولذلك قال للذي سأله: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة..." (35) .
وابن العربي هذا من أئمة الكوثري في المباحث الكلامية ولذا - يثني عليه ثناء عاطراً (36) فكلامه حجة عليه خاصة وعلى الماتريدية عامة.
والعجب من العلامة ملا علي القاري حيث حمل كلام الإمام مالك هذا على التفويض المطلق الباطل فقال: مذهب السلف عدم التأويل، وتفويض الأمر إلى الله وعلمه في المراد به، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول، واختاره إمامنا الأعظم (37) .
مع أن كلام الإمام مالك صريح في كون المعنى معلوماً، وإنما المجهول هو الكيف فهو يفوض في الكيف دون المعنى فبطل زعم الماتريدية.
5- وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: "من قال: لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض - فقد كفر، قال الله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].
فإن قال: أقول بهذه الآية ولكن لا أدرى أين العرش؟ في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً.
ونذكره من أعلى لا من أسفل، لأن الأسفل ليس من الربوبية والألوهية في شيء..." (38) .
ثم ذكر حديث الجارية مستدلاً به على علو الله تعالى.
قلت: أي عقل يحمل هذا النص الواضح على التفويض المفتعل الباطل مع أن الإمام أبا حنيفة يكفر من قال: لا أعرف الله هل في السماء أم في الأرض؟
بل يكفر من قال: لا أدري أين العرش مع اعتقاده أن الله على العرش.
ثم ذكر الإمام أبو حنيفة ثلاثة دلائل على إثبات علو الله تعالى:
الأول: الدليل الفطري:
وهو أن الله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل فالقلوب مفطورة بالتضرع إليه تعالى وأنه فوق العالم، وترفع الأيدي إليه على أنه فوق عباده.
والثاني: الدليل العقلي:
وهو أن الأسفل ليس وصف الربوبية والألوهية فمقتضى كونه تعالى رباً وإلهاً أنه فوق خلقه أجمعين.
والثالث: الدليل النقلي:
وهو قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وحديث الجارية، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أين الله)) وجواب الجارية: ((في السماء)) (39) .
ومع ذلك كله نرى الماتريدية ينسبون التفويض المفتعل المتقول الباطل إلى الإمام أبي حنيفة رحمة الله تعالى (40) .
مع أنه من أهل الإثبات، وكلامه صريح في هذا غاية الصراحة وحمله على التفويض المطلق الباطل تحريف محض.
نعم أبو حنيفة الإمام كبقية أئمة الإسلام يفوض في الكيف (41) .
فاكتفاء الإمام بالتفويض في الكيف دليل قاطع على أنه لم يفوض في المعنى وهذا برهان قاطع على أن الماتريدية لم يعرفوا مذهب إمامهم؛ وثبت أن مذهبه إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، وتفويض الكيف.
6- كلام الإمام عبدالله بن المبارك (181 هـ) الذي عده الحنفية ومنهم الكوثري في زمرة كبار أئمة الحنفية (42) فرية بلا مرية.
قال علي بن الحسن بن شقيق (215هـ).
"سألت عبدالله بن المبارك: كيف ينبغي أن نعرف ربنا عز وجل؟
قال: "على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ها هنا في الأرض".
قلت: ليتدبر كل عاقل طالب الحق رباني القلب في نص هذا الإمام العظيم، هل هو يثبت علو الله على عرشه، وفوقيته على خلقه؟.
أم يفوض في معنى العلو وكيفيته؟
بلى احتج هذا الإمام العظيم بعلو الله تعالى على عرشه على معرفته تعالى فهل يكون هذا من المفوضة؟ فاعتبروا يا أولى الأبصار.
7- وقال الإمام عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (157 هـ) وهو يحكي إجماع السلف على إثبات فوقية الله تعالى على خلقه وعلوه على عرشه - خاصة وجميع الصفات عامة-:
"كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة بما من صفاته جل وعلا".
الحاصل: أن نصوص أئمة السنة دالة - إما نصاً وإما ظاهراً - على أنهم كانوا يعرفون معاني الصفات ويفهمون المراد من نصوصها غير أنهم كانوا يفوضون في الكيف فقط دون المعنى؛
فنسبة التفويض المطلق الباطل إليهم تقول قبيح وكذب صريح، وبهت شنيع، وافتراء فظيع وضلال وإضلال.
وفي ذلك عبرة للماتريدية ،، ولاسيما الفنجفيرية ،،
الذين ينسبون التفويض إلى السلف كذباً وزوراً (43) .

الوجه السابع:
أنه من المعلوم علماً اضطرارياً أن المشركين واليهود والنصارى وغيرهم من الكفرة كانوا ألد أعداء الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم وعامة المسلمين.
وكانوا يترصدون الفرص للقدح في الإسلام بكل وسيلة ممكنة لهم.
ومن المعلوم بلا ارتياب أنهم لم يقدحوا في نصوص الصفات، ولا قالوا: إن هذا الرجل - رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأتباعه - الصحابة رضي الله عنهم - يتكلمون بكلام لا يفهم معناه.
فلو كانت نصوص الصفات لا يعلم المراد منها، وأن الصفات لا تُعرف معانيها، وأن الصحابة لا يعرفون لك - لبادر هؤلاء الكفار إلى الطعن في الإسلام وسارعوا إلى القدح في القرآن والمسلمين من هذا الباب فدل ذلك دلالة قاطعة على أن هؤلاء الكفار لم يكونوا مفوضين على الإطلاق فضلاً عن المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن المعلوم أيضاً أن المسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقدون الكفار وآلهتهم بأنها لا تتصف بصفات الألوهية الكمالية، من السمع والبصر، والقدرة، والعلم، والكلام، ونحوها، والتكليم، بل هي متصفة بصفات النقص فلا تستحق الألوهية بخلاف رب العالمين إله الحق سبحانه وتعالى فإنه متصف بصفات الكمال فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ولم يكن المشركون يعارضون المسلمين في هذا قط؛ كما عارضوهم في مسائل أخرى (44) :
فلم ينفوا عن الله تعالى صفاته الكمالية، وكانوا معترفين بذلك، اللهم إلا من عاند منهم وأكره نفسه على مخالفة الفطرة وما هو مركوز في القلوب.
فهذا يدل دلالة قاطعة على أنهم لم يكونوا مفوضةً، فضلاً عن أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم مفوضةً جاهلين بالله وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا.
ولهذا قال الله تعالى: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:60]
قال شيخ الإسلام: "وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص في الكتب الإلهية، أكثر وأعظم من نصوص المعاد.
ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول صلى الله عليه وسلم، وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم يكن العرب تنكر.
فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد.
فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وأن ما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟" (45) .
وقال الإمام السهيلي (581هـ): "فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة لا يفهم معناه.
قلنا: ليس الأمر كذلك بل كان معناها مفهوماً عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم.
ولذلك لم يستفت واحد من المؤمنين عن معناها، ولا خاف على نفسه وتوهم التشبيه، ولا احتاج إلى شرح وتنبيه؛
وكذلك الكفار لو كانت عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض، واحتجوا بها على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولقالوا له: زعمت: أن الله ليس كمثله شيء، ثم تخبر أن له يداً كأيدينا وعيناً كأعيننا.
ولم ينقل ذلك عن مؤمن، ولا كافر علم أن الأمر كان فيها عندهم جلياً لا خفياً.." (46) .
ولشيخ الإسلام كلام مهم في هذا الصدد أيضاً فراجعه (47) .
تنبيه: لقد جمع العلامة عبدالسلام أحد كبراء الفنجفيرية عدة نصوص لبيان مذهب السلف؛
فاختلط عليه الحابل بالنابل، وخلط علماً صالحاً وآخر سيئاً؛ عيسى الله أن يتوب علينا وعليه؛
حيث ذكر عن السيوطي: أن مذهب السلف تفويض معناها المراد إلى الله مع تنزيهه عن حقيقتها (48) .
قلت: كلامه متناقض لأنه ذكر نصوصاً قبله وبعده تناقضه؛ وباطل أيضاً بهذه الوجوه السابقة واللاحقة.
وهذا برهان إنَّيٌّ على أنه لم يعرف التوحيد ومذهب السلف ،، فلذا وقع في طامات الماتريدية الخلف ،،
وهذا الجهل المطبق برهان لِمِّىٌّ على وقوعه في التفويض الواضح ،، والتناقص الفاضح ،،

الوجه الثامن:
أن التفويض المطلق المفتعل المصنوع على السلف أخو التأويل الذي يتضمن تعطيل الصفات وتحريف نصوصها كما سيأتي تحقيقه.
فكذلك التفويض يتضمن التعطيل غير أن التأويل يتضمن التحريف أيضاً.
فالتفويض والتأويل مشتركان في تضمنهما للتعطيل، لأن المفوض لا يثبت لله الصفات بل ينفيها؛
لأنه يقول: ظاهر نصوص الصفات غير مراد فهو ينفي العلو، والاستواء والنزول واليدين، والغضب والرضا ونحوها من صفات الله؛
ويقول: إن النصوص لا تدل على هذه، وهي غير مرادة منها، وأن المراد غير معلوم فقد وقع المفوض في التعطيل من هذه الجهة من حيث لا يشعر كما وقع في الجهل بصفات الله وتجهيل السلف.
قال العلامة المقبلي: "المذهب الثالث: من يقول ليس المراد هو ظاهر العبارة بحسب ما يفهم من اللغة لكنا جهلنا المعنى المراد، فنمسك عن الفحص عنه كما أمسك السلف.
وهذا المذهب في الحقيقة هو الأول - (أي التأويل) - وإن كان أسلم من الذي قبله باعتبار أنه سهل، فهو ليس بمذهب ثالث، لأن صاحبه إنما سكت عن التعيين، وقد حكم بالتأويل في الجملة فهو متأول لا مسلم" (49) يعني أن المفوض نافٍ للصفات.
وقال الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله: "فالفرق بين التحريف والتعطيل: أن التعطيل نفي المعنى الحق الذي دل عليه الكتاب السنة،
وأما التحريف: فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها.
والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق.
فإن التعطيل أعم مطلقاً من التحريف، بمعنى أنه كلما وجد التحريف وجد التعطيل دون العكس.
وبذلك يوجدان معاً فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق.
ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة، وزعم أن ظاهرها غير مراد، ولكنه لم يعين لها معنى آخر، وهو ما يسمونه بالتفويض..." (50) .
الحاصل: أن التفويض المطلق الباطل يتضمن التعطيل فهو أخو التأويل.
فثبت أن السلف لم يكونوا مفوضة كما لم يكونوا مؤولة معطلة..
بل كانوا مثبتين للصفات بلا تمثيل ومنزهين لله تعالى بلا تعطيل.
وبهذا تبين بطلان القول بالتفويض، ونسبته إلى السلف، وبالله التوفيق.
تنبيه: لقد تبين بهذا التحقيق الفرق بين التفويضين اللغوي، والكلامي، فالتفويض اللغوي عدم الحكم على الشيء لا نفيا ولا إثباتاً وهو التفويض السلفي بعينه، أما التفويض الكلامي فهو نفي الصفات ثم رد معانيها وكيفيتها إلى الله.

الوجه التاسع:
أن القول بالتفويض، ونسبته إلى السلف -
قول متناقض مضطرب تناقضاً واضحاً، واضطراباً فاضحاً.
فإن من أثبت شيئاً من الصفات، وادعى في بقيتها إما التفويض، وإما التأويل -
لزمه التفويض أو التأويل فيما أثبته؛
لأنه لو طولب بالفرق بين ما أثبته وبين ما فوض فيه أو أول لم يجد جواباً صحيحاً وفرقاً.
فالماتريدية قد أثبتوا لله حياة، وعلماً، وإرادة وسمعاً، وبصراً، فلم يجعلوها متشابهاتٍ، ولم يفوضوا فيها ولم يؤولوها.
فهلا جعلوها متشابهاتٍ لا يعلم معناها إلا الله كما جعلوا غيرها متشابهات؟
وهلا فوضوا فيها كما فوضوا في غيرها؟ أو لم لا يؤولونها كما أولوا غيرها؟
وهلا نسبوا التفويض فيها إلى السلف كما نسبوا في غيرها إليهم؟.
ولهذا لا يوجد لهؤلاء ولأمثالهم قانونٌ مستقيمٌ.
الحاصل: أنه تبين للقراء الكرام بهذه الوجوه التسعة إبطال القول بالتفويض المطلق المختلق ونسبته إلى سلف هذه الأمة بحمد الله تعالى.
الجواب عن شبهاتهم التي تعلقوا بها:
للماتريدية شبهات في إثبات بدعة التفويض ونسبته إلى السلف أقواها شبهتان:
أ- أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.
واستدلوا بقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7] على قراءة الوقف على لفظ الجلالة (51) .
ب- أن كثيراً من السلف قد صرحوا بأن هذه النصوص لا تفسر، بل تفسيرها تلاوتها، وقالوا: نمرها كما جاءت.
وهذا صريح في أنهم كانوا يفوضون في المعنى والكيف جميعاً (52) .
أما الشبهة الأولى:
فعنها عدة أجوبة نذكر منها ما يلي:
الجواب الأول:
أن قياس نصوص الصفات على الحروف المقطعة في أوائل السور باطل، لأن نصوص الصفات من الكلام العربي المبين أسلوباً وتركيباً، ومركبة من جمل تنحل إلى المفردات العربية المعروفة في لغة العرب الواضحة معانيها لكل عربي مدني وقروي وحضري كوضوح ألفاظها، بخلاف تلك الحروف المقطعة في أوائل السور فإنها رموز، حتى صرح الإمام ابن أبي العز بأنها ليست آيات عند جمهور العادّين (53) .
ولأن المتشابه نوعان:
1- متشابه في نفسه وأصله الذي استأثر الله بعلم تأويلها كالحروف المقطعة في أوائل السور.
2- ومتشابه في وصفه وهو متشابه إضافي الذي يعرفه الراسخون (54) .
فقياس الثاني على الأول قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق باطل (55) .

الجواب الثاني:
أننا لا نسلم أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا تُعْلَمُ معانيها، بل هي آيات محكمات واضحات، والقول بأنها متشابهات لا تعلم معانيها - قول مبتدع لا سلف لقائله.
وليست مما يندرج تحت قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7]، لأنه لم يقل أحد من السلف أن معاني نصوص الصفات لا يعلمها أحد إلا الله، لا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته رضي الله عنهم.
فلا يصح استدلالهم بهذه الآية قطعاً، وفيما يلي بعض أقوال الأئمة:
1- قال الإمام ابن قتيبة (276هـ) أديب أهل السنة:
"ولسنا ممن يزعم: أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم وهذا غلط من متأوليه على اللغة، والمعنى.
ولم ينزل الله شيئاً من القرآن إلا ينفع به عباده، ويدل على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره لزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة.
وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه؟!".
ثم ذكر نصوصاً دالة على أن الصحابة رضي الله عنهم أيضاً يعلمون معاني المتشابهات، ثم قال:
"ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:7] - لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين لأنهم جميعاً يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا .
وبعدُ: فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن، فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمروه كله على التفسير حتى فسروا "الحروف المقطعة في أوائل السور..." (56) .
2- ومثله كلام للإمام القرطبي (671هـ) (57) .
3- ومثله كلام الإمام ابن أبي العز الحنفي (792هـ) (58) .
4- والعلامة محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) (59) .
5- وقال شيخ الإسلام:
"من قال: إن هذا من المتشابه، وأنه لا يفهم معناه. فنقول له: أما الدليل على بطلان ذلك: فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل، ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه.
وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلاماً لا يفهم أحد معناه..
فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يُسكَتُ عن بيانهِ، وتفسيره، بل يُبَيَّنُ باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه، أو إلحاد في أسماء الله وآياته" (60) .

الجواب الثالث:
أن القول بأن نصوص الصفات متشابهات لا تُعلم معانيها - قولٌ يكذبه الواقع بل هي محكمات واضحات وليست متشابهات - نعلم ذلك بالاضطرار.
قال شيخ الإسلام:
"والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه أن نقول: لا ريب أن الله سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل الرحمن، والودود، والعزيز، والجبار، والعليم، والقدير، ونحو ذلك.
ووصف نفسه بصفات، مثل سورة الإخلاص، وآية الكرسي، وأول الحديد وآخر الحشر، وقوله: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:2].. فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55]، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ [محمد:28]، وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ [التوبة:46]، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة:64]، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:27]، أوَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] إلى أمثال ذلك...؛
ثم يقال لهذا المعاند: فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود وعلى الحق الموجود أم لا؟
فإن قال: لا - كان معطلاً محضاً، وما أعلم مسلماً يقول هذا.
وإن قال: نعم - قيل له: فهمت منها دلالتها على نفس الرب ولم تفهم دلالتها على ما فيها من المعاني من الرحمة، والعلم وكلاهما في الدلالة سواء... (61) "؟!

الجواب الرابع:
أن هؤلاء الماتريدية عاكسوا السلف في جعل نصوص الصفات الإلهية الكمالية - متشابهات.
وجعل المتشابهات - عند السلف - محكماتٍ (62) .
كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].
ونحوهما من المتشابهات - بمعنى أنها مجملات فيها نفي مجمل تشتبه على من لا يفهمها. (63)
فردوا بها نصوص العلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، وغيرها من نصوص الصفات التي هي في غاية الصراحة والبيان والإيضاح والإحكام والتفصيل كما سيأتي تفصيله.
فالماتريدية في هذه المعاكسة تبع للجهمية الأولى بشهادة إمام أهل السنة:
قال الإمام أحمد في الجهم وطريقته الباطلة:
"... ووجد ثلاث آيات من المتشابه:
قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3] و لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103].
فبنى كلامه - أي تعطيل الصفات، وتحريف نصوصها - على هذه الآيات وتأويل القرآن على غير تأويله؛ وكذب بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله - كان كافراً وكان من المشبهة.
فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة، ووضع دين الجهمية (64) .

الجواب الخامس:
أن عاجل نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه مضطربٌ في فعله هذا ومتناقض في قوله حيث لا يسعه أن يطرد قوله إلا أن يكون معطلاً غالياً.
فقد ذكر شيخ الإسلام عدة أمثلة من آيات الصفات التي سبق ذكرها في الجواب الثالث.
ثم قال: "فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه: أتقول هذا في جميع ما سمى الله ووصف به نفسه أم في البعض؟.
فإن قلت: هذا في الجميع -
كان هذا عناداً ظاهراً، وجحداً لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل كفر صريح...".
ثم ذكر شيخ الإسلام، أن هذا المدعي إن اعترف بأن بعضه متشابه دون البعض طولب بالفرق، ولا يستطيع إلى ذلك سبيلاً لا عقلاً ولا سمعاً، إلى آخر كلامه المتين الرصين (65) .
فلابد من وقوعه في التناقض الشنيع والاضطراب الفظيع إلا أن يرجع إلى المنهج السلفي ويقول: إن نصوص الصفات ليست من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ويستقر على إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
ولابن رشد الحفيد (595هـ) كلام في بيان تناقض من يدعي أن نصوص الصفات متشابهاتٌ فراجعه (66) .

الجواب السادس:
أنه لو سلم أن نصوص الصفات من المتشابهات فلا نسلم أن تأويلها غير معلوم.
لأن المراد من "التأويل" في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:7] الآية - بمعنى التفسير وبيان المعنى المفهوم من اللفظ العربي -، ويكون الوقف على قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ويكون قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ عطف على قوله: اللّهُ، ويكون قوله يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا في محل نصب حال من الراسخين فيكون التقدير: وما يعلم تفسيره ومعناه إلا الله والراسخون في العلم - قائلين: كل من عند ربنا (67) .
وذلك لأن التأويل يطلق في اصطلاح السلف ولغة القرآن على معنيين:
أحدهما: التفسير وبيان المعنى، فيكون التأويل، والتفسير وبيان معنى اللفظ واحداً وتكون هذه الكلمات من الألفاظ المترادفة.
ويكون هذا المعنى "للتأويل" هو المراد في هذه الآية على هذا التقدير، فيكون الراسخون في العلم يعلمون معاني تلك النصوص ويعرفون المراد منها، فبطل تشبث المدعين للتفويض بهذه الآية كما بطل زعمهم أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله.
لأن الآية الكريمة - على هذا التقدير - تدل على خلاف مطلوبهم.
قال شيخ الإسلام:
"قال مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات، أقف عند كل آية، وأسأله عنها".
فهذا ابن عباس - حبر الأمة - وهو أحد من كان يقول، "لا يعلم تأويله إلا الله - يجيب مجاهداً عن كل آية من القرآن.
وهذا هو الذي حمل مجاهداً، ومن وافقه كابن قتيبه على أن جعلوا الوقف عند قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران:7] .
فجعلوا الراسخين في العلم يعلمون التأويل.
لأن مجاهداً تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله، ومجاهد إمام التفسير، قال الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك..." (68) .
ثم ذكر شيخ الإسلام معاني التأويل فقال:
"وأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان:
أحدهما تفسير الكلام، وبيان معناه...، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربين أو مترادفين، وهذا - والله أعلم - هو الذي عناه مجاهد: أن العلماء يعلمون تأويله..." (69) .
وقال أيضاً في بيان كون "التأويل" بمعنى "التفسير":
"وهذا هو معنى التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم.
وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم.
وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[آل عمران:7]
كما نقل ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد ابن إسحاق، وابن قتيبة، وغيرهم..." (70) .
الحاصل: أنه لو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات وأنها تندرج تحت آية آل عمران.
فلا نسلم أن معناها غير معلوم لما مر في توجيه لهذه الآية، وفي كتب أئمة السنة والتفسير نصوص كثيرة عن الصحابة والتابعين على أن الراسخين كانوا يعلمون معاني تلك المتشابهات (71) .
وثانيهما: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.

الجواب السابع:
أن نقول: لو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات التي لا يَعلمُ تأويلها إلا الله، بناءً على أن يكون الوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّه.
كما هو قراءة الأكثرين، وأن الراسخين لا يعلمون تأويلها على عَدَِ قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران:7] جملة مستأنفة، فيكون الراسخون لا يعلمون تأويلها -
فلا نسلم أن المراد بلفظ "التأويل" في هذه الآية ما يرادف فهم المعنى من اللفظ العربي، وتفسيره، بل المراد من "التأويل" في هذه الآية: هو حقيقة ما يؤول إليه الكلام وهو أحد معنى "التأويل" في لغة القرآن واصطلاح السلف كما سيأتي تحقيقه.
فيكون المراد بـ"التأويل" كيفية الصفات فهي لا يعلمها إلا الله، فلا يعلمها الراسخون، ولا غيرهم.
وأما معنى الصفات فإنه معلوم يعلمه الراسخون بلا شك.
فهذا يؤيد قاعدة السلف في الصفات: "الاستواء معلوم والكيف مجهول".
إذن لا يصح تمسك المدعين للتفويض بهذه الآية أصلاً على أن معاني الصفات غير معلومة كما أن كيفيتها غير معلومة.
لأن المنفي في الآية على هذا التقدير إنما هو "الحقيقة التي يؤول الكلام إليها وهي الكيف"، لا المعنى المفهوم من اللفظ العربي.
ولشيخ الإسلام تحقيق دقيق لتقرير هذا المطلوب فراجعه (72) .
الحاصل: أن قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [ آل عمران:7] فيه قراءتان منقولتان عن السلف والكل قراءة توجيه وجيه.
أما القراءة الأولى:
فهي الوقف على لفظ الجلالة.
وكون قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ جملة مستأنفة.
وتوجيه هذه القراءة: أن لفظ "التأويل" على هذه القراءة بمعنى حقيقة ما يؤول غليه الكلام في نفس الأمر وهو الكيفية.
فيكون الراسخون في العلم لا يعلمونها، لأن ذلك مما استأثر الله بعلمه.
وأما القراءة الثانية:
فهي الوقف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وجعل قوله: وَالرَّاسِخُونَ عطفاً على لفظ الجلالة.
وتوجيه هذه القراءة، أن لفظ "التأويل" على هذه بمعنى التفسير وبيان المعنى المفهوم من اللفظ العربي.
فيكون الراسخون يعلمون معاني تلك النصوص مع تفويضهم في الكيف.
قال شيخ الإسلام وغيره من أئمة الإسلام واللفظ له: "وكلا القولين حق باعتبار كما بسطناه، في موضع آخر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق" (73) .
وقال: "وقد روى عن ابن عباس ما ذكره عبدالرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه:
1- تفسير تعرفه العرب من كلامها.
2- وتفسير لا يعذر أحد بجهالته.
3- وتفسير يعلمه العلماء.
4- وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل.
فمن ادعى علمه فهو كاذب..." (74) .
فأصل اللفظ - وهو المعنى المفهوم منه لغة - معلوم دون شك،، وإنما المجهول وصف ذلك المعنى - وهو الكيف -
فلو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات -
نقول: إن المتشابه نوعان: متشابه بأصله كالحروف المقطعات ومتشابه بوصفه وكيفيته كآيات الصفات.
فعلى هذا التقدير: هي معلومة.. الأصل - أي المعنى -
لكنها مجهولة الوصف - أي الكيف، فالتأويل المنفي في الآية هو الكيف لا المعنى.
وهذه حقيقة اعترف بها كبار أئمة الحنفية والماتريدية. أمثال فخر الإسلام البزدوي (482هـ) وشمس الأئمة السرخسي (483هـ) وحافظ الدين النسفي (710هـ) وعبدالعزيز بن أحمد البخاري (730هـ) وأبو المنتهى المغنيساوي (كان حيا 939هـ) والملا علي القاري (1014هـ) وشيخ زاده عبدالرحمن بن محمد (1078هـ) والقاضي كمال الدين البياضي (1098هـ).
فقالوا في التمثيل للمتشابه - واللفظ للأول:
"ومثاله: إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار.. فصار بوصفه متشابهاً، فوجب تسليم المتشابه على اعتقاد الحقيقة فيه.
وكذلك إثبات اليد، والوجه حق عندنا، معلوم بأصله متشابه بوصفه ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف.
وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة".
وزاد شمس الأئمة السرخسي، وحافظ الدين النسفي، والقاري؛ واللفظ له:
"وأهل السنة، والجماعة أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص، أي بالآيات القطعية، والدلالات اليقينية، والدلالات اليقينية، وتوقفوا فيما هو المتشابه، وهو الكيفية، ولم يجوزوا الاشتغال بطلب ذلك كما وصف الله به الراسخين في العلم فقال: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:7] (75) .
الخلاصة: أنه لا دليل في هذه الآية أصلاً للمدعين للتفويض ونسبته إلى السلف والحمد لله.
وبعد ما قضينا على هذه الشبهة ننتقل إلى الرد على الشبهة الثانية.

وأما الشبهة الثانية:
فما أفسدها، وأظهر بطلانها!!:
لأنه ليس المرادُ التفويض في المعنى من قول السلف: "نمرها كما جاءت" أو "أمروها كما جاءت" أو "أنها لا تفسر" أو "أن تفسيرها تلاوتها" أو نؤمن بها ولا كيف ولا معنى" أو "على ما أراد الله"، ونحوها من الأقوال التي تنقل عن سلف الأمة وأئمة السنة. ليس قصدهم بذلك أنهم جاهلون بمعاني نصوص الصفات ومرادها، وأنهم كانوا يتلونها تلاوة مجردة كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب بدون فهم المعنى والمراد.
فمن فسر أقوال السلف بهذا التفسير فقد كذب عليهم وافترى أشنع الكذب وأبشع الافتراء.
بل كان قصدهم بهذه الأقوال هو الردَّ على تفسيرات الجهمية وتأويلاتهم التي كانت عين التحريفات".
فقالوا: "أمروها" أي أثبتوها وأقروها وآمنوا بها، و"لا تُفَسَّرُ" تفسيرَ الجهمية، ولا تُحَرَّفُ كما حرفوها "بل تفسيرها تلاوتها" فإنها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار يفهمها التالي والسامع بمجرد تلاوتها.
كما قصدوا بقولهم: "بلا كيف" الردَّ على الممثلة.
فكلام السلف يتضمن إحقاق الحق وإبطال الباطل وانتصار مذهب أهل السنة والقضاء على مذهب أهل التعطيل، والتمثيل في آن واحد، وهو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.
ويشهد لما قلنا نصوص السلف، وفيما يلي بعض الشواهد من نصوصهم:
أ- نصُّ الإمام محمد بن الحسن الشيباني (189هـ) صاحب أبي حنيفة رحمهما الله وهو أحد الأئمة الثلاثة للحنفية على الإطلاق:
"اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل، من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه؛
فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفارق الجماعة؛
فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا؛
فمن قال يقول الجهم، فقد فارق الجماعة لأنه وصفه بصفة لا شيء".
فيا ترى هل قوله: "على الإيمان بالقرآن..." يدل على إيمان الإثبات أم إيمان التفويض؟.
وهل يقول عاقل: إن الإيمان بالقرآن إيمانُ تفويضٍ؟.
أليس قوله: "فمن قال بقول جهم...، لأنه وصفه بصفة لا شيء" صريحاً في أنه يقصد الردَّ على تفسير الجهمية وتحريفهم؟.
فالماتريدية في نفيهم لصفة علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده - تابعوا الجهم، فوصفوا الله تعالى بصفة لا شيء.
بل زادوا على مقالة الجهم، وقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق، ولا تحت، إلى آخر ذلك الهذيان الذي لا يقر عقل ولا نقل ولا فطرة ولا إجماع في آن واحد.
فوصفوه بصفة الممتنع في بداهة العقول، وبتصريح كبار أئمة السنة والكلام.
وقوله: "فإنهم لم يصفوا، ولم يسفروا" معناه: أن أهل السنة لم يصفوا الله بصفة لا شيء ولم يؤولوا صفات الله تعالى كما يصنع الجهم وأذياله.
وقوله: "ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا" معناه: أنهم أفتوا بإثبات ما في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى ثم سكتوا عن تأويلها وبيان كيفيتها.
وقوله: "في صفة الرب عز وجل" عام لجميع الصفات ومطلق، فهل الماتريدية يفوضون في جميع الصفات؟.
ب-هـ- "الأئمة" الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليث بن سعد.
روى الإمام ابن عبدالبر حافظ المغرب (463هـ) عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليث بن سعد، غير مرة عن الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقال: "أمروها كيف جاءت بلا كيف" (76) .
فيا ترى هل هؤلاء الأئمة كانوا مفوضين في معنى "الرؤية" وكيفيتها جميعاًً؟ أم قصدهم الرد على تحريفات منكري "الرؤية" والمشبهة؟.
وهل الماتريدية يفوضون في معنى "الرؤية" أيضاً؟.
و- الإمام أبو عبيد قاسم بن سلام (224هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية ومن أجل أصحاب الإمام محمد بن الحسن الشيباني - عند الكوثري والكوثرية (77) .
فقد قال هذا الإمام في أحاديث الرؤية، والكرسي، وصفة الضحك ووضع القدم في جهنم وأشباه هذه الأحاديث:
"هذه الأحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث، والفقهاء بعضهم على بعض وهي عندنا حق لا شك فيها، ولكن إذا قيل: "كيف وضع قدمه"؟ وكيف ضحك"؟.
قلنا: لا يُفَسَّر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره" (78) .
انظر أيها المسلم طالب الحق والإنصاف إلى نص هذا الإمام، وصراحته بأن أحاديث الرؤية وغيرها من الصفات يجب الإيمان بها وأنها حق، فمن قال: "كيف؟" قلنا: لا يفسر كيفيتها ولم يفسر أحد من السلف كيفيتها وأن التفويض إنما هو في الكيف لا المعنى؛
فهذا النص متضمن لإحقاق الحق وهو الإثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل وإبطال الباطل وهو الرد على أهل التعطيل، وأهل التمثيل.
وفي ذلك عبرة للماتريدية ولاسيما الكوثرية منهم.
ز- الإمام أحمد إمام أهل السنة:
لقد صرح الكوثري بأن الإمام سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم، ونحوها، فقال: "نؤمن بها، ولا كيف، ولا معنى" (79) .
فترى أن قول الإمام أحمد هنا: "... ولا كيف ولا معنى" في جميع الصفات حتى في "رؤية" الله تعالى، فهل ترى أنه يفوض في "رؤية" الله تعالى أيضاً؟ معنى وكيفاً؟.
وهل يصح عند من له أدنى مسكة من عقل أن الإمام أحمد يقول: إن أحاديث "الرؤية" لا كيف لها ولا معنى لها"؟.
وهل الماتريدية، وعلى رأسهم الكوثري - الذي استدل بقول الإمام أحمد هذا على التفويض المفتعل المنقول - يفوضون في "الرؤية" أيضاً؟ سبحان قاسم العقول!.
فهذا دليل صريح على أن الإمام أحمد يقصد بقوله: "لا كيف ولا معنى" الرد على المشبهة والمعطلة، والمراد من المعنى المنفي في كلامه هو تفسيرات الجهمية وتأويلاتهم وتحريفاتهم؛ لا المعنى المفهوم من النص.
ح- نص آخر للإمام أحمد مثل قوله: "تُمَرُّ كما جاءت" في غير أحاديث الصفات.
قال شيخ الإسلام: "وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفاتِ: "تُمَرُّ كما جاءت" في أحاديث الوعيد، مثل قوله: "من غش فليس منا".
وأحاديث الفضائل.
ومقصوده بذلك: أن الحديث لا يُحَرَّفُ كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلاً بالعرف المتأخر.
فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل" (80) .
قلت: فهل يعقل أن السلف - ومنهم الإمام أحمد - يفوضون في معاني نصوص الوعيد، والفضائل أيضاً؟ وهل الماتريدية - ومنهم الكوثري والكوثرية - يفوضون فيها تفويضاً باطلاً عاطلاً؟.
ط-ل- روى الإمام الترمذي حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة تربو في كف الرحمن...)) (81) .
وفي رواية: ((إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه...)) (82) الحديث.
ثم قال الترمذي: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا.
قالوا: "تثبت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف".
هكذا روى عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك: أنهم قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف".
وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: "هذا تشبيه".
وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه: "اليد" و"السمع" و"البصر"؛
فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: "إن الله لم يخلق آدم بيده" وقالوا: "إن معنى اليد هنا القوة..".
قلت: تدبر أيها المسلم في نص هذا الإمام وفيما نقله عن أئمة الإسلام.
فقوله: "ففسروها على غير ما فسر أهل العلم" صريح بأن أئمة الإسلام قد فسروا نصوص الصفات على وجهها، وأن تفسير الجهمية تحريف لها فكلام هؤلاء الأئمة موافق لقولهم: "أمروها بلا كيف" وقولهم: "يؤمن بها ولا يقال: كيف".
فأئمة الإسلام على إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، وكلام هؤلاء الأئمة في جميع الصفات، في السمع والبصر، وغيرها بنص الإمام الترمذي.
فهل يظن الماتريدية - بما فيهم الكوثرية - أن أئمة الإسلام كانوا يفوضون في صفتي "السمع" و"البصر" أيضاً؟!.
وهل الماتريدية يفوضون في هاتين الصفتين؟ هكذا يحصد الزوبعة من زرع الريح.
فنصوص هؤلاء الأئمة دليل قاطع على أنهم يريدون بنفي "التفسير"، وبنفي "المعنى"، وبقولهم: أمروها، كما جاءت، ونحوه من العبارات - تفسيرات الجهمية وتحريفاتهم ولا يقصدون نفي معنى النص.
وقد ظهر من نص الإمام الترمذي ومما نقله عن أئمة الإسلام: أن الماتريدية تابعوا الجهمية في نفي الصفة "اليد"، وتأويلها بالقوة، والقدرة كما سيأتي.
واحتجوا بشبهة الجهمية من أن إثباتها تشبيه ما تقدم.
فهم في هذا خارجون على أهل السنة وليسوا منهم.
بل زاد الماتريدية بدعة أخرى على بدعة التعطيل، وهي بدعة التفويض وافترائه على أئمة الإسلام شاعرين أم غير شاعرين.
م- الإمام الطحاوي (321هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية، وعقيدته هي عقيدة الأئمة الثلاثة: "أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد" رحمهم الله باعتراف الماتريدية والكوثري".
يقول الإمام الطحاوي: "والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة، ولا كيفية..، كما نطق به كتاب ربنا...؛ وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو كما قال: ومعناه على ما أراد.
لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا.." (83) .
قلت: فهل كان الإمام الطحاوي وأئمة الحنفية الثلاثة مفوضين في "الرؤية"؟ وهل الماتريدية يفوضون فيها معنى وكيفية؟.
الحاصل: أن هذه الآثار التي نقلت عن السلف لا حجة للمفوضة فيها، بل هي على عكس مطلوبهم، لأن قصدهم نفي تفسيرات الجهمية وتحريفاتهم، وليس قصدهم أنها مجرد ألفاظ تتلى بدون فهم المعاني.
قال شيخ الإسلام:
(فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب" - موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف.
فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا علم حقيقة الصفة؛
ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم معناه، على ما يليق بالله لما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف".
فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم، وأيضاً فإنه لا يحتاج إلى نفي الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى،
وإنما يحتاج إلى نفي الكيفية إذا أثبت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف".
فمن قال: "إن الله ليس على العرش" لا يحتاج أن يقول: "بلا كيف" فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف".
وأيضاً فقولهم: "أمروها كما جاءت" يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت بألفاظ دالة على معان؛
فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: "أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد"، أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله تعالى لا يوصف بما دلت عليه حقيقة"، وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت.
ولا يقال حينئذ: "بلا كيف" لأن نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (84) .
وقال: (فقولهم رضي الله عنهم: "أمروها كما جاءت" ردٌ على المعطلة، وقولهم: "بلا كيف" ردٌ على الممثلة) (85) .
قلت: لقد تبين من خلال نصوص أئمة السنة أنهم كانوا يقصدون بنفي التفسير نفي تفسيرِ الجهمية وتحريفهم وتعطيلهم للصفات ونصوصها، ولم يكن قصدهم أنها لا تعلم معانيها ولا يعرف المراد منها.
فحمل كلام الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام السلف على الاصطلاحات المبتدعة تحريفٌ محضٌ ويكون من قبيل توجيه قول القائل بما لا يرضى به قائله: فمن حمل كلام السلف على التفويض المفتعل المختلق المصنوع الموضوع المبتدع فقد حَرَّفَ كلامهم لأنه بمثابة شهادة الزور، لأنه تأويل كلام متكلم بما لا يطابق مراده.
قال الإمام ابن القيم: "فإذا قيل معنى اللفظ كذا - كان إخباراً بالذي عناه، المتكلم، فإن لم يكن هذا الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم" (86) .
قلت: هذه حقيقة واقعة حتى اعترف بها الكوثري حيث قال:
وأين التجليات التي اصطلح عليها الاتحادية من تخاطب العرب ومن تفاهم السلف والخلف بهذا اللسان العربي المبين؟.
حتى يكون حمل النصوص، والآثار على التجليات المصطلح عليها فيما بعد عهد التنزيل بدهور - استعمالاً لها في حقائقها؟.
ومن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح ومسلك أئمة أصول الدين، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح، والتعديل، والتقويم، والتعليل..." (87) .
قلت: هذا الكلام في غاية الدقة والإتقان، ولكن ليت الكوثري والكوثرية والماتريدية يطبقونه مطرداً ويستقيمون على منهج السلف الصالح، ولكنهم خالفوه في مواضع لا تحصى، فقد ادعوا على السلف التفويض وحملوا نصوصهم عليه فحرفوها تحريفاً معنوياً وشهدوا عليهم زورا؛
وهكذا ترى الكوثري - حامل راية الخلف، والطاعن في السلف - يحمل نصوص الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف على الكلام النفسي (88) .
وهكذا يتلاعب بنصوص الإمام أحمد فيحملها على الكلام النفسي (89) نضالاً عن بدعته الكلامية الجهمية الماتريدية.
مع أن القول ببدعة الكلام النفسي قول مفتعل موضوع مصنوع متقول على الله ورسوله، وسلف هذه الأمة من أئمة السنة.
وأول من أحدثه هو ابن كلاب.
فكيف تحمل نصوص السلف على شيء لم يكن موجوداً في عهدهم؟! فحمل نصوص الوحي وكلام السلف على التفويض ونحوه تحريف؛
فلنا أن نقلب على الكوثري كلامه فنقول:
إن القول بالكلام النفسي، ونسبته إلى السلف وحمل نصوصهم عليه، وكذا القول بالتفويض ونسبته إلى السلف وحمل نصوصهم عليه بعيد من تخاطب العرب، وتفاهم السلف بهذا اللسان العربي المبين، فكيف يصح حمل النصوص والآثار على هذه المصطلحات المبتدعة الكلامية المحدثة بعد عهد التنزيل بدهور؟.
فمن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح والتعديل، والتقويم والتعليل.
وفي هذا كفاية لمن عنده طلب الحق والإنصاف والدراية، وأما من تعود: أن يقول: "عنزة وإن طارت" فلا دواء لدائه.

محروم
اليوم, 02:04 PM
في إبطال التفويض


لقد سبق .... أن بينا الفرق بين التفويض السلفي الحق وبين التفويض الكلامي الخلفي الباطل المتقول على السلف.
ولما كان نسبة هذا التفويض الباطل إلى السلف بالغ التقول اقتضى ذلك أن نذكر وجوهاً تتضمن براهين قاطعة وحججاً ساطعة على إبطال ذلك التفويض وبطلان نسبته إلى السلف الصالح، فأقول وبالله التوفيق:
الوجه الأول:
أن القول بهذا التفويض المطلق - التفويض في المعنى والكيف جميعاً - يستلزم الجهل بالله تعالى، وصفاته العلا.
كما يستلزم الجهل بمذهب السلف، والتقول عليهم.
ويستلزم أيضاً تجهيل السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة هذا الدين - بالله تعالى وصفاته الكمالية كما يستلزم استبلادهم، وأنهم كانوا يتلون كتاب الله ويقرؤون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يفهمون معاني ذلك.
ويستلزم تفضيل الخلف أهل الكلام والبدع على خيار هذه الأمة بحجة أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم، وغيرها من اللوازم الفاسدة.
وكل من هذه اللوازم في غاية الفساد والبطلان فالملزوم مثلها وفيها يلي نصوص بعض الأئمة لبيان فساد القول بالتفويض ونسبته إلى السلف:
1- قال شيخ الإسلام: "ولا يجوز أن يكون الخالفون أعلم من السالفين - كما يقول بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله، ورسوله، والمؤمنين به حقيقة المعرفة: من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم...
فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم - على طريقة السلف- إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن؛ إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن؛ والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين...، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.
وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين.
فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان لابد للنصوص من معنى - بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى - وهي التي يسمونها طريقة السلف - أو بين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف - وهي التي يسمونها طريقة الخلف.
فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات، وهي شبهات. والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.
فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين - كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين، واستبلادهم، واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي.
وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله.
ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة.
كيف يكون هؤلاء المتأخرون - لاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ من معرفة الله حجابهم".
ثم ذلك أمثلةً لحيرتهم وشكوكهم واضطرابهم وندامتهم على لسانهم ثم قال:
"كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفصولون المسبوقون الحيارى المتهوكون - أعلم بالله وأسمائه وصفاته؟؟.
وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى.
الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا.
الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم.
وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيى من يطلب المقابلة.
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة - لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته - من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟؟.
أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند، واليونان وورثة المجوس، والمشركين، وضلال اليهود، والنصارى، والصابئين وأشكالهم وأشباههم - أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟؟!!" (1) .
2- وقال شيخ الإسلام أيضاً: "فإن معرفة مراد الرسول، ومراد الصحابة هو أصل العلم، وينبوع الهدى.
وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف، ويحكيه لايكون له خبرة بشيء من هذا الباب.
كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفا، وأحاديثها أنه لا يفهم أحد معانيها، لا الرسول، ولا غيره...؛
فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآناً لا يفهم معناه. بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها. وأن جبريل كذلك، وأن الصحابة والتابعين كذلك، وهذا ضلال عظيم، وهو أحد أنواع الضلال، ظن أهل التخييل، وظن أهل التحريف، والتبديل، وظن أهل التجهيل" (2) .
3- وقال: أما المنحرفون عن طريقهم - (أي السلف) - فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل".
ثم فصل القول في الرد على أهل التخييل والتأويل ثم قال:
"وأما الصنف الثالث - وهم أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف، يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك، كذلك قولهم من أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله. مع أن الرسول تكلم بها ابتداء، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه" (3) .
4- وقال أيضاً: "والمقصود هنا التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعنى القرآن الذي نزل إليه، ولا جبريل - جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى، ولا بياناً للناس ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول، وأمته في باب معرفة الله عز وجل لا علوماً عقلية ولا سمعية، وهم شاركوا الملاحدة في هذه من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف، والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة (4) .
5- وقال الإمام ابن القيم:
"والصنف الثالث: أصحاب التجهيل: الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا ندري ما أراد الله ورسوله، منها، ولكن نقرؤها ألفاظاً لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهي عندنا بمنزلة كهيعص [مريم:1] و حم عسق [الشورى: 1-2].
وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات..
وبنوا هذا المذهب على أصلين:
أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه.
والثاني: أن للمتشابه تأويلاً لا يعلمه إلا الله.
فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، والتابعين لهم بإحسان...؛
ولازم قولهم أن الرسول كان يتكلم بذلك، ولا يعلم معناه.
ثم تناقضوا أقبح التناقض فقالوا: تجرى على ظواهرها، وتأويلها مما يخالف الظواهر باطل، ومع ذلك فلها تأويل لا يعلمها إلا الله...؛
وهؤلاء غلطوا في المتشابه، وفي جعل هذه النصوص من المتشابه، وفي كون المتشابه لا يعلم معناه إلا الله.
فأخطأوا في المقدمات الثلاث، واضطرهم إلى هذا التخلص من تأويلات المبطلين، وتحريفات المعطلين، وسدوا على نفوسهم الباب، وقالوا: لا نرضى بالخطأ، ولا وصول لنا إلى الصواب.
فهؤلاء تركوا التدبر المأمور به والتذكر، والعقل لمعاني النصوص الذي هو أساس الإيمان، وعمود اليقين.
وأعرضوا عنه بقلوبهم، وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك، وظنوا أنها أنزلت للتلاوة، والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها، والتفكر فيها (5) .
6- وللإمام ابن القيم كلام مهم آخر غالبه سبق في كلام شيخ الإسلام (6) .
7- وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي (792)هـ:
"فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاماً لا يعلم معناه، جميع الأمة، ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لاحظ لهم في معرفة معناه سوى قولهم: مَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:7] وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك" (7) .
8- وقال الحافظ ابن حجر عن بعض أهل العلم:
(قول من قال: "طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم" ليس بمستقيم، لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات.
فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقاً بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمنعه القطع بصحة تأويله) (8) .
9- وقال ابن عربي المعروف عند أهل الخرافة بالشيخ الأكبر، وخاتم الأولياء (638هـ) وهو في الحقيقة "الشيخ الأكفر" والكذوب قد يصدق:
"وقسم آخر: قال: نؤمن بهذا اللفظ كما جاء من غير أن نعقل له معنى حتى نكون في هذا الإيمان به في حكم من لم يسمع، ونبقى على ما أعطانا دليل العقل من إحالة مفهوم هذا الظاهر من هذا القول.
فهذا القسم متحكم أيضاً بحسن عبارة، وأنه رد على الله بحسن عبارة، فإنهم جعلوا نفوسهم في حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب.
وقسم آخر: قالوا: نؤمن بهذا اللفظ على حد علم الله فيه، وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء قد قالوا: إن الله خاطبنا عبثاً، لأنه خاطبنا بما لا نفهم، والله يقول: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4].
وقد جاء بهذا، فقد أبان كما قال الله، لكن أبى هؤلاء أن يكون ذلك بياناً" (9) .
10- قلت: نقله الشعراني، وأقره (10) وهو خرافي فلا يصدق.
وفي كلام هذين الرجلين عبرة للمتكلمة المتصوفة.
11- وصرح العلامة المقبلي أن السلف لم يكونوا مفوضة، والتفويض جهل بالمعنى. وهو أخو التأويل فالمفوض متأول لا مسلِّم (11) .
12-13- وقال العلامة المحمود الألوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) وابنه السيد نعمان الألوسي (1317هـ):
"قيل: إن السلف بعد نفي ما يتوهم من التشبيه يقولون: لا ندري ما معنى ذلك؟ والله أعلم بمراده.
واعترض بأن الآيات والأخبار المشتملة على ذلك كثيرة جداً ويبعد غاية البعد أن يخاطب الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم العباد فيما يرجع إلى الاعتقاد بما لا يدرى معناه..." (12) .
الحاصل: أن القول بالتفويض المطلق - أي تفويض المعنى، والكيف جميعاً - قول في غاية الفساد والبطلان، وموقف بالغ الضلال والبهتان لاستلزامه ما يلي:
1- الجهل بالله تعالى وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا.
2-3 الجهل بمذهب السلف، والتقول الفاحش عليهم.
4- تجهيل السلف من الصحابة والتابعين، بل تجهيل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
5- استبلاد السلف وأنهم كانوا يقرؤون نصوص الصفات بدون فهم معناها.
6- تفضيل الخلف الحيارى المتهوكين على السلف الذين هم أعلم الناس بصفات ربهم بعد الأنبياء عليهم السلام.
7-8- أن القرآن لم يكن هدى وشفاء وبياناً، وأن الله خاطب الناس بكلام لا يفهمون معناه، إلا غير ذلك من اللوازم الفاسدة.
الوجه الثاني:
أن القرآن لا يمكن أن يوصف بكونه هدى وشفاء ونوراً إلا إذا كان مفهوم المراد ويكون في غاية من الوضوح والبيان.
ولذلك وصف الله تعالى كتابه بأنه مبين.
ووصفه بأنه بيان، وأنه تبينا، ووصف آياته بأنها بينات، ووصفها بأنها مبينات، ووصف كتابه بأنه على لسان عربي مبين.
وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4].
وقال: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44]
وأمر عباده بالتدبر في القرآن وآياته.
فكيف يعقل بعد هذا أن آيات الصفات مع تلك الكثرة الكاثرة والأهمية لا يعلم المراد منها، ولا يعرف معانيها، وأن السلف كانوا يتلونها بدون معرفة المراد؟.
الحاصل: أن الذي يدعي التفويض في المعنى، ويتقوله على السلف - فهو في الحقيقة مع جهله وتجهيله للسلف لم يجعل القرآن بياناً ،، ولا هدى وفرقانا ،،
كما صرح به شيخ الإسلام،، وأشار إليه ابن القيم الإمام،،

الوجه الثالث:
أن نقول: مما لا ريب فيه أن السلف تعرضوا لتفسير نصوص الصفات فتفسيرهم لها فرع معرفتهم لمعانيها، لأن تفسير الشيء فرع العلم به فإذا لا يعرف الإنسان شيئاً ما كيف يفسره؟! لأن الحكم على الشيء فرع لتصوره.
فتفسير السلف لنصوص الصفات يبطل التفويض كما يبطل تقوله عليهم وأنهم براء من هذا التفويض الباطل المنقول.
والذي لم يتعرضوا لتفسيره هو كيفية الصفات، أما معانيها فقد فسروها ووضحوا المراد منها، وفيما يلي بعض نصوص السلف:
1- هذا مجاهد - وهو إمام التفسير بعد الصحابة - قال: في تفسير "استوى": (على العرش) (13) .
2- وهذا أبو العالية. قال: في تفسير اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة:29] (ارتفع) (14) .
3- وهكذا فسر الربيع بن أنس قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة:29] (15) .
4- وقال أبو عبيدة معمر بن المثني (210هـ) في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [يونس:3]: ظهر على العرش وعلا عليه" (16) .
5- والإمام البخاري استدل بقول مجاهد، وأبي العالية في تفسير لفظ "استوى" على أن المراد: علا وارتفع (17) .
6- وبهذا فسره ابن قتيبة أديب أهل السنة (276هـ) (18) .
7- وقال ابن جرير إمام مفسري أهل السنة: "وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: "ثم استوى إلى السماء فسواهن" علا عليهن وارتفع.." (19) .
8- ومشى على هذا حافظ المغرب ابن عبدالبر (463هـ) (20) .
9- وقال البغوي (516هـ) "قال ابن عباس، وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء.." (21) .
10- قال شيخ الإسلام:
"ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال: هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآنِ آياتٍ لا يعلم معناها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك من بعض الناس، وهذا لا ريب فيه" (22) .
11- وقال: "وأيضاً فالسلف من الصحابة والتابعين، وسائر الأمة قد تكلموا في جميع النصوص - آيات الصفات، وغيرها- وفسروها بما يوافق دلالتها ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرةً توافق القرآن والحديث، وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم، مثل عبدالله ابن مسعود - الذي كان يقول: "لو أَعْلَمُ أَعْلَمَ بكتاب الله مني تبلغه آباط الإبل أتيته" - وعبدالله بن عباس- الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن-.
كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين إثباتاً للصفات، ورواية لها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا.
وما في التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين...؛
ولو كان معنى هذه الآيات منفياً، ومسكوتاً عنه لم يكن ربانيو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاماً فيه،
ثم إن الصحابة نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة.
ولم يذكر أحد منهم أنه امتنع من تفسير آية.
قال أبو عبدالرحمن السلمي: "حدثنا الذين كانوا يقرؤننا - عثمان ابن عفان، وعبدالله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل".
وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئاً من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيف".
ثم ذكر مقالة الإمامين ربيعة ومالك، المعروف وشرحها شرحاً وافياً ثم قال:
"ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعضهم: "ارتفع على العرش: علا على العرش"، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في "صحيحه" في آخر كتاب الرد على الجهمية" (23) .
12-14 وقال العلامة محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) وابنه نعمان الآلوسي (1317هـ): وحفيده شكري:
"... وأيضاً قد ورد في الأخبار ما يدل على فهم المخاطب المنى...، ... وقد صح عن بعض السلف أنهم فسروا ففي صحيح البخاري: قال مجاهد: "استوى على العرش" "علا على العرش"، وقال أبو العالية: "استوى على العرش" "ارتفع" (24) .
قلت: الحاصل: أن السلف كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى والمراد من نصوصها، ولذلك فسروها كتفسيرهم لبقية النصوص غير أنهم كانوا يفوضون علم كيفيتها إلى الله تعالى.
وهذا دليل قاطع على إبطال التفويض المتقول على السلف، وأنهم لم يكونوا مفوضة، بل كانوا مثبتين للصفات بلا تكييف ولا تمثيل ومنزهين لله تعالى عن كل عيب ونقص بلا تحريف ولا تعطيل. ويزيده إيضاحاً وتحقيقاً ما في الوجه الآتي.

الوجه الرابع:
أن السلف كانوا يميزون بين صفة وصفة وكانوا يصرحون بأن هذه الصفة غير تلك الصفة، وليست عينها، ولا يجوزون تفسير أحداها، بالأخرى.
فلو كانوا لا يعرفون معانيها كيف يميزون بين صفة وأخرى؟؟
فهذا من الحجج الدامغة على أنهم كانوا على حظ عظيمٍ وافر من العلم بها مع تفويضهم علم كيفيتها إلى الله تعالى.
وأذكر لذلك مثالين على لسان الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لتكون فيهما عبرة للحنفية الماتريدية الذين ادعوا التفويض ونسبوه إلى السلف.
الأول: ما قاله الإمام أبو حنيفة: "... ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف.." (25) .
الثاني: ما قال: "وغضبه، ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه، ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه" (26) .
قلت: هذان مثلان واضحان ونصان صريحان في عدم جواز تفسير صفة بأخرى، وأن ذلك مذهب المعتزلة، وليس من مذهب أهل السنة في شيء وأنه يجب وصف الله بما وصف به نفسه بلا كيف، وكما أن معنى "القدرة" معروف كذلك معنى "اليد" معروف وهكذا معنى "الغضب" ومعنى "الرضا" معروفان وهما من صفات الله بلا كيف. وهو قول أهل السنة، فبطل التفويض المفتعل المتقول على السلف.
قال شيخ الإسلام: "والله سبحانه وتعالى أخبرنا: أنه عليم قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.
فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم، والقدرة، وبين الرحمة، والسمع، والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله مع تنوع معانيها.
فهي متفقة متواطئة من حيث الذات متباينة من جهة الصفات".
ثم أورد أمثلة متعددة لإيضاح هذا المطلب، كأسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وأسماء القرآن والسيف،، وحقق أن هذه الأسماء مع تعددها تدل على ذات واحدة من اختلاف معانيها (27) .
وقال: "... فإنا نفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:75] معنى ونفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:65] معنى ليس هو الأول، ونفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:47] معنى، وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم هذا" (28) .

الوجه الخامس:
أنه من الواقع المحسوس أن الناس إذا سمعوا كلاماً ولا يفهمون معناه، يبادرون إلى السؤال عن معناه ومراد المتكلم ليفهموا معناه ويعرفوا المراد منه، والنفوس تحرص على هذا والقلوب تتطلع إلى المعرفة والإطلاع إلى العلوم، ولاسيما إذا كان الكلام بين الأستاذ وتلامذته، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة رضي الله عنهم أحرص الناس على حصول الخير والإطلاع على العلوم النافعة التي تتصل بصميم دينهم.
وباب الأسماء الحسنى والصفات العلا من أعظم المعارف الإسلامية وكان الصحابة أحرص الناس على الاستفادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسألونه في أمور جليلها ودقيقها - وكانا خير تلامذة وأصحاب لخير معلم ومرشد - إذا أشكل عليهم شيء في أمر الدين أو صعب عليهم فهم نص من نصوص الوحي.
ومع ذلك لم يثبت عنهم أنهم شكُّوا في صفات الله تعالى أو سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لفهم معناها.
بل كانوا يتلقون كتاب الله تعالى وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيهما نصوص الصفات مع تلك الكثرة الكاثرة.
فهل يَتَصوَّرُ من له أدنى مسكةٍ من عقلٍ صحيحٍ أنهم يتلونها ويرددونها بدون فهم معانيها ومعرفة المراد منها - طيلة حياتهم - ولم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟.
فهذا من البراهين الواضحة على أنهم لم يكونوا مفوضة بالمعنى الذي يعنيه الماتريدية، ولم يكونوا جاهلين بالله وبصفاته تعالى إلى الحد الذي زعمه أهل الكلام عليهم وقولهم التفويض الذي هم منه براء.
بل نقول جزماً لا يحتمل النقيض: أنهم لو لم يفهموا معانيها لبادروا إلى السؤال عنها، ولسابقوا إلى الإطلاع على المراد منها.
نعم قد ورد أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤية الله تعالى، فعن أبي هريرة: ((أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة...)) الحديث.
وعن أبي سعيد الخدري مثله.
فمثل هذين الحديثين يدلنا دلالة قاطعة على أنهم كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى، ويفهمون المراد من نصوصها، وإلا لبادروا إلى السؤال عنها ليعرفوا المراد كما فعلوا في مسألة الرؤية.
الحاصل: أن سؤال الصحابة وعدم سؤالهم في باب الصفات كلاهما دليل قاطع على أنهم كانوا يعرفون معانيها ويفهمون المراد منها.
وهكذا نرى الصحابة اختلفوا في باب الأحكام ولم يختلفوا قطعاً في باب الصفات قط.
ويزيد هذا المطلب إيضاحاً كلام الإمام المقريزي حيث يقول:
"اعلم أن الله تعالى لما بعث العرب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى الناس جميعاً وصف لهم ربهم سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه الكريم في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه صلى الله عليه وسلم الروح الأمين وبما أوحى إليه ربه تعالى.
فلم يسأله صلى الله عليه وسلم أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك كما كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر ونهي، وكما سألوه صلى الله عليه وسلم، عن أحوال القيامة والجنة والنار إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في أحكام الحلال والحرام وفي الترغيب والترهيب وأحوال القيامة.
والملاحم والفتن ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها.
ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات نعم ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً وهكذا أثبتوا رضي الله عنهم ما أطلقه الله سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين فأثبتوا رضي الله عنهم بلا تشبيه ونزهوا من غير تعطيل ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت.
ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم سوى كتاب الله ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة فمضى عصر الصحابة رضي الله عنهم على هذا..." (29) .
قلت: للإمام ابن القيم أيضاً كلام قيم في هذا الصدد فراجعه (30) .
ولنعلم ما قيل:
وهذا الحق بس به خفاء فدعنى من بُنّيَّاتِ الطريق

قلت: هذه حقيقة واقعة اعترف بها تقي الدين على بن عبدالكافي السبكي (756هـ) حيث قال:
"... وقد فهمها الصحابة، ولذلك لم يسألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها كانت معقولة عنهم بوضع اللسان، وقرائن الأحوال، وسياق الكلام، وسبب النزول.
ومضت الأعصار الثلاثة التي هي خيار القرون على ذلك.
حتى حدثت البدع والأهواء..." (31) .
قلت: السبكي من أئمة الكوثري في المباحث الكلامية وعداء شيخ الإسلام وابن القيم ولذلك نرى الكوثري يبجله غاية التبجيل (32) .
وقد سكت الكوثري على قوله هذا، فيكون حجة عليه في باب التفويض.
وهذا الذي ذكرنا من عدم سؤال الصحابة وعدم استشكالهم في باب الصفات. من ناحية؛
ومن ناحية أخرى.
أن الكفار بأصنافهم كانوا ألد أعداء الإسلام، وكانوا يترصدون الفرصة - بين حين وآخر - للطعن في القرآن والإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
وقد عارضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من المواطن طعناً في القرآن والإسلام (33) .
فلو كانت نصوص الصفات لا تعلم معانيها، ولا يعرف المراد منها، ولا كانوا يعرفوها، لبادروا إلى الطعن في القرآن، ولكان ذلك فرصة سعيدة لأعداء الإسلام، كما سيأتي في الوجه السابع.

الوجه السادس:
أن دعوى التفويض المطلق وتقوله على السلف الصالح دعوى باطلة يكذبها واقع نصوص السلف.
فإن نصوص السلف قد تواترت في إثبات الصفات بلا تكييف ولا تمثيل مع تنزيه الله تعالى بلا تحريف ولا تعطيل؛ وكلامهم في ذلك إما نص وإما ظاهر، وهذه كتب أئمة السنة تفوح بأقوال السلف وحصر أقوالهم خارج عن نطاق طاقة البشر.
ولكن أكتفي بأمثلة عديدة من أقوالهم تبين أن مذهبهم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، وأنهم كانوا يعرفون معاني الصفات ويفهمون المراد من نصوصها وتفويضهم في الكيف أما نسبة التفويض المطلق إليهم - فافتراء قيبح،، وبهت صريح،، وكذب شنيع،، وتقول فظيع،، عليهم:
1- قال الإمام ربيعة بن أبي عبدالرحمن المعروف بربيعة الرأي (136هـ) شيخ الإمام مالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول..".
2- ومثله كلام الإمام مالكٍ رحمهما الله تعالى.
وقال مالك (179هـ) أيضاً: "الله في السماء وعلمه في كل مكان...".
قلت: هذه المقالة الرَّبَعية والمالكية - التي سارت مسيرة الأمثال، وسارت بها الركبان - هي منهج كل مسلم سني سلفي، وهي تمثل مذهب السلف قديماً وحديثاً، وبهذا المهيع المستقيم السوي الوسط نجاة من ديجور التعطيل وفجور التمثيل.
وهي رد صريح على مزاعم أهل الجهل والتجهيل والتفويض، والتأويل؛ فإنهما قد صرحا بأن الاستواء معلوم، وإنما المجهول هو كيفيته.
3- قال شيخ الإسلام: "... وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئاً من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيف.
كقول مالك... "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"... وكذلك ربيعة قبله.
وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس أحد من أهل السنة ينكره، وقد بين: أن الاستواء معلوم، كما أن سائر ما أخبر به معلوم، ولكن الكيفية لا تعلم، ولا يجوز السؤال عنها، لا يقال: كيف استوى...؛
فإن قيل: معنى قوله: "الاستواء معلوم" أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم...؛
قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية.
وأيضاً فلم يقل ذكر الاستواء في القرآن، ولا إخبار الله بالاستواء،
وإنما قال: "الاستواء معلوم فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، ولم يخبر عن الجملة.
وأيضاً فإنه قال: "والكيف مجهول" ولو أراد ذلك يقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء.
وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه.
لو قال في قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]: كيف يسمع، وكيف يرى؟.
لقلنا: السمع، والرؤيا معلوم، والكيف مجهول.
ولو قال: كيف كلم موسى تكليماً؟ لقلنا: التكليم معلوم، والكيف غير معلوم" (34) .
قلت: هذا الذي حققه شيخ الإسلام في تفسير المقالة الرَّبَعِيَّة والمالكية حقيقة واقعة، وقد اعترف بها أبو بكر بن العربي (543هـ) فقال:
4- "ومذهب مالك رحمه الله: أن كل حديث منها معلوم المعنى، ولذلك قال للذي سأله: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة..." (35) .
وابن العربي هذا من أئمة الكوثري في المباحث الكلامية ولذا - يثني عليه ثناء عاطراً (36) فكلامه حجة عليه خاصة وعلى الماتريدية عامة.
والعجب من العلامة ملا علي القاري حيث حمل كلام الإمام مالك هذا على التفويض المطلق الباطل فقال: مذهب السلف عدم التأويل، وتفويض الأمر إلى الله وعلمه في المراد به، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول، واختاره إمامنا الأعظم (37) .
مع أن كلام الإمام مالك صريح في كون المعنى معلوماً، وإنما المجهول هو الكيف فهو يفوض في الكيف دون المعنى فبطل زعم الماتريدية.
5- وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: "من قال: لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض - فقد كفر، قال الله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].
فإن قال: أقول بهذه الآية ولكن لا أدرى أين العرش؟ في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً.
ونذكره من أعلى لا من أسفل، لأن الأسفل ليس من الربوبية والألوهية في شيء..." (38) .
ثم ذكر حديث الجارية مستدلاً به على علو الله تعالى.
قلت: أي عقل يحمل هذا النص الواضح على التفويض المفتعل الباطل مع أن الإمام أبا حنيفة يكفر من قال: لا أعرف الله هل في السماء أم في الأرض؟
بل يكفر من قال: لا أدري أين العرش مع اعتقاده أن الله على العرش.
ثم ذكر الإمام أبو حنيفة ثلاثة دلائل على إثبات علو الله تعالى:
الأول: الدليل الفطري:
وهو أن الله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل فالقلوب مفطورة بالتضرع إليه تعالى وأنه فوق العالم، وترفع الأيدي إليه على أنه فوق عباده.
والثاني: الدليل العقلي:
وهو أن الأسفل ليس وصف الربوبية والألوهية فمقتضى كونه تعالى رباً وإلهاً أنه فوق خلقه أجمعين.
والثالث: الدليل النقلي:
وهو قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وحديث الجارية، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أين الله)) وجواب الجارية: ((في السماء)) (39) .
ومع ذلك كله نرى الماتريدية ينسبون التفويض المفتعل المتقول الباطل إلى الإمام أبي حنيفة رحمة الله تعالى (40) .
مع أنه من أهل الإثبات، وكلامه صريح في هذا غاية الصراحة وحمله على التفويض المطلق الباطل تحريف محض.
نعم أبو حنيفة الإمام كبقية أئمة الإسلام يفوض في الكيف (41) .
فاكتفاء الإمام بالتفويض في الكيف دليل قاطع على أنه لم يفوض في المعنى وهذا برهان قاطع على أن الماتريدية لم يعرفوا مذهب إمامهم؛ وثبت أن مذهبه إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، وتفويض الكيف.
6- كلام الإمام عبدالله بن المبارك (181 هـ) الذي عده الحنفية ومنهم الكوثري في زمرة كبار أئمة الحنفية (42) فرية بلا مرية.
قال علي بن الحسن بن شقيق (215هـ).
"سألت عبدالله بن المبارك: كيف ينبغي أن نعرف ربنا عز وجل؟
قال: "على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ها هنا في الأرض".
قلت: ليتدبر كل عاقل طالب الحق رباني القلب في نص هذا الإمام العظيم، هل هو يثبت علو الله على عرشه، وفوقيته على خلقه؟.
أم يفوض في معنى العلو وكيفيته؟
بلى احتج هذا الإمام العظيم بعلو الله تعالى على عرشه على معرفته تعالى فهل يكون هذا من المفوضة؟ فاعتبروا يا أولى الأبصار.
7- وقال الإمام عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (157 هـ) وهو يحكي إجماع السلف على إثبات فوقية الله تعالى على خلقه وعلوه على عرشه - خاصة وجميع الصفات عامة-:
"كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة بما من صفاته جل وعلا".
الحاصل: أن نصوص أئمة السنة دالة - إما نصاً وإما ظاهراً - على أنهم كانوا يعرفون معاني الصفات ويفهمون المراد من نصوصها غير أنهم كانوا يفوضون في الكيف فقط دون المعنى؛
فنسبة التفويض المطلق الباطل إليهم تقول قبيح وكذب صريح، وبهت شنيع، وافتراء فظيع وضلال وإضلال.
وفي ذلك عبرة للماتريدية ،، ولاسيما الفنجفيرية ،،
الذين ينسبون التفويض إلى السلف كذباً وزوراً (43) .

الوجه السابع:
أنه من المعلوم علماً اضطرارياً أن المشركين واليهود والنصارى وغيرهم من الكفرة كانوا ألد أعداء الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم وعامة المسلمين.
وكانوا يترصدون الفرص للقدح في الإسلام بكل وسيلة ممكنة لهم.
ومن المعلوم بلا ارتياب أنهم لم يقدحوا في نصوص الصفات، ولا قالوا: إن هذا الرجل - رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأتباعه - الصحابة رضي الله عنهم - يتكلمون بكلام لا يفهم معناه.
فلو كانت نصوص الصفات لا يعلم المراد منها، وأن الصفات لا تُعرف معانيها، وأن الصحابة لا يعرفون لك - لبادر هؤلاء الكفار إلى الطعن في الإسلام وسارعوا إلى القدح في القرآن والمسلمين من هذا الباب فدل ذلك دلالة قاطعة على أن هؤلاء الكفار لم يكونوا مفوضين على الإطلاق فضلاً عن المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن المعلوم أيضاً أن المسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقدون الكفار وآلهتهم بأنها لا تتصف بصفات الألوهية الكمالية، من السمع والبصر، والقدرة، والعلم، والكلام، ونحوها، والتكليم، بل هي متصفة بصفات النقص فلا تستحق الألوهية بخلاف رب العالمين إله الحق سبحانه وتعالى فإنه متصف بصفات الكمال فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ولم يكن المشركون يعارضون المسلمين في هذا قط؛ كما عارضوهم في مسائل أخرى (44) :
فلم ينفوا عن الله تعالى صفاته الكمالية، وكانوا معترفين بذلك، اللهم إلا من عاند منهم وأكره نفسه على مخالفة الفطرة وما هو مركوز في القلوب.
فهذا يدل دلالة قاطعة على أنهم لم يكونوا مفوضةً، فضلاً عن أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم مفوضةً جاهلين بالله وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا.
ولهذا قال الله تعالى: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:60]
قال شيخ الإسلام: "وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص في الكتب الإلهية، أكثر وأعظم من نصوص المعاد.
ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول صلى الله عليه وسلم، وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم يكن العرب تنكر.
فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد.
فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وأن ما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟" (45) .
وقال الإمام السهيلي (581هـ): "فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة لا يفهم معناه.
قلنا: ليس الأمر كذلك بل كان معناها مفهوماً عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم.
ولذلك لم يستفت واحد من المؤمنين عن معناها، ولا خاف على نفسه وتوهم التشبيه، ولا احتاج إلى شرح وتنبيه؛
وكذلك الكفار لو كانت عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض، واحتجوا بها على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولقالوا له: زعمت: أن الله ليس كمثله شيء، ثم تخبر أن له يداً كأيدينا وعيناً كأعيننا.
ولم ينقل ذلك عن مؤمن، ولا كافر علم أن الأمر كان فيها عندهم جلياً لا خفياً.." (46) .
ولشيخ الإسلام كلام مهم في هذا الصدد أيضاً فراجعه (47) .
تنبيه: لقد جمع العلامة عبدالسلام أحد كبراء الفنجفيرية عدة نصوص لبيان مذهب السلف؛
فاختلط عليه الحابل بالنابل، وخلط علماً صالحاً وآخر سيئاً؛ عيسى الله أن يتوب علينا وعليه؛
حيث ذكر عن السيوطي: أن مذهب السلف تفويض معناها المراد إلى الله مع تنزيهه عن حقيقتها (48) .
قلت: كلامه متناقض لأنه ذكر نصوصاً قبله وبعده تناقضه؛ وباطل أيضاً بهذه الوجوه السابقة واللاحقة.
وهذا برهان إنَّيٌّ على أنه لم يعرف التوحيد ومذهب السلف ،، فلذا وقع في طامات الماتريدية الخلف ،،
وهذا الجهل المطبق برهان لِمِّىٌّ على وقوعه في التفويض الواضح ،، والتناقص الفاضح ،،

الوجه الثامن:
أن التفويض المطلق المفتعل المصنوع على السلف أخو التأويل الذي يتضمن تعطيل الصفات وتحريف نصوصها كما سيأتي تحقيقه.
فكذلك التفويض يتضمن التعطيل غير أن التأويل يتضمن التحريف أيضاً.
فالتفويض والتأويل مشتركان في تضمنهما للتعطيل، لأن المفوض لا يثبت لله الصفات بل ينفيها؛
لأنه يقول: ظاهر نصوص الصفات غير مراد فهو ينفي العلو، والاستواء والنزول واليدين، والغضب والرضا ونحوها من صفات الله؛
ويقول: إن النصوص لا تدل على هذه، وهي غير مرادة منها، وأن المراد غير معلوم فقد وقع المفوض في التعطيل من هذه الجهة من حيث لا يشعر كما وقع في الجهل بصفات الله وتجهيل السلف.
قال العلامة المقبلي: "المذهب الثالث: من يقول ليس المراد هو ظاهر العبارة بحسب ما يفهم من اللغة لكنا جهلنا المعنى المراد، فنمسك عن الفحص عنه كما أمسك السلف.
وهذا المذهب في الحقيقة هو الأول - (أي التأويل) - وإن كان أسلم من الذي قبله باعتبار أنه سهل، فهو ليس بمذهب ثالث، لأن صاحبه إنما سكت عن التعيين، وقد حكم بالتأويل في الجملة فهو متأول لا مسلم" (49) يعني أن المفوض نافٍ للصفات.
وقال الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله: "فالفرق بين التحريف والتعطيل: أن التعطيل نفي المعنى الحق الذي دل عليه الكتاب السنة،
وأما التحريف: فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها.
والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق.
فإن التعطيل أعم مطلقاً من التحريف، بمعنى أنه كلما وجد التحريف وجد التعطيل دون العكس.
وبذلك يوجدان معاً فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق.
ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة، وزعم أن ظاهرها غير مراد، ولكنه لم يعين لها معنى آخر، وهو ما يسمونه بالتفويض..." (50) .
الحاصل: أن التفويض المطلق الباطل يتضمن التعطيل فهو أخو التأويل.
فثبت أن السلف لم يكونوا مفوضة كما لم يكونوا مؤولة معطلة..
بل كانوا مثبتين للصفات بلا تمثيل ومنزهين لله تعالى بلا تعطيل.
وبهذا تبين بطلان القول بالتفويض، ونسبته إلى السلف، وبالله التوفيق.
تنبيه: لقد تبين بهذا التحقيق الفرق بين التفويضين اللغوي، والكلامي، فالتفويض اللغوي عدم الحكم على الشيء لا نفيا ولا إثباتاً وهو التفويض السلفي بعينه، أما التفويض الكلامي فهو نفي الصفات ثم رد معانيها وكيفيتها إلى الله.

الوجه التاسع:
أن القول بالتفويض، ونسبته إلى السلف -
قول متناقض مضطرب تناقضاً واضحاً، واضطراباً فاضحاً.
فإن من أثبت شيئاً من الصفات، وادعى في بقيتها إما التفويض، وإما التأويل -
لزمه التفويض أو التأويل فيما أثبته؛
لأنه لو طولب بالفرق بين ما أثبته وبين ما فوض فيه أو أول لم يجد جواباً صحيحاً وفرقاً.
فالماتريدية قد أثبتوا لله حياة، وعلماً، وإرادة وسمعاً، وبصراً، فلم يجعلوها متشابهاتٍ، ولم يفوضوا فيها ولم يؤولوها.
فهلا جعلوها متشابهاتٍ لا يعلم معناها إلا الله كما جعلوا غيرها متشابهات؟
وهلا فوضوا فيها كما فوضوا في غيرها؟ أو لم لا يؤولونها كما أولوا غيرها؟
وهلا نسبوا التفويض فيها إلى السلف كما نسبوا في غيرها إليهم؟.
ولهذا لا يوجد لهؤلاء ولأمثالهم قانونٌ مستقيمٌ.
الحاصل: أنه تبين للقراء الكرام بهذه الوجوه التسعة إبطال القول بالتفويض المطلق المختلق ونسبته إلى سلف هذه الأمة بحمد الله تعالى.
الجواب عن شبهاتهم التي تعلقوا بها:
للماتريدية شبهات في إثبات بدعة التفويض ونسبته إلى السلف أقواها شبهتان:
أ- أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.
واستدلوا بقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7] على قراءة الوقف على لفظ الجلالة (51) .
ب- أن كثيراً من السلف قد صرحوا بأن هذه النصوص لا تفسر، بل تفسيرها تلاوتها، وقالوا: نمرها كما جاءت.
وهذا صريح في أنهم كانوا يفوضون في المعنى والكيف جميعاً (52) .
أما الشبهة الأولى:
فعنها عدة أجوبة نذكر منها ما يلي:
الجواب الأول:
أن قياس نصوص الصفات على الحروف المقطعة في أوائل السور باطل، لأن نصوص الصفات من الكلام العربي المبين أسلوباً وتركيباً، ومركبة من جمل تنحل إلى المفردات العربية المعروفة في لغة العرب الواضحة معانيها لكل عربي مدني وقروي وحضري كوضوح ألفاظها، بخلاف تلك الحروف المقطعة في أوائل السور فإنها رموز، حتى صرح الإمام ابن أبي العز بأنها ليست آيات عند جمهور العادّين (53) .
ولأن المتشابه نوعان:
1- متشابه في نفسه وأصله الذي استأثر الله بعلم تأويلها كالحروف المقطعة في أوائل السور.
2- ومتشابه في وصفه وهو متشابه إضافي الذي يعرفه الراسخون (54) .
فقياس الثاني على الأول قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق باطل (55) .

الجواب الثاني:
أننا لا نسلم أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا تُعْلَمُ معانيها، بل هي آيات محكمات واضحات، والقول بأنها متشابهات لا تعلم معانيها - قول مبتدع لا سلف لقائله.
وليست مما يندرج تحت قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7]، لأنه لم يقل أحد من السلف أن معاني نصوص الصفات لا يعلمها أحد إلا الله، لا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته رضي الله عنهم.
فلا يصح استدلالهم بهذه الآية قطعاً، وفيما يلي بعض أقوال الأئمة:
1- قال الإمام ابن قتيبة (276هـ) أديب أهل السنة:
"ولسنا ممن يزعم: أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم وهذا غلط من متأوليه على اللغة، والمعنى.
ولم ينزل الله شيئاً من القرآن إلا ينفع به عباده، ويدل على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره لزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة.
وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه؟!".
ثم ذكر نصوصاً دالة على أن الصحابة رضي الله عنهم أيضاً يعلمون معاني المتشابهات، ثم قال:
"ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:7] - لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين لأنهم جميعاً يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا .
وبعدُ: فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن، فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمروه كله على التفسير حتى فسروا "الحروف المقطعة في أوائل السور..." (56) .
2- ومثله كلام للإمام القرطبي (671هـ) (57) .
3- ومثله كلام الإمام ابن أبي العز الحنفي (792هـ) (58) .
4- والعلامة محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) (59) .
5- وقال شيخ الإسلام:
"من قال: إن هذا من المتشابه، وأنه لا يفهم معناه. فنقول له: أما الدليل على بطلان ذلك: فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل، ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه.
وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلاماً لا يفهم أحد معناه..
فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يُسكَتُ عن بيانهِ، وتفسيره، بل يُبَيَّنُ باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه، أو إلحاد في أسماء الله وآياته" (60) .

الجواب الثالث:
أن القول بأن نصوص الصفات متشابهات لا تُعلم معانيها - قولٌ يكذبه الواقع بل هي محكمات واضحات وليست متشابهات - نعلم ذلك بالاضطرار.
قال شيخ الإسلام:
"والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه أن نقول: لا ريب أن الله سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل الرحمن، والودود، والعزيز، والجبار، والعليم، والقدير، ونحو ذلك.
ووصف نفسه بصفات، مثل سورة الإخلاص، وآية الكرسي، وأول الحديد وآخر الحشر، وقوله: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:2].. فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55]، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ [محمد:28]، وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ [التوبة:46]، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة:64]، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:27]، أوَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] إلى أمثال ذلك...؛
ثم يقال لهذا المعاند: فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود وعلى الحق الموجود أم لا؟
فإن قال: لا - كان معطلاً محضاً، وما أعلم مسلماً يقول هذا.
وإن قال: نعم - قيل له: فهمت منها دلالتها على نفس الرب ولم تفهم دلالتها على ما فيها من المعاني من الرحمة، والعلم وكلاهما في الدلالة سواء... (61) "؟!

الجواب الرابع:
أن هؤلاء الماتريدية عاكسوا السلف في جعل نصوص الصفات الإلهية الكمالية - متشابهات.
وجعل المتشابهات - عند السلف - محكماتٍ (62) .
كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].
ونحوهما من المتشابهات - بمعنى أنها مجملات فيها نفي مجمل تشتبه على من لا يفهمها. (63)
فردوا بها نصوص العلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، وغيرها من نصوص الصفات التي هي في غاية الصراحة والبيان والإيضاح والإحكام والتفصيل كما سيأتي تفصيله.
فالماتريدية في هذه المعاكسة تبع للجهمية الأولى بشهادة إمام أهل السنة:
قال الإمام أحمد في الجهم وطريقته الباطلة:
"... ووجد ثلاث آيات من المتشابه:
قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3] و لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103].
فبنى كلامه - أي تعطيل الصفات، وتحريف نصوصها - على هذه الآيات وتأويل القرآن على غير تأويله؛ وكذب بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله - كان كافراً وكان من المشبهة.
فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة، ووضع دين الجهمية (64) .

الجواب الخامس:
أن عاجل نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه مضطربٌ في فعله هذا ومتناقض في قوله حيث لا يسعه أن يطرد قوله إلا أن يكون معطلاً غالياً.
فقد ذكر شيخ الإسلام عدة أمثلة من آيات الصفات التي سبق ذكرها في الجواب الثالث.
ثم قال: "فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه: أتقول هذا في جميع ما سمى الله ووصف به نفسه أم في البعض؟.
فإن قلت: هذا في الجميع -
كان هذا عناداً ظاهراً، وجحداً لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل كفر صريح...".
ثم ذكر شيخ الإسلام، أن هذا المدعي إن اعترف بأن بعضه متشابه دون البعض طولب بالفرق، ولا يستطيع إلى ذلك سبيلاً لا عقلاً ولا سمعاً، إلى آخر كلامه المتين الرصين (65) .
فلابد من وقوعه في التناقض الشنيع والاضطراب الفظيع إلا أن يرجع إلى المنهج السلفي ويقول: إن نصوص الصفات ليست من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ويستقر على إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
ولابن رشد الحفيد (595هـ) كلام في بيان تناقض من يدعي أن نصوص الصفات متشابهاتٌ فراجعه (66) .

الجواب السادس:
أنه لو سلم أن نصوص الصفات من المتشابهات فلا نسلم أن تأويلها غير معلوم.
لأن المراد من "التأويل" في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:7] الآية - بمعنى التفسير وبيان المعنى المفهوم من اللفظ العربي -، ويكون الوقف على قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ويكون قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ عطف على قوله: اللّهُ، ويكون قوله يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا في محل نصب حال من الراسخين فيكون التقدير: وما يعلم تفسيره ومعناه إلا الله والراسخون في العلم - قائلين: كل من عند ربنا (67) .
وذلك لأن التأويل يطلق في اصطلاح السلف ولغة القرآن على معنيين:
أحدهما: التفسير وبيان المعنى، فيكون التأويل، والتفسير وبيان معنى اللفظ واحداً وتكون هذه الكلمات من الألفاظ المترادفة.
ويكون هذا المعنى "للتأويل" هو المراد في هذه الآية على هذا التقدير، فيكون الراسخون في العلم يعلمون معاني تلك النصوص ويعرفون المراد منها، فبطل تشبث المدعين للتفويض بهذه الآية كما بطل زعمهم أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله.
لأن الآية الكريمة - على هذا التقدير - تدل على خلاف مطلوبهم.
قال شيخ الإسلام:
"قال مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات، أقف عند كل آية، وأسأله عنها".
فهذا ابن عباس - حبر الأمة - وهو أحد من كان يقول، "لا يعلم تأويله إلا الله - يجيب مجاهداً عن كل آية من القرآن.
وهذا هو الذي حمل مجاهداً، ومن وافقه كابن قتيبه على أن جعلوا الوقف عند قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران:7] .
فجعلوا الراسخين في العلم يعلمون التأويل.
لأن مجاهداً تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله، ومجاهد إمام التفسير، قال الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك..." (68) .
ثم ذكر شيخ الإسلام معاني التأويل فقال:
"وأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان:
أحدهما تفسير الكلام، وبيان معناه...، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربين أو مترادفين، وهذا - والله أعلم - هو الذي عناه مجاهد: أن العلماء يعلمون تأويله..." (69) .
وقال أيضاً في بيان كون "التأويل" بمعنى "التفسير":
"وهذا هو معنى التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم.
وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم.
وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[آل عمران:7]
كما نقل ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد ابن إسحاق، وابن قتيبة، وغيرهم..." (70) .
الحاصل: أنه لو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات وأنها تندرج تحت آية آل عمران.
فلا نسلم أن معناها غير معلوم لما مر في توجيه لهذه الآية، وفي كتب أئمة السنة والتفسير نصوص كثيرة عن الصحابة والتابعين على أن الراسخين كانوا يعلمون معاني تلك المتشابهات (71) .
وثانيهما: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.

الجواب السابع:
أن نقول: لو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات التي لا يَعلمُ تأويلها إلا الله، بناءً على أن يكون الوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّه.
كما هو قراءة الأكثرين، وأن الراسخين لا يعلمون تأويلها على عَدَِ قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران:7] جملة مستأنفة، فيكون الراسخون لا يعلمون تأويلها -
فلا نسلم أن المراد بلفظ "التأويل" في هذه الآية ما يرادف فهم المعنى من اللفظ العربي، وتفسيره، بل المراد من "التأويل" في هذه الآية: هو حقيقة ما يؤول إليه الكلام وهو أحد معنى "التأويل" في لغة القرآن واصطلاح السلف كما سيأتي تحقيقه.
فيكون المراد بـ"التأويل" كيفية الصفات فهي لا يعلمها إلا الله، فلا يعلمها الراسخون، ولا غيرهم.
وأما معنى الصفات فإنه معلوم يعلمه الراسخون بلا شك.
فهذا يؤيد قاعدة السلف في الصفات: "الاستواء معلوم والكيف مجهول".
إذن لا يصح تمسك المدعين للتفويض بهذه الآية أصلاً على أن معاني الصفات غير معلومة كما أن كيفيتها غير معلومة.
لأن المنفي في الآية على هذا التقدير إنما هو "الحقيقة التي يؤول الكلام إليها وهي الكيف"، لا المعنى المفهوم من اللفظ العربي.
ولشيخ الإسلام تحقيق دقيق لتقرير هذا المطلوب فراجعه (72) .
الحاصل: أن قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [ آل عمران:7] فيه قراءتان منقولتان عن السلف والكل قراءة توجيه وجيه.
أما القراءة الأولى:
فهي الوقف على لفظ الجلالة.
وكون قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ جملة مستأنفة.
وتوجيه هذه القراءة: أن لفظ "التأويل" على هذه القراءة بمعنى حقيقة ما يؤول غليه الكلام في نفس الأمر وهو الكيفية.
فيكون الراسخون في العلم لا يعلمونها، لأن ذلك مما استأثر الله بعلمه.
وأما القراءة الثانية:
فهي الوقف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وجعل قوله: وَالرَّاسِخُونَ عطفاً على لفظ الجلالة.
وتوجيه هذه القراءة، أن لفظ "التأويل" على هذه بمعنى التفسير وبيان المعنى المفهوم من اللفظ العربي.
فيكون الراسخون يعلمون معاني تلك النصوص مع تفويضهم في الكيف.
قال شيخ الإسلام وغيره من أئمة الإسلام واللفظ له: "وكلا القولين حق باعتبار كما بسطناه، في موضع آخر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق" (73) .
وقال: "وقد روى عن ابن عباس ما ذكره عبدالرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه:
1- تفسير تعرفه العرب من كلامها.
2- وتفسير لا يعذر أحد بجهالته.
3- وتفسير يعلمه العلماء.
4- وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل.
فمن ادعى علمه فهو كاذب..." (74) .
فأصل اللفظ - وهو المعنى المفهوم منه لغة - معلوم دون شك،، وإنما المجهول وصف ذلك المعنى - وهو الكيف -
فلو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات -
نقول: إن المتشابه نوعان: متشابه بأصله كالحروف المقطعات ومتشابه بوصفه وكيفيته كآيات الصفات.
فعلى هذا التقدير: هي معلومة.. الأصل - أي المعنى -
لكنها مجهولة الوصف - أي الكيف، فالتأويل المنفي في الآية هو الكيف لا المعنى.
وهذه حقيقة اعترف بها كبار أئمة الحنفية والماتريدية. أمثال فخر الإسلام البزدوي (482هـ) وشمس الأئمة السرخسي (483هـ) وحافظ الدين النسفي (710هـ) وعبدالعزيز بن أحمد البخاري (730هـ) وأبو المنتهى المغنيساوي (كان حيا 939هـ) والملا علي القاري (1014هـ) وشيخ زاده عبدالرحمن بن محمد (1078هـ) والقاضي كمال الدين البياضي (1098هـ).
فقالوا في التمثيل للمتشابه - واللفظ للأول:
"ومثاله: إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار.. فصار بوصفه متشابهاً، فوجب تسليم المتشابه على اعتقاد الحقيقة فيه.
وكذلك إثبات اليد، والوجه حق عندنا، معلوم بأصله متشابه بوصفه ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف.
وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة".
وزاد شمس الأئمة السرخسي، وحافظ الدين النسفي، والقاري؛ واللفظ له:
"وأهل السنة، والجماعة أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص، أي بالآيات القطعية، والدلالات اليقينية، والدلالات اليقينية، وتوقفوا فيما هو المتشابه، وهو الكيفية، ولم يجوزوا الاشتغال بطلب ذلك كما وصف الله به الراسخين في العلم فقال: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:7] (75) .
الخلاصة: أنه لا دليل في هذه الآية أصلاً للمدعين للتفويض ونسبته إلى السلف والحمد لله.
وبعد ما قضينا على هذه الشبهة ننتقل إلى الرد على الشبهة الثانية.

وأما الشبهة الثانية:
فما أفسدها، وأظهر بطلانها!!:
لأنه ليس المرادُ التفويض في المعنى من قول السلف: "نمرها كما جاءت" أو "أمروها كما جاءت" أو "أنها لا تفسر" أو "أن تفسيرها تلاوتها" أو نؤمن بها ولا كيف ولا معنى" أو "على ما أراد الله"، ونحوها من الأقوال التي تنقل عن سلف الأمة وأئمة السنة. ليس قصدهم بذلك أنهم جاهلون بمعاني نصوص الصفات ومرادها، وأنهم كانوا يتلونها تلاوة مجردة كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب بدون فهم المعنى والمراد.
فمن فسر أقوال السلف بهذا التفسير فقد كذب عليهم وافترى أشنع الكذب وأبشع الافتراء.
بل كان قصدهم بهذه الأقوال هو الردَّ على تفسيرات الجهمية وتأويلاتهم التي كانت عين التحريفات".
فقالوا: "أمروها" أي أثبتوها وأقروها وآمنوا بها، و"لا تُفَسَّرُ" تفسيرَ الجهمية، ولا تُحَرَّفُ كما حرفوها "بل تفسيرها تلاوتها" فإنها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار يفهمها التالي والسامع بمجرد تلاوتها.
كما قصدوا بقولهم: "بلا كيف" الردَّ على الممثلة.
فكلام السلف يتضمن إحقاق الحق وإبطال الباطل وانتصار مذهب أهل السنة والقضاء على مذهب أهل التعطيل، والتمثيل في آن واحد، وهو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.
ويشهد لما قلنا نصوص السلف، وفيما يلي بعض الشواهد من نصوصهم:
أ- نصُّ الإمام محمد بن الحسن الشيباني (189هـ) صاحب أبي حنيفة رحمهما الله وهو أحد الأئمة الثلاثة للحنفية على الإطلاق:
"اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل، من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه؛
فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفارق الجماعة؛
فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا؛
فمن قال يقول الجهم، فقد فارق الجماعة لأنه وصفه بصفة لا شيء".
فيا ترى هل قوله: "على الإيمان بالقرآن..." يدل على إيمان الإثبات أم إيمان التفويض؟.
وهل يقول عاقل: إن الإيمان بالقرآن إيمانُ تفويضٍ؟.
أليس قوله: "فمن قال بقول جهم...، لأنه وصفه بصفة لا شيء" صريحاً في أنه يقصد الردَّ على تفسير الجهمية وتحريفهم؟.
فالماتريدية في نفيهم لصفة علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده - تابعوا الجهم، فوصفوا الله تعالى بصفة لا شيء.
بل زادوا على مقالة الجهم، وقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق، ولا تحت، إلى آخر ذلك الهذيان الذي لا يقر عقل ولا نقل ولا فطرة ولا إجماع في آن واحد.
فوصفوه بصفة الممتنع في بداهة العقول، وبتصريح كبار أئمة السنة والكلام.
وقوله: "فإنهم لم يصفوا، ولم يسفروا" معناه: أن أهل السنة لم يصفوا الله بصفة لا شيء ولم يؤولوا صفات الله تعالى كما يصنع الجهم وأذياله.
وقوله: "ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا" معناه: أنهم أفتوا بإثبات ما في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى ثم سكتوا عن تأويلها وبيان كيفيتها.
وقوله: "في صفة الرب عز وجل" عام لجميع الصفات ومطلق، فهل الماتريدية يفوضون في جميع الصفات؟.
ب-هـ- "الأئمة" الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليث بن سعد.
روى الإمام ابن عبدالبر حافظ المغرب (463هـ) عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليث بن سعد، غير مرة عن الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقال: "أمروها كيف جاءت بلا كيف" (76) .
فيا ترى هل هؤلاء الأئمة كانوا مفوضين في معنى "الرؤية" وكيفيتها جميعاًً؟ أم قصدهم الرد على تحريفات منكري "الرؤية" والمشبهة؟.
وهل الماتريدية يفوضون في معنى "الرؤية" أيضاً؟.
و- الإمام أبو عبيد قاسم بن سلام (224هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية ومن أجل أصحاب الإمام محمد بن الحسن الشيباني - عند الكوثري والكوثرية (77) .
فقد قال هذا الإمام في أحاديث الرؤية، والكرسي، وصفة الضحك ووضع القدم في جهنم وأشباه هذه الأحاديث:
"هذه الأحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث، والفقهاء بعضهم على بعض وهي عندنا حق لا شك فيها، ولكن إذا قيل: "كيف وضع قدمه"؟ وكيف ضحك"؟.
قلنا: لا يُفَسَّر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره" (78) .
انظر أيها المسلم طالب الحق والإنصاف إلى نص هذا الإمام، وصراحته بأن أحاديث الرؤية وغيرها من الصفات يجب الإيمان بها وأنها حق، فمن قال: "كيف؟" قلنا: لا يفسر كيفيتها ولم يفسر أحد من السلف كيفيتها وأن التفويض إنما هو في الكيف لا المعنى؛
فهذا النص متضمن لإحقاق الحق وهو الإثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل وإبطال الباطل وهو الرد على أهل التعطيل، وأهل التمثيل.
وفي ذلك عبرة للماتريدية ولاسيما الكوثرية منهم.
ز- الإمام أحمد إمام أهل السنة:
لقد صرح الكوثري بأن الإمام سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم، ونحوها، فقال: "نؤمن بها، ولا كيف، ولا معنى" (79) .
فترى أن قول الإمام أحمد هنا: "... ولا كيف ولا معنى" في جميع الصفات حتى في "رؤية" الله تعالى، فهل ترى أنه يفوض في "رؤية" الله تعالى أيضاً؟ معنى وكيفاً؟.
وهل يصح عند من له أدنى مسكة من عقل أن الإمام أحمد يقول: إن أحاديث "الرؤية" لا كيف لها ولا معنى لها"؟.
وهل الماتريدية، وعلى رأسهم الكوثري - الذي استدل بقول الإمام أحمد هذا على التفويض المفتعل المنقول - يفوضون في "الرؤية" أيضاً؟ سبحان قاسم العقول!.
فهذا دليل صريح على أن الإمام أحمد يقصد بقوله: "لا كيف ولا معنى" الرد على المشبهة والمعطلة، والمراد من المعنى المنفي في كلامه هو تفسيرات الجهمية وتأويلاتهم وتحريفاتهم؛ لا المعنى المفهوم من النص.
ح- نص آخر للإمام أحمد مثل قوله: "تُمَرُّ كما جاءت" في غير أحاديث الصفات.
قال شيخ الإسلام: "وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفاتِ: "تُمَرُّ كما جاءت" في أحاديث الوعيد، مثل قوله: "من غش فليس منا".
وأحاديث الفضائل.
ومقصوده بذلك: أن الحديث لا يُحَرَّفُ كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلاً بالعرف المتأخر.
فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل" (80) .
قلت: فهل يعقل أن السلف - ومنهم الإمام أحمد - يفوضون في معاني نصوص الوعيد، والفضائل أيضاً؟ وهل الماتريدية - ومنهم الكوثري والكوثرية - يفوضون فيها تفويضاً باطلاً عاطلاً؟.
ط-ل- روى الإمام الترمذي حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة تربو في كف الرحمن...)) (81) .
وفي رواية: ((إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه...)) (82) الحديث.
ثم قال الترمذي: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا.
قالوا: "تثبت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف".
هكذا روى عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك: أنهم قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف".
وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: "هذا تشبيه".
وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه: "اليد" و"السمع" و"البصر"؛
فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: "إن الله لم يخلق آدم بيده" وقالوا: "إن معنى اليد هنا القوة..".
قلت: تدبر أيها المسلم في نص هذا الإمام وفيما نقله عن أئمة الإسلام.
فقوله: "ففسروها على غير ما فسر أهل العلم" صريح بأن أئمة الإسلام قد فسروا نصوص الصفات على وجهها، وأن تفسير الجهمية تحريف لها فكلام هؤلاء الأئمة موافق لقولهم: "أمروها بلا كيف" وقولهم: "يؤمن بها ولا يقال: كيف".
فأئمة الإسلام على إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، وكلام هؤلاء الأئمة في جميع الصفات، في السمع والبصر، وغيرها بنص الإمام الترمذي.
فهل يظن الماتريدية - بما فيهم الكوثرية - أن أئمة الإسلام كانوا يفوضون في صفتي "السمع" و"البصر" أيضاً؟!.
وهل الماتريدية يفوضون في هاتين الصفتين؟ هكذا يحصد الزوبعة من زرع الريح.
فنصوص هؤلاء الأئمة دليل قاطع على أنهم يريدون بنفي "التفسير"، وبنفي "المعنى"، وبقولهم: أمروها، كما جاءت، ونحوه من العبارات - تفسيرات الجهمية وتحريفاتهم ولا يقصدون نفي معنى النص.
وقد ظهر من نص الإمام الترمذي ومما نقله عن أئمة الإسلام: أن الماتريدية تابعوا الجهمية في نفي الصفة "اليد"، وتأويلها بالقوة، والقدرة كما سيأتي.
واحتجوا بشبهة الجهمية من أن إثباتها تشبيه ما تقدم.
فهم في هذا خارجون على أهل السنة وليسوا منهم.
بل زاد الماتريدية بدعة أخرى على بدعة التعطيل، وهي بدعة التفويض وافترائه على أئمة الإسلام شاعرين أم غير شاعرين.
م- الإمام الطحاوي (321هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية، وعقيدته هي عقيدة الأئمة الثلاثة: "أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد" رحمهم الله باعتراف الماتريدية والكوثري".
يقول الإمام الطحاوي: "والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة، ولا كيفية..، كما نطق به كتاب ربنا...؛ وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو كما قال: ومعناه على ما أراد.
لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا.." (83) .
قلت: فهل كان الإمام الطحاوي وأئمة الحنفية الثلاثة مفوضين في "الرؤية"؟ وهل الماتريدية يفوضون فيها معنى وكيفية؟.
الحاصل: أن هذه الآثار التي نقلت عن السلف لا حجة للمفوضة فيها، بل هي على عكس مطلوبهم، لأن قصدهم نفي تفسيرات الجهمية وتحريفاتهم، وليس قصدهم أنها مجرد ألفاظ تتلى بدون فهم المعاني.
قال شيخ الإسلام:
(فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب" - موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف.
فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا علم حقيقة الصفة؛
ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم معناه، على ما يليق بالله لما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف".
فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم، وأيضاً فإنه لا يحتاج إلى نفي الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى،
وإنما يحتاج إلى نفي الكيفية إذا أثبت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف".
فمن قال: "إن الله ليس على العرش" لا يحتاج أن يقول: "بلا كيف" فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف".
وأيضاً فقولهم: "أمروها كما جاءت" يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت بألفاظ دالة على معان؛
فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: "أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد"، أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله تعالى لا يوصف بما دلت عليه حقيقة"، وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت.
ولا يقال حينئذ: "بلا كيف" لأن نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (84) .
وقال: (فقولهم رضي الله عنهم: "أمروها كما جاءت" ردٌ على المعطلة، وقولهم: "بلا كيف" ردٌ على الممثلة) (85) .
قلت: لقد تبين من خلال نصوص أئمة السنة أنهم كانوا يقصدون بنفي التفسير نفي تفسيرِ الجهمية وتحريفهم وتعطيلهم للصفات ونصوصها، ولم يكن قصدهم أنها لا تعلم معانيها ولا يعرف المراد منها.
فحمل كلام الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام السلف على الاصطلاحات المبتدعة تحريفٌ محضٌ ويكون من قبيل توجيه قول القائل بما لا يرضى به قائله: فمن حمل كلام السلف على التفويض المفتعل المختلق المصنوع الموضوع المبتدع فقد حَرَّفَ كلامهم لأنه بمثابة شهادة الزور، لأنه تأويل كلام متكلم بما لا يطابق مراده.
قال الإمام ابن القيم: "فإذا قيل معنى اللفظ كذا - كان إخباراً بالذي عناه، المتكلم، فإن لم يكن هذا الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم" (86) .
قلت: هذه حقيقة واقعة حتى اعترف بها الكوثري حيث قال:
وأين التجليات التي اصطلح عليها الاتحادية من تخاطب العرب ومن تفاهم السلف والخلف بهذا اللسان العربي المبين؟.
حتى يكون حمل النصوص، والآثار على التجليات المصطلح عليها فيما بعد عهد التنزيل بدهور - استعمالاً لها في حقائقها؟.
ومن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح ومسلك أئمة أصول الدين، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح، والتعديل، والتقويم، والتعليل..." (87) .
قلت: هذا الكلام في غاية الدقة والإتقان، ولكن ليت الكوثري والكوثرية والماتريدية يطبقونه مطرداً ويستقيمون على منهج السلف الصالح، ولكنهم خالفوه في مواضع لا تحصى، فقد ادعوا على السلف التفويض وحملوا نصوصهم عليه فحرفوها تحريفاً معنوياً وشهدوا عليهم زورا؛
وهكذا ترى الكوثري - حامل راية الخلف، والطاعن في السلف - يحمل نصوص الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف على الكلام النفسي (88) .
وهكذا يتلاعب بنصوص الإمام أحمد فيحملها على الكلام النفسي (89) نضالاً عن بدعته الكلامية الجهمية الماتريدية.
مع أن القول ببدعة الكلام النفسي قول مفتعل موضوع مصنوع متقول على الله ورسوله، وسلف هذه الأمة من أئمة السنة.
وأول من أحدثه هو ابن كلاب.
فكيف تحمل نصوص السلف على شيء لم يكن موجوداً في عهدهم؟! فحمل نصوص الوحي وكلام السلف على التفويض ونحوه تحريف؛
فلنا أن نقلب على الكوثري كلامه فنقول:
إن القول بالكلام النفسي، ونسبته إلى السلف وحمل نصوصهم عليه، وكذا القول بالتفويض ونسبته إلى السلف وحمل نصوصهم عليه بعيد من تخاطب العرب، وتفاهم السلف بهذا اللسان العربي المبين، فكيف يصح حمل النصوص والآثار على هذه المصطلحات المبتدعة الكلامية المحدثة بعد عهد التنزيل بدهور؟.
فمن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح والتعديل، والتقويم والتعليل.
وفي هذا كفاية لمن عنده طلب الحق والإنصاف والدراية، وأما من تعود: أن يقول: "عنزة وإن طارت" فلا دواء لدائه.

محروم
اليوم, 02:08 PM
الرد على الماتريدية في باب الأسماء والصفات


الماتريدية - كغيرهم من فرق المعطلة- عرضت لهم شبهة وهي أن ظواهر نصوص الصفات موهمة للتشبيه فزعموا أنه لو بقيت هذه النصوص - بدون تفويض أو تأويل- على معانيها الحقيقية من العلو، والنزول، والاستواء، والوجه واليدين والغضب والرضا ونحوها - لزم تشبيه الله تعالى بالمخلوقات وهذا ينافي تنزيه الله تعالى عن مشابهتهم، والعقل يستحيل إبقاء هذه النصوص على ظاهرها فلذلك لابد من تفويض معانيها إلى الله تعالى، أو تأويلها إلى ما يوافق العقل.
ولا يجوز حملها على ظاهرها.
وهذه الشبهة هي التي دفعتهم إلى التقول بالتفويض الباطل على السلف، وتعطيل كثير من الصفات الكمالية لله تعالى، وتحريف نصوصها.
ونحن بتوفيق الله تعالى نناقشهم ونذكر وجوهاً لإبطال هذه الشبهة وبيان خطرها. إن شاء الله تعالى، فنقول وبالله التوفيق.
الوجه الأول:
أن القول بأن ظاهر نصوص الصفات تشبيه، أو ظواهر هذه النصوص موهمة للتشبيه - قول في غاية الفساد والضلال؛ لأن ذلك يستلزم أموراً كفرية جداً منها:
1- أن ظاهر نصوص القرآن والسنة هو الضلال البعيد والكفر الصريح والشرك القبيح والباطل المحض؛ لأن تشبيه الله بخلقه كفر.
2- أن الكتاب والسنة مشتملان على كفر وضلال، ولا يستفاد منهما نور وهداية وبيان الحق.
3- أن الكتاب والسنة لا يصلحان أن يكونا مصدرين لتلقي العقيدة فيما يخبران عن الله تعالى.
4- أنهما ليس فيهما ما يصلح للاعتقاد بل فيهما ما يفسد العقيدة، ويضلل الناس.
5- أن القلوب تتخلَّى عن الجزم بشيء مما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
6- أن يُعزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد ولاسيما فيما يتعلق بصفات الله.
7- أن ترك الناس بلا كتاب ولا رسالة كان خيراً لهم.
8- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم التابعين يتكلمون بما ظاهره كفر وضلال دائماً ولم يقولوا يوماً من الدهر أن ظاهرها غير مراد.
9- أن هذا يستلزم إقرار الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهذا الكفر العظيم؛ حيث تكلموا بما ظاهره كفر بدون بيان ودون تحذير الأمة.
10- أن هذا فتح الأبواب لأنواع من المشركين والمبتدعين من الباطنية وغيرهم لا يمكن سدها وهذه الأمور العشرة أذكرها مفصلة:
قال شيخ الإسلام: "فإن كان الحق فيما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة - من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً فكيف يجوز على الله ثم على رسوله -صلى الله عليه وسلم- ثم على أخير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً، ولا ظاهراً، حتى يجيء أنباط الفرس والروم، وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها.
لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون، والمتكلفون هو الاعتقاد الواجب - وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا الواجب - وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً - لقد ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين؛
فإن حقيقة الأمر - على ما يقوله هؤلاء- أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل، ولا من طريق سلف الأمة؛ ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به...؛ هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين؛
وهذا الكلام قد رأيته بمعناه لطائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوماً لا محيد عنه؛
ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدي به في معرفة الله، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- معزول عن التعليم، والإخبار بصفات من أرسله، وان الناس عند التنازل لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول -صلى الله عليه وسلم- بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة، وهم المشركون، والمجوس، وبعض الصابئين ...؛
وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا [النساء:60]
ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين، أو الصابئين أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا به...؛
قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:65]
ولازم هذه المقالة أن لا يكون الكتاب هدىً للناس، ولا بياناً، ولا شفاء لما في الصدور، ولا نوراً، ولا مرداً. عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون: إنه الحق الذي يجب اعتقاده - لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصاً ولا ظاهراً...؛
وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات، ونحو ذلك بقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، لقد أبعد النجعة، وهو إما ملغز وإما مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين؛
ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة؛
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوماً من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، واعتقدوا كذا وكذا. فإنه الحق وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه وما لا يوافق فتوقفوا فيه أو انفوه؛
ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن أمته سوف تفترق على ثلاث وسبعين فرقة (1) . فقد علم ما سيكون ثم قال: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله))؛
وروى عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في صفة الفرقة الناجية: ((هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)).
فهلا قال: من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم؟.." انتهى كلام شيخ الإسلام (2) .
وقال الإمام ابن ابي العز الحنفي: "ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك فهو لقصور فهمه ونقص علمه وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم

وقيل:
عليَّ نحتُ القوافي من مقاطعها وما عليَّ إذا لم تفهمِ البقرُ

فكيف يقال في قول الله الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث، وهو الكتاب الذي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير [هود: 1] إن حقيقة قولهم أن ظاهر القرآن والحديث هو الضلال وأنه ليس فيه ما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه (3) .
هذا حقيقة قول المتأولين، والحق: أن مادل عليه القرآن فهو حق وما كان باطلاً لم يدل عليه والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه. فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه - وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية - فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، ولا تقدرون على سده...".
ثم ذكر رحمه الله نتائج وخيمة:
منها: أن ذلك يستلزم أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة.
ومنها: أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، والقرآن هو النبأ العظيم؛ وهذا فتح باب الزندقة نسأل الله تعالى العافية (4) .
ونكفتي به الآن في بيان ضرر هذه الشبهة وسيأتي مزيد إيضاح في الوجوه الآتية، إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني:
أن نقول: إن أصحاب شبهة التشبيه - الذين ردوا نصوص الصفات أو حرفوها وعطلوا ما دلت عليه من صفات الله تعالى- لم يعرفوا حقيقة التشبيه المنفي عن الله تعالى وصفاته (5) ؛ فأتوا من سوء فهمهم.
كما أنهم لم يعرفوا حقيقة التنزيه، وحقيقة التوحيد.
فأدخلوا في مفهوم التشبيه ما ليس منه، كما أنهم أدخلوا في مفهوم التنزيه والتوحيد ما ليس منهما (6) فيسمون نفي الصفات توحيداً وتنزيهاً (7) كالجهمية والفلاسفة والقرامطة (8) .
حيث أدخلوا في التشبيه إثبات الصفات، وأدخلوا في التنزيه نفي الصفات، وظنوا أن هذا هو التوحيد بحجة أن إثبات الصفات لله تعالى يخالف التنزيه والتوحيد ويستلزم التشبيه (9) .
مع أن الأمر ليس كذلك.
بل الحقيقة أن وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أعلم الخلق بالله - بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه والتجسيم في شيء بل هذا عين التنزيه والتوحيد والإيمان، لأن في ذلك تنزيه الله تعالى عن العيوب، والنواقص. ونفي الصفات تشبيه الله تعالى بالمخلوق بل المعدوم والممتنع حتى باعتراف أبي منصور إما الماتريدية (10) .
لأن إثبات الصفات وفق منهج السلف إثبات الكمال لله تعالى ونفي كل عيب ونقص عنه سبحانه.
وإنما التشبيه أن يقال: علو الله تعالى كعلو خلقه؛ واستوائه، ونزوله وغضبه ورضاه وضحكه، وفرحه، ويده، ووجهه، وعينه كاستواء خلقه أو كنزوله وغضبه، ورضاه، وضحكه، وفرحه، ويده، ووجهه، وعينه.
ومذهب السلف بعيد عن التشبيه بل هو وسط بين طرفي النقيض لا علاقة له بالتعطيل ولا بالتمثيل فمذهبهم عين التنزيه البعيد عن التشبيه.
قال شيخ الإسلام: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي صفات الله تعالى - التي وصف بها نفسه - ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين، بل هو سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله... ومذهب السلف بين مذهبين، وهدى بين ضلالين: إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات؛ فقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11] رد على أهل التشبيه والتمثيل. وقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ رد على أهل النفي، والتعطيل، فالممثل أعشى، والمعطل أعمى، والممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً" (11) .
وقد بين أئمة هذه الأمة حقيقة التشبيه المنفي عن الله وعن صفاته كما بينوا أن إثبات الصفات لله تعالى بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه رداً على المعطلة، ونصوص الإمام أبي حنيفة حجة على الماتريدية.
وإليك أقوال بعض أئمة الإسلام غير أبي حنيفة:
1- قال الإمام نعيم بن حماد (228هـ) "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه".
2- وقال الإمام إسحاق بن راهويه: (238هـ): "إنما التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال: كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً وهو كما قال الله تعالى في كتابه:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]
3- وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241هـ) في جواب سؤال: من المشبهة؟ قال: "من قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه" (12) .
قلت: إدخال نفي الصفات في مسمى التنزيه والتوحيد وجعل إثبات الصفات داخلاً في مسمى التشبيه ورمي من وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم بالتجسيم والتشبيه هو عين عقيدة الجهم وأصحابه كما قال الإمام أحمد عن الجهم: (... ووجد ثلاث آيات من المتشابه قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:2]، لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، فبنى أصل كلامه على هذه الآيات، وتأول القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافراً، وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على أقواله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية) (13) .
4- وقال الإمام الترمذي: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: "قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف؟" هكذا روى عن مالك وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا التشبيه؛
وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه: "اليد، والسمع، والبصر" فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ههنا القوة".
ثم ذكر كلام الإمام إسحاق بن راهويه الذي سقنا نصه آنفاً (14) .
5- وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "فتدبروا يا أولي الألباب ما نقوله في هذا الباب، في ذكر اليدين، كنحو قولنا في ذكر الوجه، والعينين تستيقنوا بهداية الله إياكم وشرحه جلّ وعلا صدورّكم للإيمان بصفات خالقنا وتعلموا بتوفيق الله إياكم أن الحق، والصواب، والعدل في هذا الجنس مذهُبنا مذهبُ أهلِ الآثارِ، ومُتَّبِعي السُّنَنِ، وتقفوا على جهل من يسميهم مشبهة، إذ الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه" (15) .
6-7- وذكر الحافظ ابن حجر والشاه ولي الله كلام الإمام إسحاق بن راهويه المتقدم آنفاً، وكلام الإمام الترمذي الذي يمثل عقيدة أئمة الإسلام أمثال مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وغيرهم في بيان حقيقة التشبيه وأن إثبات الصفات على منهج السلف ليس من التشبيه في شيء؛ وأقراه، وحققا أن التشبيه: أن يقال يد الله كيد خلقه ووجهه كوجه خلقه مثلاُ (16) .
8- وقال المحدث المباركفوري في شرح كلام الإمام الترمذي هذا: "قوله: وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات" إلخ قال الحافظ في (مقدمة الفتح): "الجهمية من ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة، ويقول: القرآن مخلوق".
"وقالوا: هذا تشبيه" وذهبوا إلى وجوب تأويلها "فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم" فتفسيرهم لهذه الآيات ليس إلا تحريفاً فالحذر الحذر عن تأويلهم وتفسيرهم، "وقالوا: "إن الله لم يخلق آدم بيده"، وقالوا: "إنما معنى اليد القوة" فغرضهم من هذا التأويل هو نفي اليد لله تعالى ظناً منهم أنه لو كان له تعالى يد لكان تشبيهاً، ولم يفهموا أن مجرد ثبوت اليد له تعالى ليس بتشبيه، "وقال إسحاق بن إبراهيم" هو إسحاق بن راهويه: "إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد الخ" هذا جواب عن قول الجهمية" (17) .
9- وقال شيخ الإسلام: "فمن قال: إن علم الله كعلمي، أو قدرته كقدرتي، أو كلامه مثل كلامي أو إرادته، ومحبته، ورضاه، وغضبه مثل إرادتي، ومحبتي ورضائي وغضبي؛ أو استواؤه على العرش كاستوائي، ونزوله كنزولي، أو إتيانه كإتياني، ونحو ذلك - فهذا قد شبه الله ومثَّله بخلقه، تعالى الله عما يقولون؛
وهو ضال، خبيث، مبطل، بل كافر،
ومن قال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام، ولا مشيئة ولا سمع، ولا بصر، ولا محبة ولا رضى، ولا غضب، ولا استواء، ولا إتيان ولا نزول - فقد عطل أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، وألحد في أسماء الله وآياته؛ وهو ضال، خبيث، مبطل، بل كافر" (18) .
قلت: لقد ظهر ظهوراً بيناً من نصوص هؤلاء الأئمة أن إثبات الصفات لله تعالى بلا تكييف ولا تمثيل ليس فيها شائبة من التشبيه وأن هذا عين التنزيه فالذين فسروا التشبيه من الجهمية وأذيالهم من الماتريدية وغيرهم بغير ما فسره به أئمة الهدى فقد حرفوا النصوص وقلبوا التوحيد وعطلوا الصفات ورموا أئمة السنة بالتشبيه والتجسيم والكفر والشرك والوثنية بهتاناً وعدواناً ولم يعرفوا حقيقة التشبيه ولا حقيقة التنزيه بل ولا حقيقة التوحيد.
اعتراف الماتريدية والأشعرية:
لقد اعترف أئمة الماتريدية والأشعرية - شعروا أم لا- بأن إثبات الصفات لله تعالى على طريقة السلف ليس من باب التشبيه أصلاً، وإليك بعض الأمثلة من اعترافاتهم:
1- الإمام أبو منصور الماتريدي إمام الماتريدية اعترف بذلك في صدد رده على المعتزلة: فقال: "وليس إثبات الأسماء، وتحقيق الصفات تشابه، لنفي حقائق ما في الخلق عنه... لكنا أردنا به ما يسقط التشبيه من قولنا عالم لا كالعلماء وهذا في كل ما نسميه، ونصفه؛ والله الموفق" (19) .
واحتج الماتريدي على المعتزلة والجهمية الأولى الذين يزعمون أن إثبات الصفات تشبيه فذكر لهم أن إثبات الصفات وإن كان في بادئ النظر تشبيهاً ولكن نهايته توحيد وتنزيه فنفي الصفات تعطيل، وإثباتها تشبيه، ولكن إذا قلنا: "عالم وقادر لا كالعلماء والقادرين" هذا يزيل شبهة التشبيه.
فمن نص كلام الماتريدي: "والأصل في حرف التوحيد أن ابتداءه تشبيه وانتهاءه توحيد... فقيل عالم وقادر، ونحو ذلك، إذ في الإمساك عن ذلك تعطيل، وفي تحقيق المعنى في خلقه تشبيه، فوصل به "لا كالعلماء، ونحوه" ليجعل نفي التشبيه ضمن الإثبات: فهذا فيما ألزمت ضرورة العقل القول به والسمع جميعاً" (20) .
وقال أبو منصور الماتريدي أيضاً في الاحتجاج على الجهمية الأولى: "ثم الوصف لله بأنه قادر عالم كريم جواد، والتسمية بها حق من السمع والعقل جميعاً...؛ إلا أن قوماً وجهوا تلك الأسماء إلى غيره ظناً منهم أن في إثبات الاسم تشابهاً بينه وبين كل مسمى. ولو كان به ذلك لكان بنفي التعطيل ذلك، وبنفيه أيضاً تشابه وبين مالا يدخل تحت اسم..." (21) .
قلت: هلا يسير الماتريدي، والماتريدية هذا المنهج في مثل علو الله واستوائه ونزوله ويده وغيرها؟
وقال: "ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية بها ولو كان في التسمية بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا سبب نقص التوحيد، وهم جميعاً دعوا إلى عبادة الواحد وإلى معرفة وحدانية الباري. لم يجز أن يكون ذلك - أي إثبات الصفات- مما يحقق العدد، ويثبت الموافقة للخلق، ولا قوة إلا بالله" (22) .
قلت: تدبر كلام هذا الرجل كيف احتج على الجهمية الأولى حجة أهل السنة؟ مع أن هذه الحجة تنقلب حجة عليه، وعلى أتباعه الماتريدية جميعاً أيضاً فيما نفوه من الصفات كالعلو والاستواء والنزول والغضب والرضى واليدين وغيرها فكان ينبغي لهم أن ينهجوا منهج السلف في جميع الصفات لئلا يقعوا في تناقض فاضح، واعتراف واضح.
2- ولقد أقحم شيخ الإسلام هؤلاء الماتريدية والأشعرية لما ادعوا أن أثبات العلو والاستواء والنزول وغيرها يستلزم التشبيه - في تلك المناظرة المشهورة التي عقدت حول العقيدة الواسطية فكلهم سكتوا وبهتوا وكان يوماً مشهوداً حضرها الأمراء وكبار الأشعرية وأعداء شيخ الإسلام وقد أظهر من قيام الحجة وبيان المحجة- ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة قاله شيخ الإسلام (23) .
ولما تشبثوا بشبهات وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا-
قال لهم شيخ الإسلام:
"قولي: "من غير تكييف، ولا تمثيل" ينفي كل باطل وإنما أخذتُ هذين الاسمين لأن "التكييف" مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة ومالك وابن عيينة وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". فاتفق هؤلاء السلف على أن الكيف غير معلوم لنا؛ فنفيتُ اتباعاً لسلف الأمة، وهو أيضاً منفي بالنص تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف، وحقيقة صفاته، وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله كما قرر ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في التأويل، والمعنى، والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله.
وكذلك "التمثيل" يُنفي بالنص والإجماع القديم، مع دلالة العقل على نفيه، ونفي التكييف إذ كنه الباري تعالى غير معلوم للبشر.
وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي الذي نقل أنه مذهب السلف وهو: "إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه، ويتبع فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف".
فقال أحد كبراء "المخالفين": فحينئذ يجوز أن يقال: هو جسم، لا كالأجسام".
فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: "إنما قيل: إنه يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم، حتى يلزم هذا السؤال..." (24) .
إلى آخر كلام طيب قامع ودامغ لهذه الشبهة الواهية، شبهة التشبيه".
3- الإمام بدر الدين العيني الحنفي رحمه الله (855هـ) الذي يبجله الكوثري ويجله غاية الإجلال ويرجحه على الحافظ ابن حجر كما يرجح "عمدته" على "فتحه" بل طعن في ابن حجر دفاعاً عن العيني (25) .
فقد ذكر العيني عقيدة شيخ الإسلام وأقرها وقال في الدفاع عنه والرد على أعدائه من الماتريدية والأشعرية:
"... بل الخالق سبحانه وتعالى بائن من المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل يوصف الله بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل فلا تمثل صفاته بصفات خلقه، ومذهب السلف إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، وقد سئل الإمام مالك - رضي الله عنه- عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فقال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".
فهذا الإمام - أي شيخ الإسلام- كما رأيت عقيدته، وكاشفت سريرته، فمن كان على هذه العقيدة كيف ينسب إليه الحلول والاتحاد، أو التجسيم أو ما يذهب إليه أهل الإلحاد..." (26) .
قلت: كلام الإمام البدر العيني صريح في أن إثبات الصفات بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه في شيء. وفي نصه عبرة للماتريدية ولاسيما الكوثرية كما أنه نص صريح على سلامة عقيدة شيخ الإسلام!.
4- العلامة الملا على القاري الحنفي (1014هـ) الذي يُكْبُرهُ الكوثري ويقول فيه: "إنه ناصر السنة" (27) وجعله الكوثري في قائمة كبار أئمة الحنفية (28) .
فقد دافع القاري جزاه الله خيراً - دفاعاً كاملاً عن شيخ الإسلام وابن القيم، ورد على من رماهم بسوء الاعتقاد والتجسيم، والتشبيه والضلال، وأقر عقيدة السلف في الصفات وأنها لا تستلزم التشبيه كما دافع عن أهل الحديث ورد على من يطعن فيهم بالتشبيه والحشو.
ثم حقق أن عقيدة شيخ الإسلام وابن القيم هي بعينها عقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله؛ فمما قال العلامة القاري:
"أقول: صانهما - (يعني شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم) - الله عن هذه الوهمة الشنيعة، والنسبة الفظيعة ومن طالع شرح منازل السائرين - (يعني مدارج السالكين) - ... تبين له أنهما كانا من أهل السنة والجماعة بل ومن أولياء هذه الأمة...
وأنه - (أي شيخ الإسلام )- بريء مما رماه أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عادتهم في أهل الحديث والسنة بذلك...
وذلك ميراث من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم في رميه ورمي أصحابه بأنهم صباة قد ابتدعوا ديناً محدثاً، وهذا ميراث لأهل الحديث والسنة من نبيهم بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة".
ثم ذكر العلامة القاري الحنفي بيتين إرغاماً للمعطلة:
فإن كان تجسيماً ثبوت صفاته وتنزيهها عن كل تأويل مفتر
فإني بحمد الله ربي مجسم هلموا شهوداً واملئوا كل محضر

ثم ذكر نبذة من عقيدة الإمام أبي حنيفة التي تمثل عقيدة السلف عامة ولاسيما الإمام أبو حنيفة ومالك إمام دار الهجرة ثم أقرها وصرح أن عقيدته - (ابن القيم) - عين عقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فقال: "ثم بين في الشرح المذكور - ( يعني بين ابن القيم في (مدارج السالكين)) - ما يدل على براءته من التشنيع المسطور والتقبيح المزبور وهو ما نصه: "إن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة كما قال مالك رحمه الله: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك رحمه الله شافٍ عامٌ في جميع مسائل الصفات من السمع والبصر والعلم، والنزول والغضب والرحمة والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقُّلُ الكيفِ فرعُ العلم بكيفية الذات، وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلومٍ فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟.
والعصمة النافعة في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات، وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثبات منزهاً عن التشبيه ونفي منزهاً عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل، ومن شبهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبه، ومن قال: هو استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه".
انتهى كلامه - (أي ابن القيم)- وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف... فالطعن الشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه ولا متوجه إليه فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في (فقهه الأكبر)، ما نصه: "وله تعالى يد ووجه ونفس.. له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطالُ الصفةِ، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف..." (29) .
5- وبعدما ذكرنا من نصوص أئمة الحنفية لا نحتاج إلى مزيد، ولكن مع ذلك أود أن أقدم للقراء نص كلام العلامة الشاه محمد أنور الكشميري الحنفي (1352هـ) محدث الديوبندية والذي يبجله الكوثري وأبو غدة ويعظمانه ويبجلانه غاية الإجلال بله الديوبندية إطراء وغلواً (30) .
قال العلامة أنور - رحمه الله:
"ألا ترى أن الأشعري لما بالغ في التنزيه وشدد فيه لزمه نفي كثير من الصفات التي أثبتها السمع حتى قارن المعطلة فلم يبق للاستواء المنصوص عنده مصداق، وصار نحو ذلك كله من باب المجازات عنده فالقرآن يأبى عما يريده الأشعري من تنزيهه هذا - تبارك الله- وقد نقلنا لك فيما أسلفنا أننا لم نجد تعبيراً في القرآن أزيد إيهاماً من قوله تعالى: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:30]، ومن قوله بُورِكَ مَن فِي النَّارِ [النمل:8]، وكان ذلك مسموعاً فالأشعري يزعمه خلاف التنزيه قلت: فعليه أن يكره هذا التعبير أيضاً، ولكن القرآن قد أتى به ولم يبال بذلك الإيهام، ولا رآه مخالفاً للتنزيه.. وبالجملة قد ثبت إسناد كثير من الأشياء في السمع ولا يرضى الأشعري إلا بقطعها عن الله تعالى، مع أن القرآن على ما يظهر لا يسلك مسلك تلك التنزيهات العقلية" (31) .
قلت: هذا كلام جيد غير أن الردَّ على الأشعري والسكوتَ على الماتريدي ليس من الإنصاف في شيء، فكلامه هذا.
أولاً: حجة على الماتريدي والماتريدية أيضاً.
وثانياً: فيه اعتراف بالحق، وهو أن إثبات الصفات ليس من التشبيه في شيء.
ثالثاً: أن تنزيهاتهم المزعومة تعطيل في الحقيقة وليس من التنزيه المطلوب في شيء؛ بل يجب تنزيه الله تعالى من هذا التنزيه الباطل.
فليتدبر القراء الكلام ولا سيما الحنفية الماتريدية في هذه النصوص التي سقتها عن هؤلاء الأئمة: الإمام أبو حنيفة، والإمام أبو منصور الماتريدي والإمام البدر العيني، الشاه ولي الله، والملا على القاري، والشاه أنور شاه الديوبندي ليعرفوا أن كلامهم مشتمل على أمور مهمة أذكر منها ما يلي:
1- العقيدة الإسلامية في الصفات هي عقيدة السلف الصالح لا غيرها.
2- عقيدة السلف في الصفات أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل والصفات ومن غير تكييف ولا تمثيل.
3- لا صلة للتفويض بعقيدة السلف وإنما تفويض السلف تفويض علم الكيف لا علم المعنى فمعاني الصفات معلومة، وكيفيتها مجهولة.
4- إثبات الصفات لله تعالى وفق المنهج السلفي ليس من التشبيه والتجسيم في شيء.
5- مذهب السلف وسط بين الإفراط والتفريط من التشبيه والتعطيل.
6- تأويل الخلف خروج على منهج السلف.
7-9 تأويل الصفات تحريف للنصوص وتعطيل للصفات وإبطالها، وأنه مذهب الجهمية.
10- أن الله تعالى عالٍ على خلقه بائن من مخلوقاته لا في ذاته شيء من المخلوقات ولا في المخلوقات شيء من ذاته.
11- فَزّعْمُ أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولا فوق ولا تحت... باطل، وهذيان المجانين والمحمومين.
12-13 الدفاع الكامل عن الإمامين شيخ الإسلام وابن القيم، وأنهما بريئان من تهمة التشبيه والتجسيم، وأن رميهما بتلك الألقاب عدوان وبهتان على عادة الجهمية رمي أهل الحديث والسنة بها، وأنهما من أهل السنة والجماعة، بل من أولياء هذه الأمة؛ وأن عقيدتهما بعينها عقيدة السلف الصالح بما فيهم الإمام أبو حنيفة رحمهم الله تعالى.
الوجه الثالث:
أن نقول: هؤلاء الماتريدية وغيرهم من أهل الكلام كما لم يعرفوا حقيقة "التشبيه" الواجبِ نفيُه عن الله، فأدخلوا في مفهوم "التشبيه" إثبات صفات الله تعالى ثم عطلوها بحجة التشبيه.
كذلك هم لم يعرفوا حقيقة "التنزيه" الواجبِ إثباته لله تعالى فأدخلوا في مفهوم "التنزيه" نفي كثير من صفات الله تعالى فعطلوها بحجة التنزيه.
وقد ناقشناهم في الوجه السابق وأوضحنا أن وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف ولا تمثيل ليس من التشبيه في شيء ونتحدث في هذا الوجه عن عدم معرفتهم حقيقة "التنزيه" وأن ما يسمونه من "التنزيه" يتضمن تعطيل صفات الله تعالى، وأن تنزيههم باطل يجب تنزيه الله تعالى من تنزيههم، فنقول وبالله التوفيق.
"التنزيه" المطلوب الذي دل عليه الكتاب والسنة، والذي فهمه السلف أئمة هذه الأمة بما فيهم الإمام أبو حنيفة رحمهم الله تعالى - هو تنزيه الله تعالى من كل عيب ونقص مع إثبات ما ورد به الشرع من الأسماء الحسنى، المطلوب تحقيقه البتة.
بل تسميةُ نفي الصفات "تنزيهاً" من قبيل تسمية الشيء بغير اسمه، كما أن إثبات الصفات الكمالية له تعالى ليس من باب "التشبيه" المطلوب نفيه.
الوجه الخامس:
لقد ذكرنا في الوجه السابق - لإبطال شبهة التشبيه - نصوص كبار أئمة الماتريدية، وغيرهم على أن اشتراك المسميات والموصوفين في الأسماء العامة والصفات المطلقة لا يستلزم التماثل بينهما، ونذكر الآن أنه لابد من وجود القدر المشترك بين الأشياء للإفهام والتفهيم، وإلا لا نسد باب الإفادة والاستفادة المقصودة في تفاهم الكلام وتعقل معانيه ومراد المتكلم منه، وهذا هو الطريق الوحيد للمعرفة والتفاهم.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي: "واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها، أو ما يناسب عينها، ويكون بينهما قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط" (32) .
وقال: "فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها - أتي بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماءً لها، فيكون بينهما قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر.
وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها - أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد".
وقال: "وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد كانوا مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم كإخبارهم بأن الريح قد أهلكت عاداً، فإن عاداً من جنسهم والريح من جنس ريحهم وإن كانت أشد...، وقد يكون الذي يخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم- مما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه.
كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلابد أن يعلموا معنى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم... به يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة؛
فينبغي أن يعرف هذه الدرجات:
وثانيها: عقله لمعانيها الكلية.
وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية.
فهذه المراتب الثلاث لابد منها في كل خطاب فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلابد لنا من تعريفنا المعاني المشتركة بينها، وبين الحقائق المشهودة، والاشتباه الذي بينهما وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة.
ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق كما تقدم في قصص الأمم.
وإن لم تكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: "ليس ذلك مثل هذا" ونحو ذلك، وإذا تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق.
وانتفاء التساوي لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط" (33) .
قلت: هذا الذي ذكره ابن أبي العز رحمه الله تعالى. حقيقة واقعة اعترف بها أبو منصور الماتريدي أيضاً حيث يقول:
"وليس في إثبات الأسماء، وتحقيق الصفات تشابه لنفي حقائق ما في الخلق عنه كالهستية - (كلمة فارسية بمعنى الوجود)- والثبات ولكن الأسماء لما لم يحتمل التعريف، ولا تحقيق الذات بحق الربوبية إلا بذلك، إذ لا وجه لمعرفة غائب إلا بدلالة الشاهد، ثم إذا أريد الوصف بالعلو، والإجلال فذلك طريق المعرفة في المشاهد، وإمكان القول، إذ لا يحتمل وسعنا العرفان بالتسمية بغير الذي شاهدنا..، لكن أردنا به ما يسقط الشبه من قولنا: "عالم لا كالعلماء"، وهذا النوع في كل ما نسميه به، ونصفه، والله الموفق" (34) .
قلت: الحاصل: أن القدر المشترك بين الأشياء مما لابد منه للتفاهم، وأنه لا يستلزم التشبيه لأن التشبيه ينتفي بمجرد الإضافة والتقييد، والتخصيص، ولاسيما إذا قلنا: "عالم لا كالعلماء" فوصف الله تعالى بالصفات الكمالية بلا تكييف ولا تمثيل ليست فيه رائحة التشبيه، بل هذا عين التنزيه.
الوجه السادس:
أن ظاهر كل نص يختلف حسب سماع كل سامع فقد يظهر لسامع أن إثبات الصفات لله تعالى تشبيه ولا يظهر لسامع آخر؛ وسبب ذلك تغير الفطرة وفساد البيئة؛ فإذا كان السامع لنصوص الصفات سليم القلب صحيح الفطرة، ولم يتأثر ببيئةٍ فاسدةٍ فلسفية كلامية - لم يفهم منها إلا ما هو اللائق بالله تعالى ولا يخطر بباله رائحة التمثيل والتشبيه؛ فأقحاح العرب في جاهلية والإسلام حين سمعوا كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الصفات لم يقل أحد منهم إن ظاهره التشبيه أو ظاهره غير مراد، وهكذا خيار هذه الأمة بعد الصحابة التابعون وأتباعهم مضوا على هذا من دون نكير ولا ارتياب ولا تأويل، ولا تفويض مزور، بل كان إثبات الصفات بلا تشبيه، وتنزيه الله بلا تعطيل أمراً جِبِلّيًّا فُطِرَتْ قلوبهم على ذلك فكانوا يعرفون ذلك من أعماق قلوبهم من دون الحاجة إلى الدراسة (35) .
وبعكس ذلك، إذا كان السامع لنصوص الصفات فاسد القلب والفطرة والعقل متأثراً ببيئة منتنة فلسفية كلامية غريقاً في ظلمات بعضها فوق بعض غريقاً في بحر لجي يغشاه موجٌ فوقه موجٌ - فهو ليلاً ونهاراً يفكر في التشبيه. والتمثيل، والتنزيه، والتركيب، والجهة، والحيز، وغيرها من المصطلحات الفلسفية الكلامية.
فكلما مر عليه نص من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حول صفات رب العرش الكريم، يتبادر إلى ذهنه منه الصفة اللائقة بالمخلوق ثم يقف زاعماً: أن هذا النص لو بقي على ظاهره يلزم منه تشبيه الله بخلقه، وهذا مناف للتوحيد والتنزيه - في زعمه- الذي هو عين التعطيل في الواقع - فيلتجئ إلى الإنكار أو التأويل أو على الأقل إلى التفويض.
ثم لفساد القلوب والفطر دركات شتى فكلما كان الفساد في القلوب والعقول، والفطر أشد وأعمق غوراً، كان أصحابها أشد وأعمق غوراً، في التعطيل. ألا ترى أن غلاة الجهمية لما كان فساد قلوبهم وفطرهم أشد - كانوا أشد غلواً في التعطيل حتى عطلوا الأسماء والصفات جميعاً.
وبحجة لزوم التشبيه نفسه قاربهم المعتزلة فكانوا أحسن حالاً منهم وأقل خبثاً من هؤلاء الغلاة فعطلوا الصفات وأثبتوا الأسماء مجردة عن معانيها لزعمهم أن التشبيه إنما يتحقق في أثبات الصفات دون الأسماء.
وقاربهم تلاميذهم الماتريدية، وزملاؤهم الأشعرية الكلابية؛ فأثبتوا الأسماء مع معاني بعضها وإلحاد في بعضها.
كما أثبتوا بعض الصفات ونفوا سائرها، لظنهم أن التشبيه لا يتحقق فيما أثبتوه كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر؛ وإنما يتحقق التشبيه فيما نفوه من الصفات، كالعلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، والغضب، والرضا، ونحوها.
فلو كانت عقولهم وفطرهم صحيحة ولم يتأثروا بخرافات الفلاسفة وبيئة منتنة كلامية - لكانوا أسعد بالإيمان بالصفات كما كان الصحابة والتابعون أهل القرون المفضلة أسعد به.
ونوضح هذا المقام بأمثلة يمانية ضربها العلامة المعلمي اليماني (1386هـ) رحمه الله تعالى لبيان تأثر المتكلمين بفساد البيئة والفطرة حتى نفوا الصفات بحجة التشبيه، وتشبثوا بشبهة واهية وارتكبوا ما لا يقره عقل ولا نقل فقال:
"والحق أن العقول كلها تنبذه البتة إلا من أرعبته شبهة المخالفين لعظمتهم في وهمه، وطالت ممارسته لها، وقد يأنس بالنفي الساقط كما تقدم، وهذا الأنس إنما هو ضرب من الحيرة بل هو ضرب من الجنون.
أ- افرض أنك خرجت من بيتك، وعلى رأسك عمامة، فيلقاك رجل فيقول لك: "لم خرجت بلا عمامة؟ فترى أنه يمازحك: ثم يلقاك آخر فيقول لك نحو ما قال الأول، وثم يلقاك الثالث، ثم رابع، ثم خامس، هكذا كل منهم يقول لك نحو مقالة الأول.
ألا ترتاب في نفسك، وتخاف أن تكون قد جُننت، حيث تعتقد أن على رأسك عمامة تراها وتلمسها، وتحس ثقلها، وهؤلاء كلهم ينفون ذلك وقد ينتهي بك الحال إلى أن تحاول أن تقنع نفسك بأنه ليس على رأسك عمامة، وتنفي أن تخبر أحداً بأنك تعتقد أن على رأسك عمامة، بل قد ترى الأولى أن ترمى العمامة عن رأسك حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس.
ب- ولكن افرض أنك رميت بها واعتقدت أنه ليس على رأسك عمامة، فلقيك رجل فقال لك: "عمامتك هذه كبيرة"؛ ثم لقيك آخر فقال: "عمامتك هذه وسخة" ثم ثالث، ثم رابع، ثم خامس وهلم جراً. كل منهم يثبت لك أن على رأسك عمامة؛ فماذا يكون حالك؟ وقد وقع ما يشبه هذا فكانت نتيجته الجنون.
ج- أخبرت أنه كان في هذه البلدة امرأة من نساء كبار الأمراء وكان لها ولد يعارضها ويمانعها عما تريد. واشتدت مضايقته لها، حتى عمدت إلى جماعة أعدتهم لمجالسة ولدها، وصحبته، وأن يتعمدوا مخالفته، وإظهار التعجب منه في أشياء كثيرة، كانوا يقولون في الحلو: "إنه حامض" وفي الأصفر: "إنه أحمر" ونحو ذلك، ففعلوا ذلك، وألحوا فيه حتى تشكك الولد، وجُنَّ.
د- وأخبرت: أنه كان لرجل من كبار الوزراء ابن وابن أخ، وقريب آخر، وكان القريب عاقلاً ذكياً فطناً مهذباً نبيل الأخلاق، وكان الابن دون ذلك، فخاف الوزير أن يموت، فيتولى الوزارة قريبه دون ابنه فأعد جماعة لمجالسة قريبه، وأمرهم بمخالفته وتشكيكه، ففعلوا ذلك حتى جن المسكين" (36) .
قلت: وهكذا حال هؤلاء المتكلمين المجانين العقلاء، وذلك لفساد الفطرة والعقل والبيئة؛ فأفضت بهم عقلياتهم إلى طامات لا يقرها عقل ولا نقل، ولا إجماع ولا فطرة من القرمطة والسفسطة ورفع النقيضين؛ وشكوك وشبهات ظنوها براهين قاطعات وتعطيل الصفات وتحريف نصوصها بشبهة "التشبيه" وتشبيه الله بالحيوانات، والجمادات؛ بل بالمعدومات والممتنعات؛ فهم في الحقيقة - مع كونهم معطلة- مشبهة لا منزهة.
الوجه السابع:
أن قولهم: "ظاهر النصوص تشبيه أو يوهم التشبيه، أو ظاهر النصوص غير مراد". من الكلمات المجملة الكلامية والألفاظ المستحدثة البدعية المتشابهة المحتملة للحق والباطل كقولهم: "الله ليس في جهة، وليس له حد، ولا مكان، والله منزه عن الأعراض والحوادث" ونحوها.
وقاعدة السلف في مثل ذلك: التوقف عن الحكم عليها نفياً وإثباتاً قبل التفصيل وقبل بيان مراد قائلها: فيجب فيها التفصيل وتمييز الحق من الباطل؛ فإن كان مراد قائلها معنًى حقا يقبل، وإلا يرد على قائلها، مع أن التقييد بالألفاظ الشرعية المأثورة هو الطريق المتبع (37) .
فقولهم: (ظاهر النصوص تشبيه) أو قولهم: (ظاهر النصوص غير مراد) نعرضه على تلك القاعدة.
قال شيخ الإسلام: (القاعدة الثانية: إذا قال القائل: "ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد". فإنه يقال: لفظ "الظاهر" فيه إجمال واشتراك؛ فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا "ظاهراً"، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً؛ والله سبحانه وتعالى اعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال.
والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:
تارة: يجعلون المعنى الفاسد "ظاهر اللفظ" حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك.
وتارة: يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل) (38) .
وقال: "وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع فإن الله تعالى لما أخبر إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى:12]، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج:6]، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد، كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا.
وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقةً، عالم حقيقةً، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير.
فكذلك إذا قالوا - في قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [المائدة:119]، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]-: "وإنه على ظاهره". لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواءً كاستواء المخلوق، ولا حباً كحبه، ولا رضا كرضاه؛ فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء في ظاهر ذلك مراداً، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به. لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مراداً إلا بدليل يدل على النفي وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات فيكون الكلام في الجميع واحداً.
وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا، كالوجه واليد.
ومنها ما هي معان وأعراض، وهي قائمة بنا كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.
ثم من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون: "إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا".
فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيده لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهوم في حقنا؛
بل صفة - كل- موصوف تناسبه.
فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين فصفاته كذلك ليست من مثل صفات المخلوقين ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إلينا...".
ثم ذكر شيخ الإسلام من مفاسد قولهم: "ظاهر النصوص غير مراد أو ظاهرها تشبيه" ما يلي:
أ- أن مدلول النصوص هو التمثيل.
ب- إبقاء النصوص معطلة عما هو اللائق بالله تعالى.
ج- نفي الصفات التي تدل عليها تلك النصوص فيكون معطلاً، لما يستحقه سبحانه وتعالى.
د- وصف الرب سبحانه وتعالى بنقيض صفاته اللائقة به تعالى من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات.
ثم قال: "فيكون قد عطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحداً في أسماءه وآياته..." (39) .
وقال شيخ الإسلام: "وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة.
1- قسمان يقولون: تُجْرَى على ظواهرها.
2- وقسمان يقولون: هي على خلاف ظاهرها.
3- وقسمان يسكتون.
أما الألولون فقسمان:
أحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف.
الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يُجْرَى اسم "العليم، والقدير، والإله، والموجود، والذات" ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله.
فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به، فالعلم والقدرة والكلام، والمشيئة، والرحمة، والرضا، والغضب" ونحو ذلك في حق العبد أعراض.
و"الوجه، واليد، والعين" في حقه أجسام.
فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علماً، وقدرة، وكلاماً، ومشيئة، وإن لم يكن ذلك عرضاً يجوز (40) عليه ما يجوز على صفات المخلوقين - جاز أن يكون وجه الله، ويداه صفاتٍ ليست أجساماً يجوز (41) عليها ما يجوز على صفات المخلوقين.
وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي، وغيره من السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضح.
فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات - فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات، فمن قال: "لا أعقل علماًً، ويداً إلا من جنس العلم واليد المعهودين"،
قيل له: فكيف تعقل ذاتاً من غير جنس ذوات المخلوقين؟
ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته، وتلائم حقيقته.
فمن لم يفهم من صفات الرب - الذي ليس كمثله شيء - غلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله، ودينه.
وما أحسن ما قال بعضهم: (إذا قال لك الجهمي: "كيف استوى"، أو "كيف ينزل إلى سماء الدنيا" أو "كيف يداه" ونحو ذلك؟.
فقل له: "كيف هو في نفسه"؟
فإذا قال لك: "لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر" فقل له: "فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف.
فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف، لم تعلم كيفيته؟ وإنما تعلم الذات، والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك...).
ثم ذكر شيخ الإسلام بقية الأقسام فراجعه (42) .
قلت: الحاصل من هذا الوجه: أن من زعم أن ظاهر نصوص الصفات موهم لتشبيه الله بخلقه ثم التزم ذلك فهو مشبه عابد صنم ممثل الله تعالى بخلقه، ومن زعم أن ظاهرها موهم للتشبيه ولكنه غير مراد ثم أولها إلى ما يقتضيه عقله الفاسد فهو أولاً: معطل لصفات الله تعالى، وثانياً: محرف لنصوصها، وثالثاً: واقع فيما فر منه، ورابعاً: مشبه لله تعالى بالجمادات والمعدومات، والممتنعات، كما أنه غالط في قوله: إن هذا ظاهر النصوص ومن آمن بالصفات ونصوصها بلا تكييف ولا تمثيل فقد أصاب الحق وسلم من التعطيل والتمثيل، لأن ذلك هو الظاهر اللائق بجلال الله تعالى، وبالله التوفيق.
الوجه الثامن:
أن نقول: إن الذين تشبثوا في نفي بعض الصفات بشبهة التشبيه، ويقولون: فإن ظاهر نصوصها تشبيه، أو موهم للتشبيه فظاهرها غير مراد"، أو يقولون: "إن هذه النصوص ظواهرها ظنية في معارضة العقليات القطعية، فهي إما أن تفوض معانيها إلى الله، أو تؤول إلى ما يوافق البراهين العقلية"، إلى أخر ما يزعمون - مضطربون متناقضون، وقولهم متناقض تناقضاً واضحاً، متضارب تضارباً فاضحاً؛ فإنهم قد أثبتوا بعض الصفات، كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، فلم لم يفهموا من ظاهر نصوص تلك الصفات تشبيه الله بخلقه؟.
ولم لم يقولوا: إن ظاهرها موهم للتشبيه، أو ظاهرها غير مراد ونحوه؟ فهؤلاء إذا لم يفهموا من نصوص الصفات التي أثبتوها - تشبيه الله بخلقه- كان يجب عليهم أن لا يفهموا التشبيه من نصوص الصفات التي نفوها، كعلوا الله تعالى خلقه، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا وغضبه، ورضاه، ووجهه، ويديه، ونحوها.
فإثبات بعض الصفات، ونفي بعضها، وتأويل بعض النصوص وعدم تأويل بعضها ليس إلا تناقضاً واضطراباً؛ وهومذهب ليس له قاعدة ولا ميزان؛ وموقف منهار؛ ولا مخلص لهم من هذا التناقض والاضطراب إلا أن يرجعوا إلى العقيدة السلفية التي ليس فيها إفراط ولا تفريط، من تشبيه وتعطيل.
وأن يثبتوا جميع الصفات الكمالية الواردة في الكتاب والسنة وفق المنهج السلفي، وهو إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل، وإلا يلزمهم نفي ما أثبتوه من بعض الصفات أيضاً؛ بل نفى الأسماء الحسنى كلها بل نفي وجود الله تعالى لأجل شبهة التشبيه حتى يكونوا من غلاة غلاة غلاة المعطلة، ومع ذلك لا يمكن لهم التخلص من التشبيه مهما غالوا في نفيه؛ لأنهم سيقعون في تشبيه الله تعالى بالمعدومات، بل الممتنعات في آخر المطاف، ولابد من ذلك لهم إلا بالرجوع إلى العقيدة السلفية.
هذا، ولكثير من العلماء نصوص مهمة في بيان تناقضهم، واضطراب موقفهم نذكرها في وجوه إبطال التأويل إن شاء الله تعالى.
الحاصل: أن الماتريدية لما أثبتوا بعض الصفات، ونفوا بعضها بشبهة التشبيه، وظنوا أن ذلك مقتضى التنزيه - وقعوا في التناقض حيث أثبتوا بعضها، ونفوا بعضها مع أن القول في جميعها واحد، ثم لم ينجوا من التشبيه حيث وقعوا فيه بعد ما عطلوا بعضها وحرفوا نصوصها، لآن مالها إلى التشبيه قبل التأويل وبعده لازم ولا نجاة منه إلا بالمنهج السلفي الذي هو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، والحمد لله.

محروم
اليوم, 02:10 PM
الرد على الماتريدية في تعطيل صفة العلو


: مخالفة الماتريدية للنقل الصحيح


لقد عارضت الماتريدية - في تعطيلهم لصفة "العلو" لله سبحانه وتعالى جميع ملل الأنبياء والمرسلين السابقين، وجميع الكتب الإلهية المنزلة، والنصوص الصريحة المحكمة الصريحة في الكتاب والسنة.
أما اتفاق ملل الأنبياء والمرسلين السابقين على تحقيق "علو" الله تعالى - فقد اعترف بذلك كبار الماتريدية، والأشعرية، بل القرامطة الباطنية.
والشيخ الإمام عبدالقادر بن موسى بن عبدالله الجيلاني (561هـ) (1) - الذي اتفق على كراماته وولايته (2) ، والذي قال فيه الإمام عز الدين بن عبدالسلام: "ما نعرف أحداً كراماته متواترة كالشيخ عبدالقادر رحمه الله" (3) - قد قال: "وهو لجهة العلو مستوٍ على العرش،... وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزله على كل نبي أرسله" (4) .
وقال الإمام ابن القيم معلقاً على كلام الشيخ الجيلاني هذا:
"وصدق...، فإن الرسل من أولهم إلى آخرهم ليس بينهم اختلاف في أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله...، فلم يختلف منهم اثنان في باب الأسماء والصفات وإن كان في الكتابين الذين لم ينزل من السماء كتاب أهدى منهما - من ذلك ما ليس في غيرهم، حتى زعمت أمة المعطلة: أنهما كتابا تشبيهٍ، ومن جاء بهما إماما المشبهة" (5) .
وأما أدلة "علو الله تعالى" في القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام سلف هذه الأمة ونصوص أئمة السنة، فأمر لا يعده العاد ولا يحصيه إلا رب العباد. وقد ذكر بعض كبار الحنفية وغيرهم من أهل العلم أن بعض أئمة السنة تتبعها فوجدها أكثر من ألف دليل (6) .
وقد تنوعت أدلة "علو الله تعالى" أنواعاً متعددة ذكر منها بعض أئمة السنة أكثر من عشرين نوعاً، واعترف بها بعض كبار أئمة الكلام، ولا حاجة إلى ذكرها ولكن أشير إلى بعض تلك الأنواع:
1- نصوص علوه تعالى على خلقه سبحانه.
2- نصوص فوقيته سبحانه على عباده.
قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:18].
قلت: لا يصح أي تأويل لقوله تعالى: فَوْقَ عِبَادِهِ كأن يقال: المراد من "الفوقية" فوقية القهر، والغلبة، والعظمة، ونحوها مما يرتكبه الماتريدية في تحريف نصوص العلو كما تقدم، لأن قوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ دل على تلك الفوقية، فلو حمل قوله تعالى فَوْقَ عِبَادِهِ أيضاً على تلك الفوقية القهرية - لكان الكلام مبنياً على التأكيد والتكرار، مع أن التأسيس أولى من التأكيد لاشتمال التأسيس على الإفادة فائدةً جديدةً حتى باعتراف الماتريدية.
على أن حمل الكلام على الحقيقة متعين؛ لأن الحقيقة هي الأصل باعترافهم أيضاً (7) .
وقال عز وجل: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل:50]
وهذه الآية لا احتمال فيها لأي مجاز أو تأويلٍ بوجهٍ من الوجه، لوجود كلمة "من" المعينة للفوقية الذاتية الحقيقية (8) .
3- ونصوص كونه تبارك وتعالى في السماء. والمراد من "السماء" العلو والارتفاع، وكلمة "في" بمعنى كلمة "على" (9) .
4- ونوصوص استوائه سبحانه على عرشه تعالى.
5- ونصوص العروج إليه جلا وعلا.
6- ونصوص الصعود إليه تبارك.
7- ونصوص الرفع إليه سبحانه.
8- وأحاديث نزول الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا.
9- وأحاديث معراجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى.
ففي لفظ من تلك الأحاديث: ((ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى..)) (10) .
10- وأحاديث الإشارة إلى السماء بعدها إشارة إلى الله عز وجل منها حديث جابر الطويل في حجة الوداع، وفيه: ((فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس - اللهم اشهد - ثلاث مرات)) (11) .
ومنها حديث الجارية وفيه: ((أين الله)) فقالت ((في السماء)) (12) .
قلتُ: هذه النصوص ومعها أضعافُ أضعاف أضعافٍ تدل دلالة قاطعة لا تحتمل النقيض على أن الله تعالى فوق هذا العالم حقيقة، وأن هذه النصوص القاطعة الساطعة لا تحتمل المجاز والتأويل بوجه من الوجوه؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم بعد ما ساق أحداً وعشرين نوعاً من حجج "علو" الله تعالى:
وقد اقتصرت على يسير من كثيـ ـرٍ فائتٍ للعدَ والحسبان
ما كل هذا قابل التأويل بالـ ـتحريف فاستحيوا من الرحمن (13)




لكن الماتريدية يحرفون هذه النصوص مع كثرتها واطرادها وتظافرها إلى معانٍ مجازية قد زكرناها فيما سبق فلا داعي إلى إعادتها.
وقد رهنَّا في فصل التأويل على أن تأويل نصوص الصفات بدعةٌ في صميم الإسلام، وخروجٌ على إجماع أئمة الإسلام، وأن مقالة التأويل في الأصل مقالةُ الكفارِ، وأنها تستلزم تعطيل الصفات وتحريف نصوصها، وأنها طريق إلى الزندقة والإلحاد.
ولقد تصدى شيخ الإسلام لإبطال حمل نصوص علو الله تعالى وفوقيته على المجاز فأجاد وأفاد (14) ، وهكذا للإمام ابن القيم رحمه الله مباحثُ قيمةٌ في إبطال تأويلات نصوص فوقية الله تعالى وعلوه سبحانه فارجع إليها (15) .
وللإمام ابن أبي العز (792هـ) والعلامة محمود الآلوسى (1270هـ) وابنه نعمان الآلوسي (1317هـ) وحفيده العلامة شكرى الآلوسي (1342هـ) كلمة قيمة قاضية على تأويلات الماتريدية وأمثالهم لنصوص "علو الله سبحانه وفوقيته" أنقلها لما فيها من عبرةٍ بالغةٍ وهم من كبار الحنفية وأئمتهم، واللفظ للآلوسي الجد:
"وتأول بعضهم كل نص فيه نسبة الفوقية لله بأن "فوق" بمعنى "خير وأفضل" كما يقال: "الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم" وأنت تعلم أن هذا مما تنفر منه العقول السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة؛ فإن قول القائل ابتداءً" الله خير من عباده" أو "خير من عرشه" من جنس قوله "الثلج بارد، والنار حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار" ونحو ذلك.
وليس في ذلك أيضاً تمجيد ولا تعظيم لله تعالى، بل من أرذل الكلام، فكيف يليق حمل الكلام المجيد عليه...
على أن في ذلك تنقيص لله تعالى شأنه ففي المثل السائر:
ألم ترى أن السيف ينقص قدره إذا قيل: إن السيف أمضى من العصى


"والفوقية" بمعنى "الفوقية في الفضل" مما يثبتها السلف لله تعالى أيضاً وهي متحققة في ضمن "الفوقية المطلقة" وكذا يثبتون "فوقية القهر والغلبة" كما يثبتون "فوقية الذات" ويؤمنون بجميع ذلك، وليسوا كمن - يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض" (16) .
قلتُ: لا حاجة إلى مزيد من الرد على تأويلات الماتريدية بعد كلام هؤلاء الأئمة لكني أود أن أشير إلى نكتة تتعلق بهذا المقام وهي:
أنه لا يمكن لأحدٍ إثبات "علو المكانة وعلو الشأن" لله سبحانه وتعالى إلا أن يعترف لله تعالى بعلو الذات والعلو حقيقةً؛ لأن نفي العلو الحقيقي الذاتي - عن الله تعالى - نفٌي لعلو الشأن والمكانة عنه سبحانه بالطريق الأولى والأحرى لكن التأويل التالي باطل فالمقدم مثله.
الحاصل: أن علو الله تعالى ثابت بنصوص الكتب السماوية الصريحة والأحاديث الصحيحة، وأن الماتريدية قد خرجوا عليها، وأن تأويلها باطل محض، لأنه تحريف لها وتعطيل لهذه الصفة، وإبطال لها؛
حتى بشهادة إمامهم "الأعظم" حيث قال:
"ولا يقال: غضبه: عقوبته، ورضاه، ثوابه".
وقال أيضاً:
"ولا يقال: إن يده: قدرته، أو: نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال".
وهذا برهان باهر،، وسلطان قاهر،، على أن تأويل صفة بأخرى - كما تفعله الجهمية الأولى وأفراخهم من الماتريدية والأشعرية - تعطيلٌ للصفات وإبطالٌ لها وتحريفٌ لنصوصها وتخريفٌ للعقيدة.
فواعجباً للفنجفيري القائل غالطاً جاهلاً،، أو مغالطاً متجاهلاً:
الخلف المؤولون لا ينكرون الصفات بل الصفات عندهم ثابتةٌ مثل ما ثبت عند السلف؛ فهم من أهل السنة لا يخرجون منهم (17) .
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

محروم
اليوم, 02:12 PM
إبطال شبهاتهم حول "علو" الله تعالى


للماتريدية شبهات كثيرة تشبثوا بها في نفي "علو" الله سبحانه وتعالى تشبث الغريق بكل حيلة.
وكلها ترجع إلى شبهة "التشبيه" التي عطلوا بها كثيراً من الصفات - ومنها صفة "العلو" وقد أبطلنا هذه الشبهة في الفصل الأول من الباب الثاني.
أما في هذا الفصل فقد ذكرنا من شبهاتهم حول صفة "العلو" ستاً مع إبطالها في المباحث السابقة.
ونذكر في هذا المبحث من شبهاتهم أربعاً أخرى مع الجواب عنها، وهي: شبهات "الحد" و"الجهة" و"الحيز" و"المكان".
زعمت الماتريدية تبعاً للجهمية الأولى أن نصوص الفوقية وعلو الله تعالى ولو حملت على ظاهرها، وأن صفة "علو" الله تعالى لو حملت على حقيقتها-
لزم كون الله تعالى في "الجهة" "وكونه" "محاطاً" وإن كان في "جهة" لابد أن يكون بينه وبينها مسافة مقدرة.
ويتصور أن تكون أزيد من ذلك، أو أنقص، أو مساوية.
ولو كان الله تعالى في "جهة".
لزم قدم "المكان" و"الجهة" و"الحيز".
كما لزم كون الله تعالى "جسماً" و"مركباً" و"جوهراً".
وكونه محلاً للحوادث.
وأيضاً إما أن يساوي "الحيز" أو ينقص عنه فيكون "متناهياً" أو يزيد عليه فيكون "متحيزاً".
هذا كان تقريراً لشبهاتهم في نفي "علو الله تعالى".
وبناءً على هذه الواهيات قالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه وليس في جهة، ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف، ولا على العرش ولا فوق العالم، ولا على غيره.
ولذلك كفروا من وصف الله بأنه في السماء أو وصفه بأنه فوق العالم.
وقالوا: "وهو تعالى منزه عن صفات الجواهر والأجسام والأعراض، ولوازمها لا مجال للزمان والمكان والجهة في حضرته تعالى، وهذه كلها مخلوقاته وزعم جماعة ممن لا خير لهم: أنه تعالى فوق العرش.
وأثبتوا له سبحانه وتعالى جهة الفوق والعرش..." (1) .
أما الكوثري مجدد الماتريدية ورافع لواء الجهمية والقبورية في آن واحد - فيقول: من جوز في معبوده الدخول والخروج والاستقراء - فهو عابد وثن.
وقال فيمن أثبتوا علو الله تعالى، واستواءه على عرشه:
لاحظ لهم من الإسلام غير أن جعلوا صنمهم الأرضي صنماً سماوياً.
وقال الكوثري: "واعتقاد حلول الحوادث فيه جل شأنه كفر صراح عند أهل السنة" (2) .
وقال: "وما له حد وغاية ونهاية - فهو الجسم الذاهب في الجهات، وإكفار من يقول بذلك في إله العالمين واجب...".
وقال: "... وأما المسلمون - فهم يعتقدون أن الله سبحانه منزه عن المكان...".
"وإثبات الحد له تعالى من أهون ما في الكتاب - (نقض الدارمي) من صنوف الضلال".
وقال: "مع أن القول بإثبات الجهة كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة...".
وقال: فيمن أثبت لله جهة الفوق: "فهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك فلزمهم الكفر لا محالة".
وقال: "والصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور".
وذكر أن من قال: بفوقية الله تعالى وأنه على العرش - فهو من أتباع فرعون ومحتج بقول ملحد جاهلي.
وقال: "إن الأشعري وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفراً أو أدت إلى كفر، كمن زعم أن لمعبوده صورةً، أو أن له حداً ونهايةً...، وكل ذلك موجود في كتاب الدارمي...".
ثم قال: وما في كتاب الدارمي من إثبات المكان والجهة والحد والنهاية والغاية... وكفر ناقل من الملة حتى إخوان الصفا يقرون في قرارة أنفسهم أن ذلك كفر ناقل عن الملة فكيف أصدر الأزهر القرار بإباحة نشره وأنه لا شيء في تداوله -
على ما فيه من الكفريات الفظيعة التي ذكرنا بعض نماذج منها.
ثم قال: في كتاب الدارمي وسنة عبدالله بن أحمد من الكفريات والجاهلية الجهلاء والوثنية الخرقاء ودسائس الوثنية وصرائح الكفر الناقل من الملة (3) .
وقال: "ومن يَعُدُّ الله سبحانه متمكناً بمكان فهو عابدُ وثن خارجٌ عن جماعة المسلمين كما نص عليه غير واحد من أئمة أصول الدين، تعالى الله عن إفك الأفاكين" (4) .
قلت: هكذا نرى الكوثري في عامة كتاباته الفتاكة المسمومة يجاهر بتلبيس الحق بالباطل، وتدليس في الدين وتحريف لصميم الإسلام وتكفير لسلف هذه الأئمة وأئمة السنة وجعلهم وثنية وطعنه في كتبهم وجعلها من كتب الوثنية.
وقد قال مثل هذا الهذيان كبار أساطين الماتريدية.
وقد حرف أبو الليث السمرقندي (375هـ) قول الإمام أبي حنيفة: "من قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فقد كفر".
فقال: في توجيه كلام الإمام أبي حنيفة: "لأنه بهذا القول يوهم أن يكون له مكان فكان مشركاً" (5) .
وتبعه في هذا التحريف رئيس قضاة الماتريدية لعساكرهم كمال الدين البياضي (1098هـ) فقال في توجيه كلام الإمام أبي حنيفة: "لكونه قائلاً باختصاص الباري بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة..." (6) .
قلت: هذا كان بيانا تشبثهم بتلك الشبهات وتمسكهم بتلك الألفاظ المجملة البدعية الفلسفية الكلامية البراقة المدهشة المخوّفة المهولة لمن لا يعرف حقيقة قصدهم منهم، وبهذه الشبهة عطلوا "صفة العلو" لله تعالى، وحرفوا نصوصها بأنواع من التأويلات إلى شتى المعاني المجازية التي ذكرناها.
الجواب عن هذه الشبهات:
لأئمة السنة عن شبهاتهم جوابان: إجمالي، وتفصيلي:
أما الجواب الإجمالي:
فهو أن هذه الألفاظ المجملة المتشابهة المحدثة الفلسفية الكلامية لا تقبل مطلقاً ولا ترد مطلقاً قبل أن يعلم مراد قائلها.
بل لابد أن يستفسر قائلها؛ فإن أراد معنًى حقاً موافقاً للكتاب والسنة - قيل قوله وإلا يرد قوله، وينبذ نبذ النواة.
قال شيخ الإسلام (728هـ) والإمام ابن القيم (751هـ) وابن أبي العز الحنفي (792هـ) ونعمان الآلوسي الحنفي (1317هـ) واللفظ للثالث:
"للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال:
فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف... لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية.
فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي.
ولهذا كانت النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً... وبعض المثبتين لها يدخل لها معنى باطلاً مخالفاً لقول السلف...
وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصف به رسوله صلى الله عليه وسلم نفياً وإثباتاً وإنما نحن متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات فما أثبته الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نفيناه... وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها.
فإن كان معنى صحيحاً قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب به ونحو ذلك" (7) .
وقال ابن أبي العز أيضاً بعد ما أكد أن يجعل الكتاب والسنة أصلاً ودليلاً وبرهاناً:
"ويجعل أقوال الناس التي توافقه أو تخالفه متشابهة مجملة، فيقال: لأصحابها هذه الألفاظ يحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد، وهذا مثل لفظ المركب والجسم، والحيز، والجوهر والجهة، والحيز، والعرض، ونحو ذلك... وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل".
ثم ذكر رحمه الله أننا لا نوافق هؤلاء على هذه التسميات ولا كرامة فإن سموا إثبات الصفات تركيباً مثلا، فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً لم يحرم بهذه التسمية (8) .
قلت: بناء على ذلك نقول: للماتريدية سموا صفات الله تعالى من العلو والنزول والاستواء والوجه واليد، والقدم، والغضب، والرضا، والمحبة، والكراهية، ما شئتم فلا يجوز إبطال صفات الله تعالى بالتسميات المبتدعة والألقاب الشنيعة المدهشة من الحد، والحيز، والجهة، والمكان، والأفول، وحلول الأعراض، والتشبيه، والتجسيم ونحوها؛ فالعبرة للمعاني لا للمباني.
وأما الجواب التفصيلي فهو ما يلي:
1- "الحد".
إننا قد بينا قاعدة مهمة من قواعد السلف في باب الصفات حول الألفاظ المجملة المتشابهة الكلامية آنفاً في الجواب الإجمالي.
فنقول: في ضوء القاعدة:- إن لفظ "الحد" يطلق على معنيين:
الأول: بمعنى الإحاطة بالله علماً فلا شك أن "الحد" بهذا المعنى منفي عن الله تعالى فلا منازعة بين أهل السنة، لأن الله تعالى غير مدرك بالإحاطة، وقد عجز الخلق عن الإحاطة به، وعلى هذا يحمل قول من نفى "الحد" من السلف.
والثاني: بمعنى أن الله تعالى متميز عن خلقه منفصل عنهم مبائن لهم عال عليهم غير مخلوط بهم ولا حال فيهم فهذا المعنى حق فـ"الحد" بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر، فإنه ليس وراء نفيه إلا وجود الرب، ونفي حقيقته وعلى هذا يحمل قول من أثبت " الحد" لله تعالى من السلف (9) .
لذا نرى كثيراً من السلف كسفيان الثوري وشعبه وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وشريك وأبو عوانه وأبو داود الطيالسي والطحاوي (10) ، وغيرهم نفوا "الحد".
وفي رواية عن الإمام أحمد أيضاً (11) .
وبجانب ذلك نرى كثيراً من السلف يثبتون "الحد" لله تعالى.
كعبد الله بن المبارك (12) - وهو حنفي عند الحنفية - ورواية عن الإمام أحمد (13) .
والإمام عثمان الدارمي (14) وغيرهم.
فالذين نفوا "الحد" قصدوا المعنى الأول، وهو الباطل الذي يجب نفيه عن الله تعالى، والذين أثبتوا "الحد" قصدوا المعنى الثاني وهو الحق الذي يجب الإيمان به وهو "العلو" (15) .
ولكن الطامة الكبرى أن طوائف المعطلة أدخلوا في معنى "الحد" حقاً وباطلاً فنفوها جميعاً فنفوا ضمن نفيهم "للحد" فوقية الله تعالى على عباده وعلوه على عرشه (16) .
قال الإمام الذهبي (748هـ):
وقد سئل أبو القاسم التيمي رحمه الله: هل يجوز أن يقال: لله حدٌّ أو لا؟
وهل جرى هذا الخلاف في السلف؟ فأجاب: هذه مسألة أستعفي من الجواب عنها لغموضها، وقلة وقوفي على غرض السائل منها؛ لكني أشير إلى بعض ما بلغني، تكلم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة، محصولها أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره، فإن كان غرض القائل: ليس لله حد: لا يحيط علم الحقائق به، فهو مصيب، وإن كان غرضه بذلك: لا يحبط علمه تعالى بنفسه فهو ضال، أو كان غرضه أن الله بذاته في كل مكان فهو أيضاً ضال" (17) .
وعلق عليه الذهبي قائلاً:
"قلت: الصواب الكف عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نص، ولو فرضنا أن المعنى صحيح فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله خوفاً من أن يدخل القلب شيء من البدعة اللهم احفظ علينا إيماننا" (18) .
2- "الجهة":
هذه اللفظة أيضاً من الألفاظ المبتدعة الكلامية المتشابهة المجملة التي يجب التفصيل فيها، حتى يتميز الحق من الباطل، فيقبل الحق ويرد الباطل، وقبل التفصيل لا يحكم عليها نفياً ولا إثباتاً لئلا ينفى الحق ضمن النفي العام، لأن أهل البدع من طوائف المعطلة ينفون "الجهة" ويريدون بذلك نفي "علو الله تعالى" على عرشه، وفوقيته على خلقه (19) .
وإذا فصلنا في معنى الجهة، علمنا أن "الجهة" تطلق على معنيين: حقٍ، وباطلٍ.
فنظراً إلى المعنى الباطل يجب نفي الجهة عن الله تعالى، ونظراً إلى المعنى الحق يجب إثباته لله تعالى.
قال شيخ الإسلام، والإمام ابن أبي العز، والعلامة محمود الآلوسي، وابنه نعمان، وحفيده شكري، وكلهم حنفية غير الأول، واللفظ له:
"فلفظ "الجهة" قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقاً كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما أريد بالجهة ما فوق العالم.
ومعلوم أنه ليس في نص إثبات لفظ "الجهة" ولا نفيه.
كما فيه إثبات "العلو" و"الاستواء" و"الفوقية" و"العروج إليه" ونحو ذلك...، وقد علم أنه ما تم موجود إلا الخالق، والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق - سبحانه وتعالى ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى "الجهة": أتريد بالجهة أن شيء موجود مخلوق؟.
فالله ليس داخلاً في المخلوقات.
أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟.
فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟.
فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل" (20) .
قلت: لفظ "الجهة" بالمعنى الصحيح، أعني بمعنى "العلو" لله تعالى على خلقه، هو مقتضى الكتب السماوية والأحاديث النبوية، وعلى ذلك العقل الصريح والفطرة السليمة ولذلك يوجد في كلام أئمة السنة، لفظة "الجهة" بهذا المعنى، ولا غبار عليها، ومع ذلك الأفضل التقيد بالألفاظ المأثورة.
وإثبات "الجهة" لله تعالى بهذا المعنى مما اعترف به كثير من كبار المتفلسفة، والمتكلمة.
1-3- القاضي عياض (544هـ) والإمام النواوي (676هـ) والزبيدي الحنفي (1205هـ):
فقد صرحوا بأن المحدثين والفقهاء والمتكلمين بإثبات "جهة" الفوق وأن معنى في السماء عندهم "على السماء" وأما دهماء المتكلمين فينفون الجهة (21) .
4- وقال أبو الوليد محمد بن أحمد المعروف بابن "رشد" الحفيد المتفلسف (595هـ):
"القول بالجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه وتعالى حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية... وظواهر الشرع كلها تقتضى إثبات الجهة".
ثم ذكر عدة أدلة على ذلك كما ضرب مثالاً مهما للمؤولين المحرفين (22) .
5- وقال القرطبي المفسر (671هـ) بعد ما ذكر مذهب المتكلمين النفاة لعلو الله تعالى:
"وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي "الجهة" ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها، كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة... وإما جهلوا كيفية الاستواء".
ثم ذكر مقالة الإمام مالك المشهورة في الاستواء ثم قال: "وهذا القدر كاف...، والاستواء في كلام الرب: هو العلو والاستقرار..." (23) .
6- وقال القرطبي أيضاً "وأظهر الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، وقاله الفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه، وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات" (24) .
قلت: بعد هذا كله تبين بلا ريب للمسلمين طالبي الحق والإنصاف أن الكوثري كذاب بهات أفاك فيما يفتري على الله ورسوله وأئمة الإسلام وغيرهم حيث يقول متحدياً:
"ولم يقع ذكر الجهة في حق الله سبحانه في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في لفظ صحابي أو تابعي، ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله وصفاته من الفرق سوى أقحاح المجسمة، وأتحدى من يدعي خلاف ذلك أن يسند هذا اللفظ إلى أحد منهم بسند صحيح فلن يجد إلى ذلك سبيلاً فضلاً عن أن يتمكن من إسناده إلى الجمهور بأسانيد صحيحة..." (25) .
ويقرر الكوثري قول السبكي ويسكت عليه بعد ما ذكر قول الإمام ابن القيم "إن الله فوق سماواته... نقول ما قاله ربنا".
فقال السبكي وأقره الكوثري: "أين قال: ربنا أنه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته؟ فقد نسبت إلى قول الله ما لم يقله" (26) .
قلت: عار وشنار على الكوثري وبعض الديوبندية حيث يبالغون في الثناء على هذا الخائن الظنين الذي غالب كلامه ثرثرة وكذب وطنين، ثم يصفونه بالتثبت والاحتياط والأمانة وأنه لا فلة فيه دراية ورواية وأنه لا لجواده كبوة ولا لصارمه نبوة.
مع أن نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف هذه الأمة وأئمة السنة بل نصوص كثير من أئمة الكلام صريحة في "الفوقية".
3- "الحَيِزّ":
وكذلك لفظة "الحيز" فالقول فيها كالقول في أخواتها من ألفاظهم الكلامية المجملة المدهشة التي يردون بها الحق أيضا ضمن ردهم للباطل.
قال شيخ الإسلام: "وكذلك لفظ "المتحيز" إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر بل وسع كرسيه السموات والأرض..، وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالاً فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السنة، فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه" (27) .
4- "المكان":
وهكذا لفظ "المكان" لا ننفيه ولا نثبته حسب قاعدة السلف المذكورة بل نفصل فيه ونستفسر قائله فنقبل المعنى الحق ونرد المعنى الباطل، ولا نفعل كما يفعل طوائف المعطلة من نفيهم علو الله تعالى على خلقه ضمن نفيهم للمكان عن الله تعالى.
قال شيخ الإسلام: "... ومنهم من لا يفهم قول الجهمية بل يفهم من النفي معنى صحيحاً... مثل أن يفهم من قولهم: "ليس في جهة" ولا له "مكان" ولا هو "في السماء".
أنه ليس في جوف السماوات - وهذا معنى صحيح وإيمانه بذلك حق - ولكن يظن أن الذين قالوا هذا النفي اقتصروا على ذلك، وليس كذلك بل مرادهم، أنه ما فوق العرش شيء أصلاً ولا فوق السماوات إلا عدم محض، وليس هناك إله يعبد، ولا رب يدعى ويسأل، ولا خالق خلق الخلائق، ولا عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه أصلاً هذا مقصودهم" (28) .
وقال العلامة نعمان الألوسي الحنفي: "وأما القائل الذي يقول: إن الله لا ينحصر في مكان إن أراد به أن الله لا ينحصر في جوف المخلوقات، وأنه لا يحتاج إلى شيء منها فقد أصاب، وإن أراد أن الله تعالى ليس فوق السماوات، ولا هو مستو على العرش استواء لائقاً بذاته وليس هناك إله يعبد، "ومحمد صلى الله عليه وسلم" لم يعرج إلى ربه تعالى، فهذا جهمي فرعوني معطل".
ثم ذكر قاعدة السلف في الألفاظ المجملة (29) .
قلت: إثبات "المكان" بالمعنى الصحيح - وهو العلو لله تعالى - لا يستلزم أي محذور ولا لوازم باطلةً (30) .
قلت: لقد تبين بهذه النصوص.
أنه لا يلزم من حمل نصوص "العلو والفوقية" على ظاهرها من المعاني الحقيقية المتبادرة إلى الأذهان السليمة أي محذور ما دمنا ملتزمين نفي التكييف والتمثيل.
فلا يلزم من ذلك تشبيه يخالف التنزيه.
ولا يلزم الحد والجهة، والحيز والمكان بالمعاني التي يقصدها هؤلاء المعطلة ولا يلزم كون الله محدوداً متبعضاً متجزياً متناهياً جوهراً وجسماً.
ولا يلزم كون الله محلاً للحوادث ولا لزوم الانتقال ولا التجزي ولا الانقسام.
كما لا يلزم أن يكون كل واحد من الحد والجهة، والحيز، والمكان، قديماً مع الله تعالى لأن الحيز والمكان عند هؤلاء المتكلمين يعد موهوم لا شيء محض كما تقدم.
فلا يلزم تعدد القدماء، وقد تقدم أيضاً أن المراد من الجهة ما فوق العالم غير الله تعالى، وما فوق العالم غير الله تعالى هو أمر معدوم؛ لأن الموجود إما خالق، وإما مخلوق وفوق المخلوق ليس إلا الخالق، فلا يتصور كون الخالص في شيء موجود، إذاً لا يتصور كون موجود قديماً مع الله تعالى، فلا يلزم قدم الحد والجهة والحيز والمكان بالمعنى الذي يريد الماتريدية.
قال شيخ الإسلام: "فقوله: يلزم قدم الجهة أو الانتقال، إنما يصح لو قيل: إنه موجود في سواه، وإما إذا أريد بذلك أنه فوق العالم، أو وراء العالم، وليس هناك غيره، وليس هناك شيء موجود آخر، حتى يقال: إنه قديم.
وأما العدم فإن قيل: إنه قديم بهذا التفسير، فهو كعدم سائر المخلوقات، وقدم العدم بهذا التفسير ليس بممتنع..." (31) .
قلت: ما ذكرنا في هذه المباحث في هذا الفصل من إقامة الحجج الباهرة والبراهين القاهرة على علو الله تعالى على خلقه - من صحيح المنقول وصريح المعقول والإجماع المحقق والفطرة السليمة لنسف شبهات الماتريدية وبيان أنهم خالفوا النقل والعقل والإجماع والفطرة في آن واحد، وأنهم ليسوا من أهل السنة بل هم من الفرق الجهمية - فيه كفاية لطلاب الحق والإنصاف،، والله حسب عصبة التعصب والاعتساف،،
فإنهم لا يدفعون حماقتهم بالندامة،، ولو أطلبت لهم الملامة،،
فهم كما قيل:
وشيخ عن الحمق لا ينتهي أطلتَ له اللومَ أم لم تطل

محروم
اليوم, 02:13 PM
الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة استواء الله تعالى على عرشه


لقد سبق أن عرضنا موقف الماتريدية من هذه الصفة.
فقد تقدم أنهم عطلوها وحرفوا نصوصها إلى شتى المعاني المجازية كالاستيلاء والتمام، أو القصد، فأرجعوا صفة الاستواء "إلى" صفة "القدرة".
وإما إلى صفة "الإرادة" (1) .
وكانت لهم حول هذه الصفة شبهات:
فقد قالوا: لو حملنا نصوص "الاستواء على ظاهرها وحقيقتها يلزم منه لله "المكان" "والتغير" و"الانتقال" و"التحيز" وكونه "محدوداً" "محاطاً" وغير ذلك، وهذا كله من أمارات الحدوث والحاجة والنقصان، والله منزه عنها.
فالله لا على العرش ولا على غيره، لأن ذلك من صفات الأجسام (2) .
وأيدوا تحريفهم لنصوص الاستواء ببيت مكذوب مصنوع، مفتعل موضوع، منسوب كذباً وزوراً، إلى كافر نصراني مختل العقل مضطرب الكلام وهو "الأخطل".
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق (3)

ويقول: الكوثري: "وأنى لهم التمسك بآية "الاستواء" والاستواء له معان, وللعرش معان في اللغة" (4) .
وقال: "وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز....".
ثم قال الكوثري في تحريفه كلام الإمام مالكٍ: "وإما أن لا يفسر كما قال الإمام مالك وغيره "إن الاستواء معلوم" يعني مورده في اللغة، والكيفية التي أرادها الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة.
فمن يقدر أن يعينها؟.
فتحصل لك من كلام إمام المسلمين "مالك" أن الاستواء معلوم وأن ما يجوز على الله غير متعين وما يستحيل عليه هو منزه عنه" (5) .
ويصرح الكوثري أن استواءه تعالى على العرش فعل من أفعاله وليس صفة من صفاته فيقول: "قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى صيغة فعل مقرونة بما يدل على التراخي، وذلك يدل على أن "الاستواء" فعل الله تعالى مقيد بالزمن وبالتراخي شأن سائر الأفعال وعدُّ ذلك "صفة" إخراج الكلام عن ظاهره...
وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا تحدث له صفة فلا مجال لعدّ ذلك صفة" (6) .
قلت: هذا بناء على مذهبهم أن مرجع الصفات الفعلية هو "التكوين" وأن متعلقات "التكوين" من جميع أفعال الله تعالى ليست من صفات الله على الحقيقة، بل هي أمور اعتبارية إضافية، لئلا يلزم قيام الحوادث بالله.
فآيات "الاستواء" ونحو ذلك، ليس من آيات "الصفات" عندهم، وهذا لون آخر من البدع وفي طي هذا الكلام انخراط في تعطيل مبين لا ينتبه له إلا من عرف حقيقة قولهم وقد سبق إبطاله.
ولنا كلام مع الماتريدية في تعطيلهم لصفة "الاستواء" لله تعالى على عرشه من عدة نواح:
الناحية الأولى:
أن عامة شبهاتهم ترجع إلى شبهة "التشبيه".
وقد فصلنا القول في إبطالها في فصل مستقل في الباب الثاني.
الناحية الثانية:
أن ما يلوكونه بألسنتهم من وساوس فلسفية ودسائس كلامية من لزوم "المكان" و"الحيز" و"الجهة" و"التحيز" وكونه "محدوداً" "محاطاً" ونحوه -
تقدم الجواب عن ذلك في المبحث الأخير من الفصل السابق.
الناحية الثالثة:
أن ما تشبثوا به من أن "الاستواء" فعل حادث وليس من صفات الله تعالى، لئلا يلزم حلول الحوادث بذات الله تعالى.
فقد تقدم الرد عليه وبينا أن صفات الأفعال صفات الله تعالى قائمة به سبحانه، تتجدد آحادها، ونوعها قديم، على أن القول بحلول الحوادث لازم لهم يشعرون أم لا يشعرون؟ وقد اعترف بذلك بعض أساطينهم.
وهذا مبني على أصلهم من نفي قيام الأفعال الاختيارية به تعالى وجعل أفعاله اللازمة كأفعاله المتعدية، فكل ذلك عند هؤلاء الماتريدية والأشعرية مفعول منفصل عن الله تعالى.
الأول: جعل الفعل من المخلوقات:
والثاني: نفيهم قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى التي هي صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته وقدرته، وقولهم مخالف لمذهب أهل السنة (7) .
قلت: كان المفروض أن يكون الماتريدية موافقين لأهل السنة في هذا لقولهم بالتكوين وقولهم بأن المكون، غير التكوين (8) .
وهذا القول موافق في الجملة لأهل السنة في قولهم: إن الخالق غير المخلوق كما صرح به شيخ الإسلام (9) لكن الذي أوقعهم في البدعة الشنيعة ونفي قيام الصفات الاختيارية به تعالى قولهم: إن صفة "التكوين" صفة واحدة قديمة أزلية، وأن جميع ما يتعلق بما فهو متعلقات التكوين، وليست صفات حقيقية وإلا لزم قيام الحوادث به تعالى وكذا لزم منه تكثير القدماء جداً.
وقد بينا أن الفريقين من الماتريدية والأشعرية كلاهما على الباطل المحض وكلامهم يتضمن التعطيل المبين.
الناحية الرابعة:
أن ما تمسكوا به من شهبة "التغيير"-
نقول في الجواب عنها: إن هذه اللفظة "التغيير" من الألفاظ المجملة المتشابهة الكلامية التي تحتمل حقاً وباطلاً.
وقد ذكرنا قاعدة أئمة السنة في مثل هذه الكلمات.
وقد قال إمام أهل السنة في المتكلمين وكلماتهم المجملة المتشابهة المهولة المدهشة: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويلبسون على جهال الناس ما يشبهون عليهم" (10) .
فنقول في ضوء هذه القاعدة ما قال شيخ الإسلام بعد ما ذكر اعتراف الرازي:
"وإيضاح ذلك: أن لفظ "التغيير" لفظ مجمل.
فالتغيير "في اللغة المعروفة لا يراد به مجرد كون محل قامت به الحوادث فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب - إذا تحركت - إنها قد تغيرت،
ولا يقولون: للإنسان - إذا تكلم ومشى - إنه تغير.
ولا يقولون: - إذا طاف وصلى وأمر ونهى وركب - إنه تغير إذا كان ذلك عادته.
بل إنما يقولون: "تغير" لمن استحال من صفة إلى صفة.
كالشمس إذا ما زال نورها ظاهراً - لا يقال: إنها تغيرت.
فإذا اصفرت - قيل: قد تغيرت.
وكذلك الإنسان إذا مرض، أو تغير بجوع أو تعب - قيل: قد تغير.
وكذلك إذا تغير خلقه ودينه، مثل أن يكون فاجرا فيتوب ويصير براً، أو يكون براً فينقلب فاجراً -
فإنه يقال: قد تغير....
وإذا كان هذا معنى "التغيير" فالرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفاً، بصفات الكمال منعوتاً بنعوت الجلال والإكرام، وكمالاته لوازم ذاته فيمتنع أن يزول عنه شيء من صفات كماله، ويمتنع أن يصير ناقصاً بعد كماله.
وهذا الأصل يدل عليه قول السلف وأهل السنة:
"إنه لم يزل متكلماً إذا شاء ولم يزل قادراً ولم يزل موصوفاً بصفات الكمال ولا يزال كذلك فلا يكون متغيراً"...." (11) .
الحاصل: أنه لا يستلزم من إثبات صفة "استواء" الله تعالى على عرشه كونه تعالى متغيراً.
الناحية الخامسة:
أن شبهتهم من لزوم "الانتقال" من مكان إلى مكان -
شبهة قديمة لقدماء الجهمية.
وأئمة السنة وسلف هذه الأمة قد أفحموهم وأسكتوهم وكسروا أسنانهم بالحجر فبهت الذي كفر.
وستأتي إن شاء الله أجوبة أمثال الإمام الفضيل بن عياض (187هـ) الذي جعله الحنفية حنفياً،
ويعظمونه تعظيماً بالغاً وهو أهل له.
وإمام الجرح والتعديل يحيى بن معين (233هـ) الذي يجعله الحنفية ولاسيما الكوثرية حنفياً صلبا متعصباً ويجلونه غاية الإجلال وهو أهل للإكرام.
والإمام حماد بن زيد (179هـ).
والإمام إسحاق بن راهويه (238هـ).
في إسكات هؤلاء الجهمية.
الناحية السادسة:
قولهم: "إن للاستواء خمسة عشر معنى، وللعرش معان فكيف يصح تمسكهم بآية "الاستواء"؟
فنقول: هذا تدليس واضح وتلبيس فاضح، وتشكيك في العقيدة. مَنْ هذا الذي قال من سلف هذه الأمة من أئمة السنة: إن معنى الاستواء ومعنى العرش في جميع تلك النصوص القرآنية الصريحة غير معلومين؟.
كلا والذي استوى على عرشه! بل معنى "الاستواء"، ومعنى "العرش" في تلك الآيات الواضحات - معلومان بلا ريب.
وأول من قال: هذه المقالة - فيما أعلم - هو الإمام أبو بكر بن العربي (543هـ) (12) سامحه الله وإيانا - وتبعه الكوثري.
ولكن الإمام ابن القيم جعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس.
والإمام أبو بكر بن العربي هو الذي لعبت به عقليته الكلامية - على جلالة قدره - حتى قال ما قال في وجوب النظر والاستدلال.
وقد سبق أن ذكرنا جواباً شافياً كافياً عن هذه الشبهة فلا نعيده (13) .
غير أننا نضيف ههنا أموراً:
الأمر الأول: أن الله تعالى ذكر صفة "استوائه" على عرشه في سبعة مواضع من كتابه:
1-2- فقال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] ، [يونس: 3]
3-وقال: اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الرعد:2]
4- وقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]
5-6- وقال: الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الفرقان: 59، السجدة: 4]
7- وقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ... [الحديد: 4]
وهذه الآيات كلها تواطأت على لفظين إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ طـه:5]
فالناظر السليم الفطرة، عن أرجاس الفلسفة وأنجاس الكلام -
إلى هذه الآيات البينات والمتدبر بحق في هذه الكلمات المحكمات لا يفهم منها إلا علو الله تبارك وتعالى على عرشه، ولا يتبادر إلى ذهنه المعاني الخمسة عشر للاستواء، والخمسة للعرش أبداً وهذه حقيقة واقعة لا ينكرها إلا منكر مكابر، ومعاند مجاهر؛ لأن "الاستواء" المعدى بلفظه "على" نص صريح محكم في العلو والارتفاع ولشيخ الإسلام كلام مهم فراجعه (14) .
الأمر الثاني: أن المتشبث بهذه الشبهة الواهية يتدرج بقوله:
"إن للاستواء معاني وللعرش معاني".
إلى القول بالتفويض في صفة الاستواء.
وقد أقمنا أدلة قاهرة باهرة على إبطال القول بالتفويض المطلق الكلامي المفتعل الموضوع المصنوع على السلف، وأبطلنا نسبته إلى السلف.
كما أبطلنا شبهاتهم التي تشبثوا بها لدعم التفويض.
وبينا الفرق بين التفويض الباطل الخلفي وبين التفويض الحق السلفي.
الأمر الثالث: إن صفة "الاستواء" لله تعالى على عرشه في هذه الآيات وهذا السياق قد عرفه سلف هذه الأمة وفسروه بالعلو والارتفاع،
كابن عباس وأبي العالية رفيع بن مهران الرياحي (90هـ) ومجاهد ابن جبر (101هـ) والربيع بن أنس البكري (140هـ).
وعلى هذا بعدهم أئمةُ السنة والحديث والتفسير، أمثال: أبي عبيدة (210هـ).
والبخاري (256هـ) وابن قتيبة (276هـ) وابن جرير (310هـ) وابن أي حاتم (327هـ) وابن عبدالبر (463هـ) والبغوي (516هـ) وغيرهم (15) .
وهو قول: كبار أئمة اللغة أمثال: الخليل بن أحمد (175هـ) والفراء (207هـ) والأخفش (215هـ) وأبي العباس ثعلب (291هـ) وابن الأعرابي (230هـ) وابن عرفة المعروف بـ"نفطويه" (323هـ) وغيرهم (16) .
وهكذا كبار أساطين الكلام، كابن كلاب (240هـ) والأشعري (324هـ) والباقلاني (403هـ) (17) .
قال الإمام الحافظ الفقيه أبو محمد عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن شيرويه (305هـ).
"سمعت إسحاق بن راهويه - (الإمام أحد الأثبات الثقات الأعلام) (238هـ) - أنبأنا بشر بن عمر الزهراني - (أحد ثقات أئمة الأعلام) (207هـ) قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ طـه:5] ، "على العرش ارتفع" (18) .
الأمر الرابع: أن واقع نصوص أئمة السنة وسلف هذه الأمة يدل دلالة قاطعة على أن للعرش ولاستواء الله تعالى عليه معنى واحداً معلوماً؛
وهو أن العرش هو عرش الرحمن المحيط على السموات والأرض.
وأن استواء الله تعالى عليه هو علوه تعالى وارتفاعه عليه.
وهو معلوم غير أن كيفيته مجهولة.
وفيما يلي نصوص بعضهم:
1- فقد سئل الإمام ربيعة بن عبدالرحمن فروخ أبو عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي (136هـ) شيخ الإمام مالك إمام دار الهجرة -
عن قوله تعالى : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]
كيف استوى؟.
قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التصديق" (19) .
وفي رواية: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، ويجب عَلَّى وعليك الإيمان بذلك كله" (20) .
2- وجاء رجل إلى مالك بن أنس إمام دار الهجرة (179هـ) فقال: يا أبا عبدالله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى - [طه: 5] - كيف استوى؟.
فقال له مالك: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالاً".
3- وقال الإمام أبو حنيفة: "ونقر بأن الله تعالى على العرش استوى..." (21) .
مع كلام الإمام أبي حنيفة في تكفير من أنكر كون الله تعالى على العرش أو شك في ذلك أو شك في كون العرش في السماء.
قلت: تدبر أيها المسلم طالب الحق والإنصاف نصوص هؤلاء الأئمة كيف صرحوا بأن استواء الله تعالى على عرشه معلوم المعنى كما أن عرشه أيضاً معلوم غير أن كيفية استوائه غير معلوم؟.
بل صرح الإمام أبو حنيفة بتكفير من شك في كون العرش في السماء.
فهل يمكن لأحد أن يقول: إن للاستواء خمسة عشر معنى وأن للعرش خمسةً معانٍ فلا ندري ما المراد من الاستواء وما المراد من العرش؟؟.
الناحية السابعة:
زعم الكوثري المحرف المخرف في تحريف كلام الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول" - أن معناه: أن موارد لفظ "الاستواء" في اللغة معلومة وأن ما يجوز على الله غير معلوم.
باطلٌ عاطلٌ وتخريفٌ وتحريفٌ لكلام إمام المسلمين الإمام مالك.
يظهر ذلك لكل من تدبر كلامه بإنصاف، بعيداً عن الاعتساف؛ لأن السائل لم يسأل عن موارد لفظ "الاستواء" في اللغة بل سأله عن صفة "استواء" الله تعالى على عرضه الوارد في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] فأجاب إمام المسلمين بأن الاستواء المعروف باللام المعهود المطلوب في السؤال الوارد في كتاب الله تعالى معلومٌ المعنى لكنه مجهول الكيف.
وإلا لقال: "الاستواء والكيف كلاهما مجهول".
وهذا أظهر من الشمس في رابعة النهار لمن له عينان ناظرتان وأذنان سامعتان؛ ولكن قد قيل:
خفافيش أعشاها النهار بضوئه ووافقها قطع من الليل مظلم

ولشيخ الإسلام وابن القيم مبحث قيم في إزالة نسج عناكب التحريف (22) .
وقد تقدم شيء من ذلك (23) .
وهذه حقيقة واقعة إلى حد اعترف بها الإمام ابن العربي (543هـ) مع غلوه في المباحث الكلامية، وصرح بأن معناه معلوم والكيفية مجهولة، قاله في تفسير مقالة الإمام مالك.
والإمام ابن العربي هذا من أهم المصادر الكلامية للكوثري (24) .
الناحية الثامنة:
أن تأويل الماتريدية لكثير من صفات الله تعالى ومنها "استوائه" على عرشه سبحانه - بدعة في الإسلام، وخروج على إجماع سلف هذه الأمة وأئمة السنة وأن مقالة التأويل مستلزمة لتعطيل صفات الله تعالى وتحريف نصوصها.
بل هي في الأصل مقالة اليهود الكفار، ثم أدخلت على المسلمين بأيدي الجهمية الأولى والمعتزلة وفتحٌ لأبواب الزندقة والإلحاد وسائر الطامات.
ولذلك نرى أن المعتزلة يعطلون صفة "الاستواء" ويحرفون نصوصها إلى الاستيلاء ويستدلون بذلك البيت الموضوع المصنوع (25) .
بشهادة كبار أئمة الإسلام وأساطين الكلام (26) .
وهذا دليل على أن الماتريدية في مثل هذه التحريفات وتعطيل الصفات أتباع للجهمية الأولى وليسوا من أهل السنة.
الناحية التاسعة:
أنه لم يأت في اللغة العربية الصحيحة كون "الاستواء" بمعنى "الاستيلاء".
قاله إمام أئمة اللغة العربية محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي (230هـ).
فقد قاله الإمام أبو سليمان داود بن علي بن خلف إمام الظاهرية (270هـ).
"كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال: ما معنى قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ طـه:5] .
فقال: هو على عرشه كما أخبر عز وجل.
فقال: يا أبا عبدالله ليس هذا معناه إنما معناه "استولى".
قال: اسكت ما أنت وهذا، لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاداً فإذا غلب أحدهما قيل: استولى، أما سمعت النابغة:
ألا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد

قلت: الرجل في قول الإمام داود: "كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل..." لم أعرفه. ولكن قال شيخنا الألباني: "قلت: لعله أحمد بن أبي دؤاد الجهمي - الحنفي رأس الفتنة والاعتزال - المصرح بأنه السائل في الرواية التي قبل هذه" (27) .
فقد سأل ابن أبي دُؤاد هذا ابن الأعرابي: "أتعرف في اللغة "استوى"؟ بمعنى (استولى) فقال: لا أعرف".
ولفظ ما حكى الإمام ابن القيم عن ابن الأعرابي: "أرادني ابن أبي دؤاد أن أطلب له في بعض لغات العرب، ومعانيها.... "استوى" بمعنى "استولى" فقلت: له والله ما يكون هذا ولا وجدته" (28) .
وهذا يدل على خبث ما تنطوي عليه قلوب رؤوس الجهمية، والاعتزال فردهم الله بغيظهم ولم ينالوا خيراً، فهذا كلام إمام العربية ابن الأعرابي يصرخ أن الاستواء لم يأت في لغة العرب بمعنى الاستيلاء، وأن "الاستيلاء" لا يصح أن يكون تفسيراً لآيات الاستواء" لما في الاستيلاء من معنى المضادة، والمغالبة والتمانع والله منزه من ذلك كله.
وقد قال: كثير من الأئمة مثل ما قاله إمام اللغة العربية ابن الأعرابي (29) .
قال الخطابي وابن عبدالبر، واللفظ له:
"وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما إدعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل الاستواء "استولى" - فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، معنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة على أنه أريد به المجاز..." (30) .
وقال الأئمة أيضاً في إبطال تأويل الاستواء بالاستيلاء: إن الله تعالى لم يزل مستوياً غالباً قادراً محيطاً على خلقه كله على عرشه وغيره فأي فائدة في هذا؟ صرح بهذا الأشعري والخطابي والباقلاني (31) .
الناحية العاشرة:
أن هذا البيت: "قد استوى بشر..." مصنوع موضوع على العرب.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي ( (388هـ): "وزعم بعضهم أن معنى الاستواء ها هنا الاستيلاء ونزع فيه ببيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله...".
قلت: واعجباً للماتريدية خاصة، والجهمية عامة؛ يستدلون ببيت مصنوع مختلق موضوع على العرب ولم يتجرأوا على نسبته إلا إلى الشاعر الكافر الأخطل النصراني!!!.
وقد صنعوا مثل هذا الفعل الشنيع في باب صفة "كلام" الله تعالى أيضاً فاستدلوا ببيت: "إن الكلام لفي الفؤاد...".
فقد بنوا بنيانهم المنهار على بيت مصنوع موضوع على العرب (32) ونسبوه إلى هذا الشاعر الكافر الأخطل النصراني، وهذا البيت أيضاً لا يوجد في ديوانه (33) وتجرأ بعضهم فنسبه إلى علي رضي الله عنه!! (34) .
أما صرائح الكتاب والسنة المتواترة والإجماع والفطرة فيحرفونها ولا يطمئنون بها هذا من العجب العجاب!!! (35) .
وأعجب من ذلك عدم رجوعهم إلى الأحاديث الصحيحة الصريحة وتمسكهم بخيالات الفلاسفة وخزعبلات الجهمية (36) .
الناحية الحادية عشرة:
أن تحريف الاستواء إلى الاستيلاء فراراً من التشبيه عينُ الوقوع في التشبيه فلا فائدة في هذا غير الوقوع في التحريف والتعطيل والتشبيه؛ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.
قال ابن جرير والألوسي وابنه نعمان الألوسي، واللفظ للثاني:
"وأنت تعلم... أن تفسير الاستواء بالاستيلاء تفسير مردود إذ القائل به لا يسعه أن يقول: كاستيلائنا بل لابد أن يقول: هو استيلاء لائق به عز وجل، وليقل من أول الأمر هو استواء لائق به جل وعلا" (37) .
الناحية الثانية عشرة:
أن المحرفين لصفة "الاستواء" بالاستيلاء وغيره مع وقوعهم فيما سبق من المفاسد متناقضون مضطربون في مذهبهم؛ فإنهم لما حرفوا نصوص "الاستواء" وعطلوا هذه الصفة فراراً من التشبيه والتجسيم - هلا حرفوا نصوص الحياة والسمع والبصر وغيرها، فإثبات بعض الصفات وتعطيل بعضها ليس إلا إيماناً ببعض الكتاب وكفراً ببعضه مع التناقض الواضح والاضطراب الفاضح.
قال الإمام أبو محمد عبدالله بن يوسف الجويني (438هـ) والد إمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك الجويني (478هـ):
"فإن قالوا لنا في الاستواء: شبَّهْتُمْ - نقول لهم: في السمع شَبَّهْتُمْ، ووصفتم ربكم بالعرض... فجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول، واليد، والوجه والقدم، والضحك، والتعجب، من التشبيه نلزمهم به في الحياة، والسمع والبصر والعلم...، وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول، والوجه، واليد، صفات المخلوقين. فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف؛
فإن فهموا من هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا من الصفات السبع صفات المخلوقين" (38) .
قلت: هذا الذي ذكرنا فيه كفاية لطلاب الحق والإنصاف والإخلاص ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب أئمة السنة ولاسيما إلى مباحث الإمام ابن القيم، فإنه قد أبطل تأويل صفة "الاستواء" باثنين وأربعين وجهاً فأجاد وأفاد (39) .
خلاصة مبحث الاستواء:
لقد اشتمل هذا المبحث على ما يلي من النتائج المهمة:
1- أن صفة "الاستواء" صفة لله سبحانه كغيرها من صفات الله تعالى.
2- أن مذهب السلف في إثباتها لله تعالى بلا كيف ولا تمثيل فلا يحرفون نصوصها ولا يعطلونها.
3- أن الماتريدية معطلة لهذه الصفة محرفة لنصوصها.
4- أن الماتريدية في مذهبهم في صفة الاستواء على مذهب الجهمية والمعتزلة.
5- أن الماتريدية مبتدعة في مذهبهم هذا خارجون على مذهب الإمام أبي حنيفة كما هم خارجون عن إجماع أئمة هذه الأمة.
6- أن الماتريدية كعادتهم حرفوا نصوص الاستواء الصريحة وتشبثوا ببيت مصنوع موضوع على العرب منسوب زوراً إلى شاعر كافر نصراني.
7- أنا الماتريدية حرفوا معنى الاستواء بالاستيلاء الذي لا تساعده اللغة العربية بل أئمة اللغة أنكروا مجيء الاستواء بمعنى الاستيلاء.
8- أن الماتريدية مع تحريفهم وتعطيلهم لصفة الاستواء لم ينجوا من التشبيه بل وقعوا فيه، ولنعم ما قيل:
أقام يعمل أياما رويته وشبه الماء بعد الجهد بالماء

9- أن هؤلاء لو ربحوا رأس المال لكنهم حرفوا وعطلوا فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.
التنبيه على تمويه التفتازاني تبعاً للقزويني والسكاكي الساحر الحنفي:
قالوا: "استوى" محمول على الإيهام والتورية المجردة، "وهي التي لا تجامع شيئاً مما يلائم المعنى القريب نحو "الرحمن على العرش استوى" فإنه أراد بـ"استوى" معناه البعيد وهو "استولى" ولم يقرن به شيء مما يلائم المعنى القريب الذي هو "الاستقرار" (40) .
أقول: تعجبوا يا قوم! من إلحاد هؤلاء الجهيمة؛ تعالى الله سبحانه وكلامه عن إلغاز الملغزين وتمويه المموهين وتورية الساحرين.

محروم
اليوم, 02:15 PM
: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة "نزول" الله إلى السماء الدنيا


لقد سبق أن ذكرنا أن الباعث للماتريدية ولغيرهم من المعطلة أنهم فهموا من نصوص "النزول" و"الإثبات" و"المجيء" ما يفهم من صفات المخلوق.
فقالوا: لو تركنا هذه النصوص على ظاهرها لزم الله انتقال الأعراض والأجسام وهذا يستلزم التغير والزوال له تعالى فيكون الله من الآفلين.
فيجب صرف ذلك إلى ما يستحق بالربوبية (1) .
وبناء على هذا الأساس الباطل المنهار عطلوا صفات الله تعالى "النزول" و"الإتيان" و"المجيء".
وحرفوا نصوصها.
فقالوا: المراد نزول اللطف، والرحمة على سبيل التمثيل (2) .
أو نزول بره وعطائه (3) .
أو نزول الملك (4) .
أو المراد الاطلاع، والإقبال على العباد بالرحمة (5) .
وهكذا عطلوا صفة "الإتيان" لله تعالى، وحرفوا نصوصها.
فقالوا: المراد إتيان عذابه، أو إتيان ملائكته، أو مجاز عن التجلي، أو معناه: أن يأتي الله بأمره، وبأسه، فحذف المفعول به، وغيرها (6) .
وكذا عطلوا صفة "المجيء" وحرفوا نصوصها إلى أنواع من المجازات بشتى التأويلات.
فقالوا: المراد المجيء حكمه، وعطائه، وأمره، وقضائه، أو ظهور آثار قهره، وسلطانه، وغيرها (7) .
وقد رأيت للإمام أبي منصور الماتريدي تحريفاً عجيباً وتخريفاً غريباً لم أجده عند غيره من المعطلة - فيما أعلم - يندهش المسلم منه وترعد فرائصه وهو: أن "الواو" في قوله تعالى وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22].
بمعنى "الباء" وتكون الباء لتعدية "جاء" ويكون "الملك" مفعولاً به، فيكون المعنى: وجاء ربك بالملك صفاً صفاً (8) تعالى الله عما يصفون.
كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.
تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً.
هذه كانت نماذج من تأويلاتهم التي يدعون أنها موافقة للغة العربية!.
وبعد هذا العرض نناقش الماتريدية في تعطيلهم لصفة "النزول" وتحريفهم لنصوصها، ونكتفي بذلك لئلا يطول بنا الكلام.
ويكون كلامنا مع الماتريدية في مقامين:
المقام الأول:
في بيان فساد مذهب الماتريدية في صفة "النزول".
وفيه أمور:-
الأمر الأول:
أن الماتريدية في تأويلاتهم لصفة "النزول" أتباع الجهمية الأولى فإنهم كانوا يؤولون بمثل تأويلات الماتريدية (9) .
وقد تقدم أن جميع هذه التأويلات الموجودة اليوم في كتب الماتريدية والأشعرية مأخوذ عن هؤلاء الجهمية الأولى.
ولنعم ما قيل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فإن القرين بالمقارن يقتدي

وقد ذكر الإمام الترمذي (279هـ) رحمه الله حديث (النزول) ثم ذكر إجماع أئمة الإسلام على ما يدل عليه وقال:
"وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا التشبيه!" (10) .
وقد سئل الإمام شريك بن عبدالله ( (177هـ) أن المعتزلة تنكر أحاديث النزول، فحدث بنحو عشرة أحاديث وقال:
"أما نحن فقد أخذنا ديننا عن التابعين عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم عمن أخذوا؟!" (11) .
ولذلك قال الإمام عبدالله بن المبارك (181)هـ) الذي جعلته الكوثرية من كبار أئمة الحنفية (12) .
"من قال لك: "يا مشبه" فاعلم أنه جهمي" (13) .
الأمر الثاني:
في بيان خروج الماتريدية على أحاديث النزول الصحيحة المحكمة المتواترة الصريحة.
فأقول: استدل أئمة هذه الأمة على إثبات صفة "النزول" لله تعالى. بأحاديث كثيرة، أكتفي هنا بذكر ما في الصحيحين:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: "من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له )) (14) .
قلت: وهذا الحديث قطعي الدلالة على معناه لا يحتمل التأويل والمجاز، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا)) إلى آخر الحديث صريح في معناه الحقيقي لا يحتمل التأويل إلا بالتحريف؛ لاشتماله على ما يؤكد الحقيقة وينفي المجاز (15) .
كما أنه قطعي الثبوت فإنه حديث متواتر تلقته الأمة بالقبول لفظه ومعناه، فقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تسعة وعشرين (16) من الصحابة الذين رووا هذا الحديث، ثم ذكر من أخرج (17) حديثهم من المحدثين كما ذكر أبو عبدالله محمد بن جعفر الكتاني ثلاثة عشر صحابياً من رواة هذا الحديث (18) .
وفيما يلي نصوص بعض الأئمة حول أحاديث النزول:
1- قال حافظ المغرب ابن عبدالبر (463هـ):
"وهو حديث منقول من طرق متواترة، ووجوه كثيرة من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم" (19) .
2- وقال شيخ الإسلام: "فإن هذا القول الذي قاله قد استفاضت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق سلف الأمة وأئمتها، وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك، وتلقيه بالقبول... والنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وأمثاله علانية وبلغه الأمة تبليغاً عاماً لم يخص به أحداً دون أحد ولا كتمه عن أحد وكان الصحابة والتابعون تذكره وتأثره وتبلغه، وترويه في المجالس الخاصة والعامة، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في المجالس الخاصة والعامة..." (20) .
3- وقال الذهبي: "وأحاديث نزول الباري متواترة قد سقتُ طرقها وتكلمتُ عليها بما أُسئل عنه يوم القيامة" (21) .
وقال: "وقد ألفت أحاديث النزول في جزء وذلك متواتر أقطع به" (22) .
4- وقال الإمام ابن القيم: "إن نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه عنه نحو ثمانية وعشرين نفساً من الصحابة، وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كل موطن ومجمع، فكيف تكون حقيقته محالاً وباطلاً؟!
وهو صلى الله عليه وسلم، يتكلم بها دائماً ويعيدها ويبديها مرة بعد مرة، ولا يفرق باللفظ ما يدل على مجازه بوجه ما، بل يأتي بما يدل على إرادة الحقيقة..." (23) .
وقال: "... قد تواترت به الأحاديث والآثار...." (24) .
فأحاديث النزول هذه كما عرفتم قطعية الثبوت وقطعية الدلالة وليست من الوحدان، المفاريد، والمناكير بل من قبيل المتواتر والمشاهير ومفيدة للعلم القطعي اليقيني حتى باعتراف الكوثري فقد اعترف الكوثري: "أن الأخبار المحتج بها في الصفات إنما هي الصحاح المشاهير، دون الوحدان والمفاريد، والمناكير، والمنقطعات، والضعاف، والموضوعات..." (25) .
وقد ذكرنا اعتراف كثير من الحنفية الماتريدية والكوثرية بأن خبر الواحد المحتف بالقرائن ومنه أحاديث (الصحيحين) ومنه ما تلقته الأمة بالقبول مفيد للعلم القطعي اليقيني.
الأمر الثالث:
في خروج الماتريدية على إجماع سلف هذه الأمة وأئمة السنة ولاسيما الإمام أبو حنيفة وأصحابه القدماء.
نصوص أئمة السنة في تحقيق صفة النزول خارجةٌ عن نطاق الحصر ولكن نورد ههنا بعض نصوص الإمام أبي حنيفة لتعتبر منه الماتريدية، كما نورد نصوص بعض الأئمة الآخرين لبيان أن عقيدة السلف عقيدة واحدة لم يختلف منهم اثنان وفيما يلي بعض النصوص.
1- الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى (150هـ).
سئل الإمام أبو حنيفة عنه - يعني النزول - فقال: "ينزل بلا كيف" (26) .
فهذا نص صريح من الإمام أبي حنيفة فهو أثبت صفة النزول بلا تكييف ولا تمثيل، ولم يقل: إن أحاديث النزول أخبار الآحاد ولم يقل: إن المراد الملك أو نزوله أو الرحمة أو الأمر أو غير ذلك، فلم يفوض ولم يؤول ولم يشبه ولم يحرف ولم يعطل.
2- حماد ابن الإمام أبي حنيفة (176هـ).
قال الإمام أبو عثمان بن عبدالرحمن المعروف بشيخ الإسلام الصابوني (449هـ):
"قرأت لأبي عبدالله بن أبي حفص البخاري - وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني - قال أبو عبدالله- أعني ابن أبي حفص هذا -: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة قلنا لهؤلاء - ( يعني الجهمية): أرأيتم قول الله عز وجل: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22] قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عني بذلك؟ ولا ندري كيف مجيئه؟ فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته؟.
ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيتم من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب، قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه يجيء فهو كافر مكذب" (27) .
قلت: وهذا إسناد في غاية من الصحة والإتقان والإيقان ورجاله جبال شامخات والأئمة الأعلام للحنفية.
سبحان الله!!! أئمة الحنفية القدامى يكفرون من أنكر صفة المجيء لله تعالى والاعتراف بصفة المجيء يستلزم الاعتراف بصفة النزول فالقائل بالأولى قائل بالثانية؛ لأنه لا قائل بالفصل، ولكن الماتريدية قالوا: "لا يجوز أن يوصف الله بالمجيء والذهاب لأنها من صفات المخلوقين" (28) .
3- إمام المحدثين عبدالله بن المبارك (181هـ) الذي تجعله الحنفية من أئمة الحنفية (29) وجعله الكوثري والكوثرية من كبار الحفاظ والمحدثين من الحنفية ومن أخص أصحاب أبي حنيفة (30) ، مع أن الأمر ليس كذلك بل هو إمام من أئمة المسلمين محدث فقيه مجتهد وليس بحنفي البتة ولكن كلامه في النزول مهم جداً فنذكره حجةً على الحنفية الماتريدية ولاسيما الكوثرية.
فقد سئل عبدالله بن المبارك: "يا أبا عبدالرحمن كيف ينزل؟" فقال ابن المبارك: "ينزل كيف يشاء" (31) .
4- وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني (189هـ) أحد الأئمة الثلاثة للحنفية حول أحاديث النزول ونحوها: "إن هذه الآحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها، ولا نفسرها" (32) .
5- وقال أيضاً: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والآحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول الجهم فقد فارق الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لا شيء".
وعلق عليه شيخ الإسلام قائلاً: "وثبت عن محمد بن الحسن... فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام كيف حكى الإجماع في هذه المسألة، ولا خير فيما خرج عن إجماعهم، ولو لزم التجسيم من السكوت عن تأويلها لفروا منه وأولوا، فإنهم أعرف الأمة بما يجوز على الله وما يمتنع عليه"().
6- الإمام الزاهد الفضيل بن عياض (187هـ) الذي يعده الحنفية من كبار الأئمة الحنفية، ويقولون: أخذ عن الإمام أبي حنيفة وأخذ عنه الإمام الشافعي روي له البخاري ومسلم (33) .
فقد قال الفضيل بن عياض: "إذا قال لك الجهمي: "أنا أكفر برب ينزل.
فقل أنت: أنا أومن برب يفعل ما يشاء".
7- إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين (233هـ) الذي تجعله الكوثرية من كبار أئمة الحنفية بل تجعله حنفياً متعصباً وتبجله وتعظمه (34) مع أن عدّه حنفياً خطأ، بل هو مجتهد من أئمة أهل الحديث (35) ومع ذلك كله كلام هذا الإمام حجة على الماتريدية والكوثرية - فقد قال هذا الإمام:
"إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل.
فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يريد".
8- ورواية أخرى عن يحيى بن معين تؤيد هذه: "إذا قال لك الجهمي": وكيف ينزل؟ فقل: كيف يصعد؟".
وعلق عليها الذهبي: "الكيف في الحالين منفي عن الله تعالى" (36) .
9- الإمام حماد بن زيد (179هـ) وهو للعراقيين نظير مالك للحجازيين في الجلالة والعلم (37) .
فقد سئل: "يا أبا إسماعيل: الحديث الذي جاء، ينزل الله إلى السماء الدنيا، يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء".
10- الإمام إسحاق بن راهويه عالم خراسان (338هـ):
فقد قال جمعني وهذا المبتدع - يعني إبراهيم بن أبي صالح - مجلس عبدالله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها، فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء".
11- وقد ذكر الإمام أبو الحسين محمد بن أحمد الملطي (377هـ) عن الإمام أبي عاصم خشيش بن أصرم (253هـ) ما فيه عبرة للماتريدية وقمع شبهات الجهمية.
تنبيه:
نصوص هؤلاء الأئمة تبطل شبهة المعطلة القديمة والحديثة وهي: أنه يلزم من النزول الانتقال، والزوال، والأقوال لله تعالى والله منزه عنها.
فأنت ترى نصوص هؤلاء الأئمة ترد كيد الجهمية في نحورهم حيث صرحوا بأن الله يفعل ما يشاء فلا يجوز إبطال صفات الله تعالى بتهولات الجهمية ولا بتسمياتهم المدهشة.
12- الإمام أبو الحسن الأشعري إمام الأشعرية (324هـ) الذي جعله كثير من الحنفية، والكوثري في عداد الحنفية.
فقد أقر أحاديث النزول وجعلها من الأدلة على علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وصنيعه هذا يقطع دابر المحرفين لأحاديث النزول (38) .
13- الإمام ابن عبدالبر (463هـ) فقد قال هذا الإمام بعد ذكر حديث النزول:
"هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، رواه أكثر الرواة عن مالك وهكذا..، وهو حديث منقول من طرق متواترة، ووجوه كثيرة، من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم ...
وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة: وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم:
"إن الله عز وجل في كل مكان، وليس على العرش..." (39) .
14- وقال الحافظ ابن حجر (852هـ) : في حديث النزول:
"ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث إما جهلاً وإما عناداً..." (40) .
قلت: هذه كانت نماذج من درر غرر أئمة الإسلام في صفة "النزول" ونصوصها.
الحاصل: أنه قد تبين للقراء الكرام في ضوء ما عرضنا من نصوص الأئمة الحنفية وغيرهم من أئمة هذه الأمة ما يلي:
1- أن تعطيل صفة النزول وتحريف نصوصها أو إنكارها من بدع الجهمية وأذيالهم.
2- أن السلف الصالح ولاسيما أئمة الحنفية أبو حنيفة وأصحابه القدامى قد أثبتوا لله تعالى صفة النزول، على منهج إثباتهم للصفات الأخرى بلا تكيف ولا تمثيل ولا تأويل، ولا تعطيل...
3- أن الحنفية الماتريدية مخالفون لإمامهم أبي حنيفة وأصحابه الأوائل والسلف عامة وأنهم خارجون على إجماعهم وليس لهم أي صلة بعقيدتهم وأنهم أتباع الجهمية الأولى.
المقام الثاني:
في إبطال شبهاتهم حول نصوص صفة "النزول".
لقد عطل طوائف من المعطلة من الجهمية الأولى إلى الماتريدية صفة نزول الله تعالى وحرفوا نصوصها بأنواع من التأويلات والمجاز فراراً عن التشبيه وتحقيقاً للتنزيه على زعمهم.
فمن تلك التأويلات: أن المراد نزول الأمر، أو نزول الملك.
وركز الكوثري في تحريفاته وتعطيله لصفة النزول على أمور أربعة:
الأول: رواية النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: ((إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً ينادي يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يُعطى)) (41) .
قال الكوثري: "... أو أن يحمل الحديث على المجاز في الطرف أو في الإسناد بل الأخير هو المتعين لحديث النسائي المذكور فيخرج حديث النزول من عداد أحاديث الصفات بالمرة عند من فكر وتدبر تعالى الله عن النقلة التي يقول بها المجسمة" (42) .
الثاني: رواية عن الإمام مالك رواها حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك قال:
"سئل مالك بن أنس عن قول النبي صلى الله عليه وسلم ((ينزل ربنا...)) قال ينزل أمره، كل سحر وأما هو فهو دائم لا يزول وهو بكل مكان".
ودافع الكوثري عن "حبيب" هذا (43) .
الثالث: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى رواها عنه حنبل أنه قال "ينزل قدرته" (44) .
الرابع: أي لفظ الحديث: "يُنْزِل" بضم أوله وكسر الزاي المعجمة من باب الإفعال على حذف المفعول: أي ينزل ملكاً، ويقويه حديث النسائي ((ثم يأمر منادياً)) (45) (46) .
قلت: هذه أربعة معاول للكوثري وقَبْلَه لطوائف المعطلة من الماتريدية وغيرهم هدموا بها نصوص صفة "النزول" وعطلوها بها.
ولنا عن هذه الشُّبَهِ جوابان إجمالي وتفصيلي:
أما الإجمالي:
فنقول: لقد حققنا بالبراهين القاطعة الساطعة الناصعة أن تأويل الصفات
أولاً: دخيل على المسلمين من الجهمية الأولى وليس ذلك من منهج السلف في شيء وأنه بدعة محضة في الإسلام ومخالف لإجماع أئمة هذه الأمة، ولاسيما نصوص الإمام أبي حنيفة وأصحابه الأوائل.
وثانيا: أن التأويل تحريف لنصوص الصفات والتحريف ميراث اليهود.
وثالثاً: أن التأويل تعطيل لصفات الله العليا وإبطالها حتى بنص الإمام أبي حنيفة، إلى غيرها من الوجوه التي ذكرناها لإبطال التأويل.
وقد ذكر شيخ الإسلام والإمام ابن القيم وجوها كثيرة لإبطال تأويل صفة النزول وأن أحاديث النزول نصوص صريحة لا تحتمل التأويل.
وأما الجواب التفصيلي:
فنجيب عن الشبهة الأولى:
أولاً: أن رواية النسائي: ((يأمر منادياً ينادي...)) رواية شاذة مخالفة لما استفاض وتواتر وتلقته الأمة بالقبول من أن القائل: ((من يدعوني.. من يسألني، من يستغفرني...)) هو الله تعالى الذي استوى على عرشه فوق عباده العالي على خلقه وأن الذي ينزل هو الله تعالى ومن المقرر في علم مصطلح الحديث: "أن الضعيف لا يعل به (47) الصحيح. " فلا يصح كون رواية النسائي هذه حاكمة على اللفظ المتواتر المستفيض المتلقى بالقبول المسجل في أمهات دواوين الإسلام من الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها.
ثانياً: أنه لو سلم صحة تلك الرواية فلا منافاة بينها وبين أحاديث نزول الله تعالى، فالله سبحانه وتعالى ينزل هو، كما يأمر ملكاً ينادي أيضاً.
قال شيخ الإسلام: "... فإن هذا إن كان ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن الرب يقول: ذلك ويأمر منادياً بذلك، لا أن المنادي يقول: ((من يدعوني فأستجيب له)) ، ومن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المنادي يقول ذلك فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه - مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي تلقته الأمة خلفاً عن سلف - فاسدٌ في المعقول فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين..." (48) .
والجواب عن الشبهة الثانية:
أن هذه الرواية عن مالك باطلة عاطلة موضوعة مصنوعة فراويها حبيب بن أبي حبيب (218هـ) قال فيه الإمام أحمد: "كان يكذب. وقال أبو داود: "كان يكذب. وقال أبو داود: "كان من أكذب الناس" وقال النسائي وأبو حاتم والأزدي: "متروك الحديث" وقال ابن حبان: "أحاديثه كلها موضوعة، عامة حديثة موضوع المتن مقلوب الإسناد لا يحتشم في وضع الحديث على الثقات، وأمره بين الكذب" وقال النسائي: "يضع الحديث، متروك، أحاديثه موضوعة عن مالك وغيره". وقال محمد بن سهل: "كتبنا عنه عشرين حديثاً وعرضناها على ابن المديني قال: كله كذب" وقال أبو حاتم: "روي عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة"، وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها موضوعة" (49) .
قلت: والكلام فيه واسع الذيل فهل يعتمد الكوثري في تحريف نصوص الصفات وتعطيلها بمثل هؤلاء الكذابين الوضاعين؟؟!! وهذه حقيقة اعترف بها عبدالله الغماري صديق (50) الكوثري ومشربيُّه في البدع.
وقال الإمام ابن القيم : "...؛ فإن المشهور عنه - (أي مالك)- وعن أئمة السلف إقرار نصوص الصفات والمنع من تأويلها... وهذه الرواية لها إسنادان أحدهما من طريق حبيب كاتبه، وحبيب هذا غير حبيب، بل هو كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله، والإسناد الثاني فيه مجهول لا يعرف حاله..." (51) .
والجواب عن الشبهة الثالثة:
أن الإمام ابن القيم رحمه الله ذكر في الجواب عن هذا الرواية عن الإمام أحمد:
أولاً: أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه وأنها غلط عليه فإن حنبلاً تفرد بها عنه، وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه هذا إذا كان في مسائل الفروع فكيف في أصول العقائد؟
وثانياً: أنه لو سلم صحتها تحمل على أن الإمام قد رجع عنها كما هو صريح منه في أكثر الروايات.
وثالثا: أن الإمام قال ذلك على سبيل المعارضة للجهمية القائلين بخلق القرآن، فإنهم لما استدلوا بإتيان القرآن على أنه مخلوق فعارضهم الإمام أحمد إسكاتاً لهم وإلزاماً عليهم أن المراد إتيان ثوابه كما أنكم تقولون في إتيان الله "إتيان أمره" لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به (52) . والله أعلم.
والجواب عن الشبهة الرابعة:
أن تحريف "يَنْزِل" إلى "يُنْزِل" ليس إلا من تحريفات اليهود الكذابين الأفاكين البهاتين على الأنبياء والمرسلين، إن لم نقل أنه شر من تحريفاتهم.
فلم يوجد لفظ "يُنزِلُ" في شيء من كتب السنة ولم يروه أحد من أئمة السنة فليس هذا من حديث سيد المرسلين الذي لا يكون إلا وحياً من رب العالمين بل هو "يُنْزِلُ" من وحي الشيطان لا من وحي الرّحمن؛
فقد انقطع الوحي إلا وحي الشياطين شياطين الفلاسفة والمتكلمين.
قال شيخ الإسلام: "... يعلم أنه من كذب بعض المبتدعين كما روى بعضهم: "يُنْزِل" بالضم، وكما قرأ بعضهم وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] ونحو ذلك من تحريفهم اللفظ والمعنى" (53) .
الحاصل: أن هذه التأويلات كلها من تأويلات الجهمية الأولى التي ورثتها أذيالهم من المعتزلة والماتريدية وغيرهم.
قال شيخ الإسلام: "وهذا تأويل من تأويلاتهم القديمة فإنهم تأولوا تكليم الله لموسى، بأنه أمر ملكاً فكلمه...." (54) .
وقال: "والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتَدَعَةٌ لم يقل أحد من الصحابة شيئاً منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث، أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة...." (55) .
قلت:
وفيما ذكرنا كفاية لمن يطلب الحق ويريد الهداية
أما أهل العناد والتخريف والمكابرة والهوى والتحريف
فلا يُنّبهُهُمْ عن سباتهم إلا نفخةُ الصور لأنهم غريقون عريقون في الديجور

محروم
اليوم, 02:16 PM
: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة "اليدين" لله تعالى وتحريفهم لنصوصها


بيان موقف الماتريدية من هذه الصفة:
من صفات الله تعالى الثابتة له سبحانه بالكتاب والسنة الصحيحة صفة "اليدين" ومذهبُ الماتريدية فيها تبعاً للجهمية الأولى مذهبٌ تعطيلٍ وتحريفٍ.
بشبهة "التشبيه" حيث إنهم فهموا من هذه الصفة ما يفهم من صفات المخلوق فزعموا أن "الوجه" و"العين" و"اليدين" و"اليمين" و"الأصابع" والساق و"القدم" ونحوها أعضاء وجوارح.
فلو قلنا بإثبات ذلك يلزم كونه تعالى متبعضاً متجزياً مركباً، وغير ذلك من اللوازم الباطلة.
وبناء على هذا الفهم عطلوا هذه الصفة وحرفوا نصوصها إلى أنواع من المعاني المجازية بشتى طرق التأويل.
فأما صفة "اليدين"
فقد قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تأويل "اليدين" في تفسير قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 4] "نعمه مبسوطة" (1) .
ومن أشنع تحريفاتهم قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ [ص: 75].
قولهم: "أي خلقته بالذات من غير توسط أب وأم.
والتثنية - (تثنية اليد بذكر اليدين)- لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه الصلاة والسلام" (2) .
وقالوا: المراد من "اليدين" غاية الجود والسخاء (3) .
أو المراد: منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة (4) .
أو كمال القدرة (5) .
وأما صفة "اليد":
فقالوا: المراد من "اليد" النعمة والقدرة (6) .
أو الملك (7) .
أو التصرف (8) .
وأما صفة "اليمين":
فحرفوها إلى "القدرة التامة" (9) .
أو "عظمة الله تعالى" (10) .
وأما صفة "الكف":
فيحرفونها إلى "التدبير" (11) .
وأما صفة الأصابع:
فيحرفونها إلى "القدرة" (12) .
وأما صفة "القبضة":
فيزعمون أن هذا "مجرد تصوير عظمة الله والتوقف على كنه جلاله لا غير من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقيةٍ أو جهةِ مجاز" (13) .
أو أن هذا تمثيل وتخيل لتخريب العالم من غير اعتبار القبضة، واليمين لا حقيقةً ولا مجازاً" (14) .
هذا هو بيانٌ إجماليٌ لمذهب الماتريدية في هذه الصفات ونصوصها والذي يهمنا هو مناقشتنا إياهم في تعطيلهم لصفة "اليدين" وتحريفهم لنصوصها وبإبطال مذهبهم فيها يظهر بطلان مذهبهم في تلك الصفات الأخرى.
فنقول وبالله التوفيق:
مناقشتنا للماتريدية من طريقين: إجمالية، وتفصيلية.
أما المناقشة الإجمالية:
فأولاً: نقول: لقد سبق أن أبطلنا شبهة "التشبيه" في فصل مستقل.
وهي شبهة قديمة للجهمية الأولى واستمرت في أذهان المعطلة إلى يومنا هذا.
وهذا هو الدافع للمعطلة على تعطيل صفات الله تعالى وتحريف ونصوصها.
ثانياً: نقول: إن ما تشبثوا به - من شبهة أن "اليدين" و"اليد" و"الأصابع" ونحوها جوارح وأعضاء.
فلو أثبتنا ذلك لله تعالى يلزم كونه متجزياً متبعضاً متركباً ذا أبعاض وجوارح وأعضاء - باطلٌ قطعاً.
لما ذكرنا أن كل صفة إذا أضيفت إلى موصوفٍ فهي على ما تناسبه وتستحقه وتلائمه حتى باعترافهم.
ومن المعلوم أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا، كالوجه، واليدين والرجلين، ونحوها.
ومنها ما هي معانٍ وأعراضٌ لنا.
كالسمع والبصر والكلام ونحوها.
ونحن وأنتم متفقون على أن "علم الله تعالى" و"بصره" و"سمعه" و"كلامه" ونحوها صفاتٌ لله تعالى وليست أعراضاً له تعالى.
فكذلك قولوا: في "الوجه" و"اليدين" و"الأصابع" ونحوها: إنها صفاتٌ لله تعالى وليست أجساماً ولا جوارح ولا أبعاضاً وأعضاء له سبحانه وتعالى.
وإلا يلزمكم أن تقولوا: إن "سمع الله تعالى"، و"بصره" و"علمه" و"قدرته" ونحوها أعراضٌ قائمةٌ بالله تعالى.
فإذا كنتم لا تعطلون تلك - فلم تعطلون هذه؟.
وإذا عطلتم هذه - يلزمكم أن تعطلوا تلك أيضاً.
لأن الشبهة المذكورة قائمة من النوعين على السواء:
ثالثاً: نقول: لقد بينا تفصيلاً في فصل التأويل أن مقالة تأويل الصفات بدعة في الإسلام وخروج على إجماع سلف هذه الأمة وأئمة السنة، وأنها في الأصل مقالة الكفار راجت على بعض المسلمين من طريق الجهمية الأولى، وأنها تستلزم تعطيل صفات الله تعالى وتحريف نصوصها، وأنها باب إلى زندقة القرامطة الباطنية وإلحادهم، مع كون تعطيل صفات الله تعالى وتحريف نصوصها زندقةً وإلحاداً أيضاً.
وأما المناقشة التفصيلية:
فنقف فيها مع الماتريدية وقفات:
الوقفة الأولى:
أننا قد ذكرنا نصوص الإمام أبي حنيفة (150هـ) وكبار أئمة الماتريدية، كفخر الإسلام البزدوي (482هـ) وشمس الأئمة السرخسي (490هـ) وحافظ الدين النسفي (710هـ) وعلاء الدين البخاري (730هـ) وأبو المنتهى المغنيساوى (كان حيا سنة (939هـ) والملا على القاري (1014هـ) وشيخ زاده (1078هـ) والعلامة الكشميري (1352هـ) على أن تأويل "اليد" بالقدرة أو بالنعمة، يستلزم محذورين:
أحدهما: أنه قول أهل القدر والاعتزال، وليس من قول أهل السنة في شيء.
ثانيهما: أنه إبطال لصفة الله تعالى "اليد" وهو تعطيل وتحريف.
فلا حاجة إلى إعادتها.
وفي ذلك عبرة بالغة للماتريدية لو كانوا يعلمون.
فإن نصوص الأئمة الحنفية وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة صريحة بأن من أول صفةً بصفةٍ أخرى فقط عطل وحرف وخرج من أهل السنة والجماعة والتحق بالجهمية.
فهل يمكن لأحد أن يعد الماتريدية وخلطائهم في عداد أهل السنة والجماعة؟؟.
الوقفة الثانية:
أن الماتريدية وزملاءهم الأشعرية اشترطوا في صحة التأويل أن يكون موافقاً للغة العربية وإلا يكون تحريفاً قرمطياً محضاً.
فنقول لهم: في ضوء اعترافهم أن تأويلاتكم لصفة "اليدين" ونحوها، وتحريفها إلى النعمة والقدرة ونحوها، من قبيل تأويلات الباطنية، ولا تساعدها اللغةُ البتة. بل ورود الكف، والأصابع، والقبضة، واليمين، ولفظ اليدين بصيغة التثنية، ولفظة "بيدي" بعد لفظة "خلقت" يمنع إرادة التأويل ويدفع المجاز ويعين إرادة الحقيقة بلا شك.
ولأجل هذه النكتة استدل أئمة السنة بعدة أحاديث على إثبات اليدين حقيقةً لله تعالى()، فإنه لم يرد لفظه "اليد" فقط بل ورد معها ما يتعلق باليد من الكف، والقبضة، والأصابع، واليمين، كما ورد "اليدان" بصيغة التثنية.
ولا يقال في اللغة العربية: "علمته بيديّ" إلا إذا باشر ذلك العمل بيديه.
والكلام يحمل على الحقيقة على ما هو الأصل ولو لم يكن قرائن الحقيقة، فكيف إذا تظافرت القرائن الموجبة لحمله على الحقيقة.
وإلا لكان هذا مستلزماً لإفساد نظام اللغة وإبطال التفاهم بين الناس وقلب الحقائق وتبديل الشرائع وهذا هو هدف الباطنية.
وإليك أيها القارئ الكريم نصوصاً لبعض كبار الأئمة الذين يعترف الماتريدية بفضلهم لتكون شاهدةً لما قلنا وحجةً قاهرة باهرةً على الماتريدية:
1- قال الإمام أبو الحسن الأشعري (324هـ) بعد ما ذكر أدلة كثيرة على إثبات اليدين لله تعالى:
"... ولا يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: "عملت كذا بيدي" ويعنى به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولاً في خطابها وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: "فعلت بيدي" ويعني به النعمة - بطل أن يكون معنى قوله تعالى: بِيَدَيَّ النعمة.
وذلك أنه لا يجوز أن يقول: القائل: "لي عليه يدي" بمعنى لي عليه نعمتي"، ومن دفاعنا عن استعمال اللغة، ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها - دوفع عن أن تكون "اليد" بمعنى "النعمة"، إذ كان لا يمكن أن يتعلق في أن "اليد" "النعمة" إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت "اليد" "نعمة" من قبلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: بِيَدَيَّ بنعمتي؛ فليس المسلمون على ما ادعى متفقين،
وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: "بيديّ" "نعمتيّ"، وإن لجأ إلى وجه ثالث وسألناه عنه، ولن يجد له سبيلاً..." (15) .
قلت: قد تقدم مراراً أن الحنفية ومنهم الكوثرية ذكروا الإمام الأشعري في عداد الحنفية فلا أدري ماذا يصنعون به على يرمونه بالوثنية والتجسيم والتشبيه؟؟!!.
2- الإمام القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (403هـ) الذي يعظمه الكوثري بأنه لسان الأمة وسيف السنة، وأنه لا يوجد في كلامه مجازاةٌ للحشوية وإيهام التجسيم والتشبيه، بل هو من الصرحاء في التنزيه البات (16) .
فقد ذكر تأويلات الجهمية وتحريفاتهم لصفة "اليدين" ثم قال: "يقال لهم: هذا باطل لأن قوله "بيدي" يقتضي إثبات اليدين هما صفة له فلو كان المراد بها القدرة لوجب أن يكون له قدرتان.
وأنتم لا تزعمون أن لله سبحانه قدرة واحدة فكيف يجوز أن تثبتوا له قدرتين؟؟
وقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان فبطل ما قلتم.
وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين، لأن نعم الله تعالى على آدم وعلى غيره لا تحصى.
ولأن القائل: لا يجوز له - أن يقول: رفعت الشيء بيدي أو وضعته بيدي أو توليته بيدي وهو يعني "نعمته".
وكذلك لا يجوز أن يقال: "لي عند فلان يدان" يعني "النعمتين" وإنما يقال: "لي عنده يدان بيضاوان"، لأن القول: "يد" لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة للذات.
ويدل على فساد تأويلهم أيضاً أنه لو كان الأمر على ما قالوه، لم يغفل عن ذلك إبليس وعن أن يقول: "وأي فضل لآدم عليّ يقتضي أن أسجد له؟ وأنا أيضاً بيدك خلقتني التي هي قدرتك، وبنعمتك خلقتني.
وفي العلم بأن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه دليل على فساد ما قالوه" (17) .
قلتُ: هذا هو كلام الباقلاني الذي ليس عنده مجاراة للحشوية وهو صريح في التنزيه البات عند الكوثري، وقد عرفت أنه صريح في إثبات "اليدين" لله تعالى.
3- ومثله كلام مهم للإمام أبي الحسن علي بن خلف الكبري المعروف بابن بطال (449هـ) ذكر نص كلامه الحافظ ابن حجر وأقره (18) .
4- وقال الإمام أبو محمد عبدالواحد السفاقسي المالكي المعروف بابن التين (611هـ):
"قوله: "وبيده الأخرى الميزان" يدفع تأويل اليد هنا بالقدرة، وكذا قوله في حديث ابن عباس رفعه: (( أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين)) الحديث (19) .
وقريب من كلام هؤلاء كلام ابن فورك والبيهقي (20) ولعل كلامهم مأخوذ من كلام ابن خزيمة (21) .
فهؤلاء كلهم يثبتون صفة اليدين له تعالى بدون تأويل، فهل هؤلاء مشبهة وثنية؟.
الوقفة الثالثة:
في ذكر بعض النصوص القرآنية والحديثية الدالة على تحقيق صفة "اليدين" التي لا تحتمل المجاز إطلاقاً.
والتي استدل بها كبار أئمة الإسلام وأساطين الكلام الذين يعظمهم الماتريدية ولا يمكن لهم أن يرموهم بالوثنية والتجسيم والتشبيه، على أقل التقدير.
أمثال البخاري (256هـ ) والأشعري (324هـ) والباقلاني (403هـ) وابن فورك (406هـ) والبيهقي (458هـ) لتتم الحجة على الماتريدية ولا يبقى لهم عذر.
أ- فمن كتاب الله تعالى:
1- قوله سبحانه وتعالى في الرد على اليهود: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة: 64].
فهذه الآية الكريمة صريحة في إثبات "اليدين" له تعالى، كما تدل على أن اليهود كانوا معترفين بإثبات اليد لله تعالى غير أن الله تعالى رد عليهم في نسبتهم النقص إلى يد الله تعالى بأنها مغلولة فقال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [ المائدة:64] فكذبهم في مقالتهم.
قال الإمام ابن خزيمة (311هـ) "وافهم ما أقول من جهة اللغة تفهم وتستيقن أن الجهمية مبدلة لكتاب الله، لا متأولة قوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [ المائدة:64] لو كان معنى "اليد" النعمة - كما ادعت الجهمية - لقرئت: (بل يداه مبسوطة)، أو منبسطة، لأن نعم الله أكثر من أن تحصى، ومحال أن تكون نعمة نعمتين لا أكثر - فلما قال عز وجل: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [ المائدة:64] كان العلم محيطاً أنه أثبت لنفسه يدين لا أكثر منها... بيقين يعلمُ كل مؤمن أن الله لم يرد بقوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ أي غلت نعمهم لا ولا اليهود أن نعم الله مغلولة، وإنما رد الله عليهم مقالتهم وكذبهم في قولهم: يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ وأعلم المؤمنين أن يديه مبسوطتان" (22) .
2- قوله تعالى: يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ [ص: 7].
فهذه الآية صريحة في إثبات اليدين لله على الحقيقة وتمنع احتمال كل تأويل ومجاز قال الإمام ابن خزيمة: "وزعم بعض الجهمية أن معنى قوله: "خلق الله آدم بيديه": أي بقوته فزعم أن "اليد" هي القوة، وهذا من التبديل أيضاً، وهو جهل بلغة العرب، والقوة إنما تسمى "الأيد" في لغة العرب، لا "اليد" فمن لا يفرق بين "الأيد" و"اليد" فهو إلى التعليم والتسليم إلى الكتاتيب أحوج منه إلى الترؤس والمناظرة.
قد أعلمنا الله عز وجل أنه خلق السماء بأيد، و"اليد واليدان" غير "الأيد" إذ لو كان الله خلق آدم بأيد كخلقه السماء دون أن يكون الله خص خلق آدم بيديه لما قال: لإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.
ولا شك ولا ريب أن الله عز وجل قد خلق إبليس - عليه لعنة الله - أيضاً بقوته، أي إذا كان قوياً على خلقه فما معنى قوله: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص:75] ؟.
عند هؤلاء المعطلة، والبعوض، والنمل، وكل مخلوق فالله خلقهم عنده بأيد وقوة" (23) .
3- قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: 67].
فهذه الآية تدل دلالة واضحة على إثبات اليمين لله تعالى كما تدل على إثبات يده الأخرى بطريق الإشارة وكلتا يدي ربنا يمين وسياق هذه الآية أيضاً لا يحتمل التأويل والمجاز، ونكتفي بذكر هذه الآيات الثلاثة وإلا فالآيات في الباب كثيرة.
قال الإمام ابن خزيمة: "وزعمت الجهمية المعطلة، أن معنى قوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] أي النعمتان، وهذا تبديل لا تأويل.
والدليل على نقض دعواهم هذه أن نعم الله كثيرة لا يحصيها إلا الخالق الباري، ولله يدان لا أكثر منهما... فمن زعم أنه خلق آدم بنعمته كان مبدلاً لكلام الله تعالى.
وقال الله عز وجل: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الزمر:67] .
أفلا يعقل أهل الإيمان: أن الأرض جميعاً لا تكون قبضةَ إحدى نعمتيه يوم القيامة، ولا أن السموات مطويات بالنعمة الأخرى؟.
ألا يعقل ذوو الحجا من المؤمنين، أن هذه الدعوى التي يدعيها الجهمية جهل أو شر من الجهل؟!! بل الأرض جميعاً قبضة ربنا جل وعلا بإحدى يديه يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وهي اليد الأخرى وكلتا يديه يمين" (24) .
هذه كانت نماذج من النصوص القرآنية الصريحة في إثبات صفة "اليدين لله تعالى التي لا تقبل التأويل.
ب- من السنة الصحيحة المحكمة الصريحة:
1- قوله صلى الله عليه وسلم من حديث أنس في الشفاعة الكبرى: ((يا آدم أما ترى الناس خلقك الله بيديه، وأسجد لك ملائكته)) (25) . الحديث.
2- وقوله صلى الله عليه وسلم في تحاجّ آدم وموسى عليهما السلام: ((قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده)) (26) .
3- وقوله صلى الله عليه وسلم: ((يد الله ملأى)) (27) وفي رواية ((يمين الله)) ((لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار... وبيده الأخرى الميزان، يخفض ويرفع)) (28) .
4- وقوله صلى الله عليه وسلم: ((يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)) (29) .
5- ومثله من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
6- وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فُولُوُّه أو فصيله)) (30) .
7- وقوله صلى الله عليه وسلم: ((تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلاً لأهل الجنة)) (31) . الحديث

محروم
اليوم, 02:17 PM
الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة الكلام


لقد سبق أن ذكرنا أن الدافع للماتريدية وغيرهم من فرق المعطلة على تعطيل صفات الله تعالى ومنها صفة "الكلام".
وهو أنهم فهموا منا ما يُفْهَمُ من صفات الخلق.
1- فظنوا أن الكلام لا يكن إلا بآلة وجارحة من لسان وشفتين وفم والأسنان والحلق، وهذه الشبهة هي بعينها التي عرضت للجهم إمام الجهمية، بشهادة الإمام أحمد.
2- وتبعهم في ذلك الماتريدية، فقالوا: لو ثبت لله تعالى الكلام اللفظي لزم كون الله محلاً للحوادث والأعراض.
ولا يخلو أن يكون المسموع عرضاً (1) .
وهذه الحروف مخلوقة لأنها أصوات وهي أعراض لا دوام لها وهي قائمة بمحالها التي هي اللسان واللهوات والحلق (2) .
3- الحلق هذا الوهم الفاسد عطلوا صفة "الكلام" وحرفوا نصوصها بأن المراد من الكلام "الكلام النفسي" لا "الكلام اللفظي" (3) .
4- وتعريف الكلام النفسي عندهم:
"ما هو قائم بالله بشيء واحد ليس له بعض ولا عدد ولا له نهاية ولا بداءة" (4) .
وهو المعنى القائم بذات المتكلم، وهو المعنى الذي يدبره المتكلم في نفسه ويعبر عنه بهذه الألفاظ المتركبة عن الحروف... وهذه العبارات ليست بكلام وإجراؤها على اللسان ليس بتكلم، بل هي عبارات عن الكلام والكلام... هو المعنى القائم بالنفس غير أن هذه العبارات تسمى كلاماً لدلالتها على الكلام... (5) .
"إن الله تعالى متكلم بكلام واحد وهو صفة له أزلية ليست من جنس الحروف والأصوات، وهي صفة منافية للسكوت والآفة.
والله متكلم بها آمر، ناه مخبر، وهذه العبارات دالة عليها.
وتسمى العبارات كلام الله تعالى على معنى أنها عبارات عن كلامه الأزلي القائم بذاته وهو المعنى بقولنا القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق (6) وقالوا: إن الله لم يتكلم بكلمة "كن" بل المراد سرعة التكوين.
وقالوا: "صانع العالم متكلم بكلام واحد أزلي قائم بذاته ليس من جنس الحروف والأصوات غير متجزئ مناف للسكوت والآفة والخرس.
وهو به آمرناه مخبرٌ...، وهذه العبارات مخلوقة لأنها أصوات وهي أعراض، وسميت كلام الله لدلالتها عليه.
-والكلام النفسي- إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل.
فاختلفت العبارات لا الكلام، كما نسمي الله بعبارات مختلفة، مع أن ذاته واحدة" (7) .
5- وأن القرآن الكريم العربي مخلوق بل مخلوق (8) لفظه ومعناه (9) .
6- ويقولون: لا يجوز أن يقال: القرآن غير مخلوق.
لئلا يتبادر الذهن إلى الألفاظ والحروف.
بل يقال: القرآن كلام الله غير مخلوق.
فيكون الحكم بكونه غير مخلوق على "كلام الله" لا على "القرآن".
قال أبو المعين النسفي (508هـ):
"... وهذه الألفاظ تسمى قرآناً، وكلام الله ليُؤدَّى كلام الله تعالى بها، وهي في أنفسها مخلوقة، والكلام الذي هو صفة الله تعالى ليس بمخلوق.
ومشايخنا من أئمة سمرقند - الذين جمعوا بين علم الأصول والفروع -
كانت عبارتهم في هذا أن يقولوا: "القرآن كلام الله وصفته، وكلام الله غير مخلوق، وكذا وصفه "ولا يقولون على الإطلاق:
"إن القرآن ليس بمخلوق".
لئلا يسبق إلى وهم السامع أن هذه العبارات المتركبة من الحروف والأصوات ليست بمخلوقة، كما يقوله الحنابلة... (10) .
قلت: فالقرآن عندهم قرآنان قرآن بمعنى الكلام النفسي، وهو غير مخلوق، وقرآن موجود عند الناس وهو الحروف فهو حادث مخلوق (11) .
وقال التفتازاني فيلسوف الماتريدية (279هـ) بدون حياء جهاراً دون إسرارٍ في شرح كلام عمر النسفي: "والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق".
"وعقب القرآن بكلام الله تعالى لما ذكر المشايخ (أي الماتريدية)- من أنه يقال: "القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق" ولا يقال: "القرآن غير مخلوق".
لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم، كما ذهبت إليه الحنابلة جهلاً وعناداً؛
وأقام - (النسفي)- غير المخلوق "مقام" غير الحاديث "تنبيهاً على اتحادهما..." (12) .
7- ويقولون بدون حياء ولا حشمة: إنه لا خلاف بينهم وبين المعتزلة في كون القرآن مخلوقاً، وإنهم جميعاً متفقون على القول بخلق القرآن (13) .
8- غير أن المعتزلة لا يعترفون بالكلام النفسي (14) .
قال التفتازاني (792هـ) فيلسوف الماتريدية، والكوثري مجددهم.
"وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم - (أي المعتزلة) - يرجع إلى إثبات الكلام النفسي، ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف – (ولا بعدم كونها مخلوقة) - وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي" (15) .
وقال متكلم الماتريدية الهندية عبدالعزيز الفريهاري كان حياً (1239هـ) لتحقيق الأخوة بين الماتريدية وبين المعتزلة:
"وإن لم يختلف الفريقان في إثبات النفسي ونفيه فلا نزاع،
فإنا إذا قلنا: "القرآن غير مخلوق" أردنا النفسي.
وإذا قلنا: "القرآن مخلوق" أردنا اللفظي.
فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف.
بل بحدوثه كما قالت المعتزلة.
وهم لا يقولون بحدوث النفسي.
بل ينكرون وجوده، ولو ثبت عندهم لقالوا بقدمه مثل ما قلنا.
فصار محل البحث، هو أن النفسي ثابت أم لا؟" (16) .
9- وقالوا بدون حياءٍ جهاراً دون إسرارٍ: "إن الكلام يطلق على الكلام النفسي فمعنى كونه كلام الله أنه صفته، ويطلق على اللفظي الحادث المؤلف من السور والآيات ومعنى إضافته إلى الله: أنه مخلوق لله ليس من تأليفات المخلوقين" (17) .
وقال الفريهاري: في توجيه إضافة القرآن إلى الله تعالى ومعنى كونه كلام الله، مفسراً لكلام التفتازاني.
"أراد - (يعني التفتازاني)- أنه - (أي القرآن)- مخلوقٌ لله تعالى، بلا توسط كاسب من المخلوقين إما بإيجاد الصوت حتى يسمعه الملك أو الرسول، وإما بإيجاد النقوش في اللوح، وإما بخلق إدراك الحروف في قلب الملك أو الرسول وإما بخلق الحروف في لسانه بلا اختياره" (18) .
بل صرح أبو المعين النسفي (508هـ) بأن الله تعالى خلق صوتاً وحروفاً فأسمع جبريل كلامه بذلك الصوت والحروف فحفظه جبرائيل ونقله إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وكلام الله قديم لا بحرف ولا صوت (19) .
وقال الكوثري مجدد الماتريدية ورافع لواء الجهمية والقبورية:
"والواقع أن القرآن في اللوح المحفوظ وفي لسان جبريل عليه السلام وفي لسان النبي صلى الله عليه وسلم وألسنة سائر التالين وقلوبهم وألواحهم مخلوق..." (20) .
وهكذا سايرهم الشيخ محمد عبده ماتريدي الأزهر (21) .
قلت: هذا شبيه بكلام الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [ المدثر:25] .
وقالوا: إن القرآن الكريم ليس كلام الله على الحقيقة وإنما هو كلام مجازيٌ؛ لأنه دال على كلام الله النفسي، فالكلام الحقيقي هو ذلك النفسي وأما اللفظي هو عبارة عنه (22) .
وقال أبو اليسر البزدوي (493هـ).
"كلام الله تعالى قائم به وكذا كلام كل متكلم.
وهذه السور التي لها نهاية وبداية وعدد وأبعاض.
ليس بكلام الله تعالى على الحقيقة.
بل هو منظوم نظمه الله تعالى وهو دال على كلام الله تعالى.
كمنظوم "امرئ القيس".
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل

منظوم امرئ القيس "دال على كلامه، وليس هو كلامه، وكذا خطبة كل خطيب ورسالة كل مرسل منظوم دال على كلامه وليس نفس كلامه كذا هذا" ثم صرح بأن القرآن مخلوق في اللوح أو في ملك وهو كلام الله مجازاً لا حقيقة (23) .
10- واستدلوا لتحقيق الكلام النفسي ببيت مصنوع موضوع على العرب والعربية - منسوب إلى الأخطل النصراني الكافر المختل العقل المضطرب الكلام.
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا (24)

وقبله:
لا يعجبنك من أمير خطبة حتى يكون مع الكلام أصيلا (25)

11- وإذا قرروا القول بأن كلام الله هو الكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت - قالوا باستحالة سماع كلام الله تعالى.
وصرحوا بأن موسى عليه السلام لم يسمع كلام الله تعالى.
وإنما سمع صوتاً مخلوقاً في الشجرة.
وقالوا: إنما سِمّى موسى عليه السلام "كليم الله" لأنه سمع صوتاً دلاً على كلام الله بدون واسطة الملك. وتقدم الكلام على هذا.
12- وبهذا تبين فساد زعم العلامة الآلوسي أن الماتريدي يرى أن موسى عليه السلام - سمع كلام الله بحرف وصوت (26) لأن الماتريدي والماتريدية لا يجوزون حرفاً، ولا صوتاً في كلام الله ولا سماعه.
ولذا ذكر الإمام ابن أبي العز: أن أبا منصور الماتريدي يرى أن كلامه تعالى يتضمن معنى قائماً بذاته هو ما خلقه في غيره (27) .
13- وإذا قرروا القول بخلق القرآن.
قالوا بخلق أسماء الله الحسنى بطبيعة الحال. وتقدم ذلك أيضاً.
14- وإذا قرروا ما سبق.
فطبيعة الحال لا يثبتون لله تعالى صفة "التكليم" ولا صفة "التكلّم" ولا صفة "النداء" ولا صفة "الصوت" بالمعاني المتعارفة الحقيقية المتبادرة إلى الإذهان السليمة بل لابد لهم من أن يحرفوا نصوصها إلى "الكلام النفسي".
15- الحاصل: أن موقف الماتريدية من صفة "كلام" الله تعالى مركب من إلحاد على إلحاد وبدعة على بدعة، وتعطيل على تعطيل.
وكانت الجهمية الأولى اكتفوا ببدعة واحدة وهي بدعة القول بخلق القرآن.
16- ولكن الماتريدية جمعوا بينها وبين بدعة أخرى وهو القول بالكلام النفسي.
17- وارتكبوا مع جمعهم بين هاتين البدعتين الشنيعتين شناعة وفظاعة أخرى وهي تحريف نصوص الكتاب والسنة بل تصريحات سلف هذه الأمة وأئمة السنة إلى بدعة "الكلام النفسي".
18- وامتازت الماتريدية عن خلطائهم الأشعرية ببدعة رابعة وهي بدعة القول بعدم جواز سماع كلام الله تعالى.
19- ولهم ميزة أخرى لا توجد عند عامة زملائهم الأشعرية وهي أنهم أصرح وأجهر بالقول بخلق القرآن، فقد تقدم أن القرآن عندهم قرآنان:
قرآن بمعنى الكلام النفسي، فهذه صفة لله تعالى غير مخلوقة. وقرآن بمعنى الكلام اللفظي فمعنى كونه كلام الله أنه تصنيف لله ومخلوق له مباشرة بدون واسطة.
ومعنى كون موسى كليم الله أنه سمع صوتاً مخلوقاً بلا واسطة الملك أما بقية الأنبياء فهم سمعوا الأصوات المخلوقة بالواسطة.
أما الأشعرية، فربما تعلوهم الحشمة وتأخذهم التقية ويمنعهم الحياء من الجهر بالقول بخلق القرآن فاكتفوا بالقول بخلق القرآن في مقام التعليم ليجعلوا أطفالهم وتلاميذهم أشعرية جهمية (28) .
أما الماتريدية فلا يبالون بمقام التعليم ليجعلوا أطفالهم وطلابهم ماتريدية جهمية بلا حشمة ولا تقية ولا حياء.
20- فهم أولى بالجهمية الأولى وأبعد من الإمام أبي حنيفة وأصحابه القدامى وغيرهم من أهل السنة في هذا الباب.
كيف لا وغالب أئمة الجهمية كانوا من الحنفية بشهادة الإمام أحمد واعتراف الكوثري، وفيهم أمثال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة (212هـ) الكذاب البهات على أبيه وجده وبشر المريسي (228هـ) رافع لواء الجهم بعده، وإمام المريسية.
وابن شجاع البلخي (266هـ) الوضاع الأفاك الذي فعل الأفاعيل وارتكب الأباطيل.
وابن سينا القرمطي (428هـ) وعلى آخرهم الكوثري (1371هـ).
ومن سايره من الكوثرية وبعض الديوبندية.
وبعد أن عرفنا مذهب الماتريدية في "كلام الله" تعالى ننتقل إلى المقامات الآتية لبيان بطلان مذهبهم هذا والله المستعان على ما يصفون.
المقام الثاني:
في إبطال الكلام النفسي:
القول بالكلام النفسي من إحدى حماقات أهل الكلام ومحاولاته كالقول بالأحوال والقول بنفي علو الله تعالى، والقول بأن ما وراء العالم لا خلاء ولا ملاء وغيرها مما صدر عن هؤلاء السفهاء مجانين العقلاء وهي خزعبلات لا تصدر عن عقلاء المجانين فضلاً عن العقلاء ولا يقرها عقل ولا نقل، ولا إجماع، ولا عرف ولا لغة ولا فطرة.
ومن تلك الأباطيل قولهم ببدعة "الكلام النفسي" وهو باطل من وجوه متعددة نذكر منها ما يلي:
الوجه الأول إلى الوجه السابع:
أن "الكلام النفسي" الذي ذكروه ووصفوه شيء لا يقره عقل صريح ولا نقل صحيح، ولا فطرة سليمة، ولا إجماع بني آدم، ولا عرف، ولا لغة مع كونه قولاً متناقضاً في نفسه ومذهباً مضطرباً من أصله وهو أمر لم يتصوره أصحابه فضلاً عن أن يثبتوه فهذه ستة وجوه.
ولم يعرفه أحد من بني آدم: لا عربهم، ولا عجمهم، ولا مسلمهم، ولا كافرهم، ولا علماؤهم، ولا جهالهم، ولا رجالهم، ولا نساؤهم، ولا الأنبياء والمرسلون، ولا الصحابة والتابعون، ولا الفقهاء والمحدثون، بل ولا الفلاسفة اليونانية، ولا المعتزلة، ولا الجهمية؛ فلم يعرفه أحد عبر القرون والأعصار ولا قاله أحد من أهل القرى والأمصار.
وأول من عرف عنه القول بالكلام النفسي هو ابن كلاب (بعد 240هـ).
وأنكر عليه أهل السنة وأهل البدعة جميعاً لكونه قولاً ثالثاً بين قولين، خارقاً لإجماع الفريقين.
ثم دبت هذه البدعة الدهماء الظلماء الشنعاء إلى الماتريدية والأشعرية لأن بني آدم جميعاً قبل هؤلاء وبعدهم كانوا يفهمون أن الكلام هو اللفظ الدال على المعنى وأن يكون بحرف وصوت يسمع، وهذا بمجموعه وجه سابع، فهذه وجوه سبعة.
وفيما يلي بعض نصوص أئمة السنة لتفصيل هذه الوجوه السبعة الدالة على إبطال هذه البدعة:
1- قال الحافظ أبو نصر السجزي الوائلي الحنفي (444هـ).
"اعلموا - أرشدنا الله وإياكم - أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب (240هـ)
والقلانسي والأشعري (324هـ) وأقرانهم.
- الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم بل أخس حالاً منهم في الباطن - (في)- أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق.
وإن اختلفت به اللغات.
وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات.
وقالوا: "الكلام حروف متنسقة وأصوات مقطعة.
وقالت: (يعني علماء العربية) - "الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى...، فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً.
فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل - وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه.
ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعماً منهم أنها أخبار آحاد وهي لا توجب علماً - وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون.
ولابد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض.
وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله تعالى؛ لأن ذات الله تعالى لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض والحركة والسكون، وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.
وقالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما نقول: "خلق الله، وعبدالله، وفعل الله...".
فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام، لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل.
فالتزموا ما قالته المعتزلة، وركبوا مكابرة العيان، وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر.
وقالوا للمعتزلة: "الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام.
وإنما سمي ذلك كلاماً مجازاً لكونه حكايةً أو عبارةً عنه.
وحقيقة الكلام: معنى قائمُ بذات المتكلم.
فمنهم من اقتصر على هذا القدر.
ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه:
"ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام".
ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم.
وإثبات اللغة فيه تشبيه، وتعلقوا بشبهٍ منها قول الأخطل.
إن البيان من الفؤاد إنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فغيروه وقالوا: "إن الكلام من الفؤاد...".
فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا:
"الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به".
ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام.
وهذه المقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه.
ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله - لم يناظر بل يجانب ويقمع" (29) .
2- وقال هذا الإمام السجزي الوائلي الحنفي أيضاً:
"... فإن ارتكبوا العظمى وقالوا: "كلام الله شيء واحد على أصلنا لا يتجزأ، وليس بلغة، والله سبحانه من الأزل إلى الأبد متكلم بكلام واحدٍ لا أول له ولا آخر... والتكثر - إنما يرجع إلى العبارة لا إلى المعبر عنه".
قيل له: قد بينا مراراً كثيرة - أن قولكم في هذا الباب فاسد، وأنه مخالف للعقليين، والشرعيين جميعاً (يعني أهل البدعة وأهل السنة)،
وأن نص الكتاب، والثابت من الأثر قد نطقا بفساده.
قال الله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل: 40]
فبين الله أنه يقول: للشيء "كن" إذا أراد كونه،
فعلم بذلك أنه لم يقل للقيامة بعد: "كوني"...
فبين الله جل جلاله: أنه قال لآدم بعد خلقه من تراب: "كن".
وأنه إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون..." (30) .
قلت: أما هؤلاء الجهمية الماتريدية المحرفة فلا يؤمنون بهذا الذي صرح الله تعالى به من قوله "كن".
فقد صرح كبيرهم أبو منصور الماتريدي قائلاً: "ليس هو قول من الله أن "كن" بالكاف والنون، ولكنه عبارة بأوجز كلام يؤدي المعنى التام المفهوم.." (31) .
وهكذا الماتريدية بعد أبي منصور الماتريدي صرحوا بأنه ليس هناك قول "كن" وإنما هو مجاز وتمثيل عن "سرعة التكوين" (32) .
قلت: هذه المقالة والله - تعطيل بواح وتكذيب صراح لكتاب الله وخالفهم فخر الإسلام وقال: كلمة "كن" تكلّم الله بها حقيقة لا مجازا، فشفى واشتفى" (33) .
وهذا هو أبو منصور الماتريدي الذي يلقبونه "بإمام الهدى، وعلم الهدى ومصحح عقائد المسلمين، ورئيس أهل السنة، وناصر السنة، وقامع البدعة، ومحيي الشريعة، وقدوة أهل السنة، ورافع أعلام السنة، وقالع أضاليل الفتنة والبدعة، ومهدي هذه الأمة وإمام أهل السنة"، كما تقدم في ترجمته. كما لقبوه "بشيخ الإسلام" (34) .
وللإمام أبي الحسن الأشعري (324هـ) كلام متقن وحجج عقلية وبراهين سمعية، تقطع دابر هؤلاء المنكرين لقول الله تعالى "كن" (35) .
3- وقال شيخ الإسلام:
"وفي الجملة: حيث ذكر الله في كتابه عن أحد من الخلق من الأنبياء أو أتباعهم أو مكذبيهم: "أنهم قالوا، ويقولون: وذلك قولهم، وأمثال ذلك -
فإنما يعني به "المعنى مع اللفظ،
فهذا اللفظ وما تصرف منه من فعل ماض ومضارع وأمر ومصدر واسم فاعل، من لفظ القول والكلام ونحوهما.
إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب -
إذا كان لفظاً ومعنىً وكذلك أنواعه، كالتصديق والتكذيب، والأمر والنهي وغير ذلك.
وهذا مما لا يمكن أحداً جحده، فإنه أكثر من أن يحصى.
ولم يكن في مسمى "الكلام" نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم لا من أهل السنة، ولا من أهل البدعة.
بل أول من عرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام المعنى فقط.
هو عبدالله بن سعيد بن كلاب.
وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل.
وقد أنكر ذلك عليه علماء السنة وعلماء البدعة.
فيمتنع أن يكون الكلام الذي هو أظهر صفات بني آدم.
كما قال الله تعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُون [الذاريات: 23]
ولفظه لا تحصى وجوهه كثرةً -
ولم يعرفه أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاء من قال فيه قولاً لم يسبقه أحداٌ من المسلمين" (36) .
4- وقال: "وإذا كان الله إنما أنزل القرآن بلغة العرب.
فهي لا تعرف التصديق والتكذيب وغيرها من الأقوال إلا ما كان "معنى ولفظاً"، أو"لفظاً" يدل على معنى..." (37) .
5- وقال شيخ الإسلام أيضاً: بعد ما ذكر هذيانهم في "الكلام النفسي" من "أنه معنى واحد إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة:
"وجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك، وقالوا: إن فساد هذا معلوم بصريح العقل.
فإن التوراة إذا عربت لم تكن القرآن.
ولا معنى "قل هو الله أحد" هو معنى "تبت يدا أبي لهب..." (38) .
6- وقال بعد ما ذكر هذيانهم المذكور من "أن الكلام معنى واحد قائم بنفس الله إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية، كان إنجيلاً، وأن القرآن العربي لم يتكلم الله به، بل وليس هو كلام الله وإنما خلقه في بعض الأجسام":
"جمهور الناس من أهل السنة وأهل البدعة يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار وإن معاني "القرآن" ليست هي معاني "التوراة" وليست معاني "التوراة" المعربة هي "القرآن" ولا "القرآن" إذا ترجم بالعبرية هو "التوراة" ولا "حقيقة" الأمر هي حقيقة "الخبر..." (39) .
7- وقال في إبطال قولهم: "إن الكلام معنى واحد":
"فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين بل جمهور العقلاء عليهم، وأنكر الناس عليهم أموراً:
أ- إثبات معنى واحدٍ هو الأمر والخبر.
ب- وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به.
ج- وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله.
د- وأن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عبارتها، فإذا عبر عن "التوراة" بالعربية كان هو "القرآن".
هـ- وأن الله لا يقدر أن يتكلم.
و- ولا يتكلم بمشيئته واختياره.
ز- وتكليمه لمن كلمه من خلقه - كموسى وآدم - ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم فالتكليم هو خلق الإدراك فقط.
ح- ومنهم من يقول: بل كلام الله لا يسمع بحال....
وجمهور العقلاء يقولون: إن هذه الأقوال معلومة الفساد بالضرورة....
ط- وكذلك من قال: لا يتكلم إلا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة...،
فجمهور العقلاء يقولون: إن قول هؤلاء أيضاً معلوم الفساد...،
ي- من قال: إن الصوت المسموع من القارئ قديم، أو يسمع منه صوت قديم ومحدث فهذا أظهر فساداً من أن يحتاج إلى الكلام عليه..." (40) .
8- وقال شيخ الإسلام أيضاً في صدد إبطاله للكلام النفسي:
"... لأن إثبات كلام يقول بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
فيقال للمحتج بها - (أي بالحجة العقلية) - لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاماً يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته.
فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئاً لا يعقل؟.
وأيضاً فقولك: لو لم يتصف بالكلام لا تصف بالخرس والسكوت".
إنما يعقل في الكلام بالحروف والأصوات.
فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلماً.
فإما أن يكون قادراً على الكلام ولم يتكلم وهو الساكت،
وإما أن لا يكون قادراً عليه وهو الأخرس.
وأما ما يدعونه من "الكلام النفسي".
فذاك لا يعقل أن من خلا عنه كان ساكتاً أو أخرس.
فلا يدل - بتقدير ثبوته - على أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتاً أو أخرس.
وأيضاً فالكلام القديم "النفساني" الذي أثبتموه.
لم تثبتوه ما هو؟ بل ولا تصورتموه.
وإثبات الشيء فرع تصوره.
فمن لم يتصور ما يثبته - كيف يجوز أن يثبته ؟!.
ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب - رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة - لا يذكر في بيانها شيئاً يعقل.
بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس.
والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام.
فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه.
أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام.
وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس، فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه.
بل هم في "الكلام" يشبهون النصارى في "الكلمة".
وما قالوه في "الأقاليم" و"التثليث" و"الاتحاد".
فإنهم يقولون: ما لا يتصورونه ولا يبينونه،
والرسل عليهم السلام إذا أخبروا بشيء ولم نتصوره وجب تصديقهم.
وأما ما يثبت بالعقل فلابد أن يتصوره العاقل به، وإلا كان قد تكلم بلا علم، فالنصارى تتكلم بلا علم، فكان كلامهم متناقضاً ولم يحصل لهم قول معقول.
كذلك من تكلم في كلام الله بلا علم كان كلامه متناقضاً، ولم يحصل له قول يعقل، ولهذا كان مما يشنع به على هؤلاء أنهم احتجوا في أصل دينهم ومعرفة حقيقة الكلام - كلام الله وكلام جميع الخلق - بقول شاعر نصراني يقال له الأخطل..." (41) .
قلتُ: لقد صدق شيخ الإسلام المطلع على أقوال المتكلمين - فقد اعترف الآمدي (631هـ) الذي لقبوه بسيف الدين: بأن الجواب عن الإشكالات الواردة على الكلام النفسي مشكل (42) .
وهكذا حال الماتريدية في تناقضهم واضطرابهم وعجزهم عن إقامة حجة صحيحة على "الكلام النفسي".
ويشهد لما ذكرناه ما يلي من الأمور:
الأول: أن الجرجاني (816هـ) قد فر من إثبات الكلام النفسي بالمعنى الذي تريده عامة الماتريدية واختار ما اختاره الإيجي (756هـ) الأشعري الذي أحس أن إثبات الكلام النفسي صعبٌ دونه خرط القتاد فخالفهم في تفسير كلام الأشعري حول الكلام النفسي واعترف بالكلام اللفظي وقال: "هذا الذي فهموه من كلام الشيخ الأشعري باطل إذ له لوازم باطلة كثيرةٌ".
ثم ذكر عدة من تلك اللوازم الباطلة العاطلة منها:
أ- عدم إكفار من أنكر كلاميّة ما بين دفتي المصحف مع أنه علم من الدين بالضرورة كونه كلام الله حقيقة.
ب- عدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي.
ج- ذم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة.
ثم قال الجرجاني: "إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن فوجب حمل كلام الشيخ الأشعري على المعنى الثاني الشامل للفظ والمعنى".
ثم قال: "هذا الذي ذكرناه وإن كان مخالفاً لما عليه متأخروا أصحابنا إلا أنه بعد التأمل تعرف حقيقته".
ثم قال الجرجاني مقرراً لمقالة الإيجي ومجرجراً:
"وهذا المجمل لكلام الشيخ مما اختاره الشيخ محمد الشهرستاني (548هـ) في كتابه المسمى بـ"نهاية الأقدام"،
ولا شبهة في أنه أقرب إلى الأحكام الظاهرية المنسوبة إلى الملة" (43) .
الثاني: أنه قد نقل عبارة الجرجاني هذه الشيخ عصام الدين الإسفراييني (951هـ) فقد أسفر عن الاضطراب وضعفهم عن إقامة الحجة على إثبات الكلام النفسي واعترف بما اعترف به الجرجاني، فقال: "ولا شبهة في كونه أقرب..." (44) .
الثالث: أن المرعشي (1150هـ) أيضاً صنع مثل ما صنع أسلافه واعترف فذكر كلام الإيجي والتفتازاني بكامله ثم قال مرتعشا:
"أقول: الحاصل أن كلامه تعالى هو العبارات المنظومة كما هو مذهب السلف" (45) .
الرابع: أن عبدالحكيم السيالكوتي (1067هـ) اختار حكمة أخرى في التحير والاضطراب والرد على جماعته، لا أطيل المقام بذكرها من شاء الإطلاع عليها فليراجع كلامه (46) .
الخامس: أن الشيخ رمضان البهشتي شارح حاشية الخيالي اختار خيالاً آخر ولوناً من الاعتراف بالعجز حيث قال بِهَشٍّ وبَهْشٍ:
"إن ثبوت القرآن النفسي دونه خرط القتاد" (47) .
وهكذا نرى كثيراً منهم يضطربون في هذا الأمر وهذا دليل عجزهم عن إثبات الكلام النفسي (48) .
9-12- وللإمام ابن الجوزي (597هـ) ومؤرخ الإسلام ناقد الرجال الذهبي (748هـ) والإمامين: ابن القيم (751هـ) وابن أبي العز الحنفي (792هـ) كلام قيم - فراجعه - في بيان مخالفتهم للعقل والنقل وإجماع أهل السنة، وأهل البدعة في آن واحد (49) .
الوجه الثامن:
أننا نسأل الماتريدية أن الله تعالى لما كلم موسى تكليماً: هل فهم موسى جميع كلام الله أم بعضه؟
كما نسأل الأشعرية: هل سمع موسى عليه السلام جميع كلام الله أم بعضه؟.
فإن قلتم: فهم موسى أو سمع جميع كلام الله تعالى، فقد ارتكبتم كفراً بواحاً آخر حيث ادعيتم أن موسى أحاط بجميع كلام الله وعلمه، وقلتم بأن لكلامه انتهاءً ولا تقولون به أبد الآبدين، ولا عوض العائضين.
وإن قلتم: فهم أو سمع بعضه، فقد أبطلتم "الكلام النفسي" حيث قلتم بتجزئة كلام الله تعالى، وأنتم تقولون: "الكلام النفسي" أمر واحد لا يتجزأ وهدمتم بنيانكم بيانكم، وأخربتم بيوتكم بلسانكم.
قال الإمام أبو نصر السجزي الوائلي الحنفي (444هـ) رحمه الله.
"خاطبني بعض الأشعرية يوماً في هذا الفصل وقال: "التجزؤ على القديم غير جائز".
فقلتُ له: أتقر بأن الله اسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟.
فقال: "نعم".
وهم يطلقون ذلك ويموهون على من لم يخبر مذهبهم، وحقيقة سماع كلام الله من ذاته على أصل الأشعري محال.
لأن سماع الخلق على ما جبلوا عليه من البنية، وأجروا عليه من العادة - لا يكون البتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت.
وإذا لم يكن كذلك كان الواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم.
وهما يقومان في وقت مقام السماع لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع.
وربما سمى ذلك سماعاً على التجوز لقربه من معناه.
فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري.
فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعاً أن حقيقة السماع لكلام الله منه على أصلكم محال.
وليس ههنا من تتقيه وتخشى تشنيعه.
وإنما مذهبك: أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه، حتى يصير عالماً متيقناً بأن الذي فهمه "كلام الله".
والذي أريد أن ألزمك وأردٌ على الفهم وروده على السماع.
فَدَعِ التمويه ودع المصانعة.
ما تقول في موسى عليه السلام حيث كلمه الله؟.
أفهم كلام الله مطلقاً أم مقيداً؟.
فتلكأ قليلاً، ثم قال: "ما تريد بهذا"؟.
فقلتُ: دع إرادتي، وأجب بما عندك، فأبى وقال: "ما تريد بهذا"؟.
فقلتُ: أريد أنك إن قلت: "إنه عليه السلام فهم كلام الله مطلقاً".
اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه موسى - وهذا يؤول إلى الكفر...
وإذا لم يجز إطلاقه وألجئت إلى أن تقول:
"أفهمه الله ما شاء من كلامه".
دخلت في التبعيض الذي هربت منه، وكَفَّرْتَ من قال به، ويكون مخالفك أسعد منك، لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله عز وجل، وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت أبيت أن تقبل ذلك وادعيت:
"أن الواجب المصيرٌ إلى حكم العقل في هذا الباب".
وقد ردك العقل إلى موافقة النص خاسئاً.
فقال: هذا يحتاج إلى تأمل".
وقطع الكلام..." (50) .
وقال شيخ الإسلام: "... فقيل لهم: عندكم هو معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد. فموسى فهم المعنى كله أو بعضه؟.
إن قلتم كله فقد علم علم الله كله، وإن قلتم بعضه فقد تبعض وعندكم لا يتبعض!!!" (51) .
الوجه التاسع:
أنه يلزم من مقالتكم أن القرآن الكريم إن ترجم إلى العبرية كان توراةً وإن ترجم إلى السريانية كان إنجيلاً وكذا يلزم أن التوراة إن ترجمت إلى العربية كانت قرآناً، وكذا يلزم أن الإنجيل إن ترجم إلى العبرية كان توراة وإن ترجم إلى العربية كان قرآنا، فهل تقولون بهذه اللوازم الباطلة؟.
ولا محيد لكم من التزام هذه الخرافات والخزعبلات التي لزمتكم من قولكم الفاسد الباطل، إلا أن ترجعوا إلى مذهب أهل السنة المحضة وتوافقوا العقل والنقل والإجماع.
الوجه العاشر:
أنه يلزمكم أن يكون خبر الله تعالى عين الإنشاء وبالعكس وأمره عين النهي وبالعكس.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي:
"... وهذا الكلام فاسد فإن لازمه أن معنى قوله: وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى [الإسراء: 32]
هو معنى قوله: وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ [البقرة: 43]
ومعنى آية الكرسي هو معنى "آية الدين".
ومعنى "سورة الإخلاص" هو معنى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: 1]
وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف..." (52) .
الوجه الحادي عشر:
أن الماتريدية صرحوا بأن كلام الله تعالى صفة تنافي الخرس والسكوت والآفة كما تقدم نص كلامهم.
ومعلوم أن الخرس والسكوت والآفة تنافي الكلام اللفظي ولا تنافي الكلام النفسي.
أما من وصل في الحماقة إلى حد قال: إن السكوت والخرس قد يكونان نفسيين فينافيان الكلام النفسيَّ - كما هذى بذلك فيلسوفهم التفتازاني (792هـ) (53) فقد كابر بداهة العقل الصريح، وعارض النقل الصحيح، وصار من السوفسطائية العنادية؛ لخروجه على النقليات والعقليات والبداهة في آن واحد معاً.
ويجب عليه أن يتهم نفسه ويترك وساوسه ويداوي عقله وينابذ هواجسه فمثله لا يكون من أولي الألباب بل ينبغي أن يربط بخيشومه في الاصطبل مع الدواب لئلا يتلاعب بكلام رب الأرباب، ولا يحرف نصوص السنة والكتاب، فهل مثل هؤلاء أهل الدراية؟ وبم يتطاولون على أهل الرواية.
الوجه الثاني عشر:
أن القرآن الكريم معجزٌ أعجز البشر عن أن يأتوا بمثله، وأن الله تعالى تحدى به الكفار بل الإنس والجن جميعاً، أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة بمثله أو بحديث مثله.
فقال الله تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]
وقال سبحانه: قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ [هود:13]
وقال جل وعلا: فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ [البقرة:23]
وقال عز وجل: فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ [يونس:38]
وقال عز من قائل: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:34]
فالقرآن معجز ومتحدّىً به.
ومعلوم أن "الكلام النفسي" لا يتصور معارضته ولا يتحدى به؛ فلو لم يكن هذا القرآن العربي كلام الله تعالى على الحقيقة لما كان مُعجزاً أعجز الجن والإنس، ولم يكن متحدى به تحدى الله به الخلق؛ وهذا واضح لمن عرف قيمة كتاب الله وقدر كلام الله سبحانه وتعالى.
وللإمام ابن أبي العز الحنفي (792هـ) كلام قيم فارجع إليه (54) .
الوجه الثالث عشر:
أن المجاز يجوز نفيه، فإذا قلنا لرجلٍ شجاعٍ: هو أسدٌ، يجوز لنا أن نقول: هو ليس بأسدٍ حتى باعتراف الماتريدية (55) .
فلو لم يكن هذا القرآن العربُّي كلام الله تعالى على الحقيقة.
لجاز لنا أن نقول: إنه ليس كلام الله.
وما أظن أن أحداً ينتسب إلى الإسلام يتجرأ على هذا الكفر البواح والارتداد الصراح، لا الماتريديةَ، ولا أحداً غيرهم من الجهمية.
الوجه الرابع عشر:
أن الكلام النفسي شيء معدوم محض لا وجود له ولا عبرة له فلا تتعلق به الأحكام؛ لأنه من قبيل حديث النفس وخواطرها ووساوس القلب وهواجس الصدور.
فلا يُحل حراماً ولا يُحرّم حلالاً ولا يَدْخلُ به المرءُ في الإسلام ولا يخرج به عنه إلى الكفر ولا يقع به الطلاق ولا العتاق ولا تفسد به الصلاة بالاتفاق (56) .
فهل تريد الماتريدية أن يجعلوا كلام الله تعالى معدوماً؟.
الوجه الخامس عشر:
أن ما يسمونه "الكلام النفسي" إن قد تصوره وتعقله - فهو ليس إلا قدرةً بالكلام، أو العلمَ به لا عين الكلام، لأنهما غيرُ الكلام، فهما صفتان
فيكون "كلام" الله عندكم قدرةً عليه، أو يكون "كلاماً" بالقوة، لا "كلاماً" بالفعل!. أو يكون "الكلام" عندكم "علماً"؛
فنسألكم: هل الله عندكم متكلم بالفعل أم بالقوة؟
فإن قلتم: هو متكلم بالفعل - فقد أبطلتم "الكلام النفسي" وهدمتم بنيانكم على أمهات رؤوسكم وأخربتموه بأيديكم؛ حيث بنيتموه على شفا جرف هار، فانهار عليكم بنيانكم المنهار،
وإن قلتم: هو متكلم بالقوة - فقد أبطلتم صفة "كلام" الله، ونفيتموها وحرفتموها إلى "العلم" أو "القدرة" وهذا عين التعطيل والتحريف.
وهذه حقيقة قد أسفر عنها عصامكم الإسفرايني (951هـ) حيث قال معترفاً مسفراً عن أسراركم، غير عاصم لأدباركم:
"إن صفة الكلام إما راجعة إلى صفة العلم بهذه المعاني كما قيل؛ أو إلى صفة قدرة التفسير عنها وإظهارها كما يمكن أن يقال".
ثم قال مختاراً محتاراً: "إن صفة الكلام لا تنكشف بهذا البيان فينبغي أن يحال علمه إلى الله ويُعْتَرفَ بأن له كلاماً... (57)
بل صرح جرجانيكم (816هـ) مجرجراً بأن الكلام النفسي هو العزم والتخيل (58) ولا شك أن القدرة على الكلام أو العلم به أو العزم عليه أو تخيله غير الكلام بلا ريب وكل هذا لا يسمى كلاماً حتى باعتراف من اعترف منكم.
إذن ليس هذا إلا تضليلاً وتعطيلاً لهذه الصفة، وتخريفاً وتحريفاً لنصوصها، فهذا التحريف كتحريفكم لصفة "اليد" إلى "القدرة".
وقد تقدم شهادة إمامكم الأعظم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى (150هـ) مع شهادات ثمانيةٍ آخرين من كبراء أئمتكم أمثال البزدوي (482هـ) والسرخسي (490هـ) والنسفي (710هـ) والبخاري (730هـ) والمغنيساوي (كان حيا 939هـ) والقاري (1014هـ) وشيخ زاده (1078هـ) والبياضي (1098هـ) على أن تأويل صفة "اليد" بصفة "القدرة". إبطال لصفة "اليد" وهو مذهب أهل القدر والاعتزال.
فهل تتعظون بنصوص أئمتكم؟ أم تصرون على مخالفة أئمتكم؟ مع مخالفة العقل والنقل، واللغة والعرف والإجماع في آن واحدْ!!
الوجه السادس عشر:
أن القول بالكلام النفسي قولكم بأفواهكم، ولا نظن بكم أن قلوبكم تشهد له، لأنه خلاف المعقول الصريح والمنقول الصحيح والفطرة والإجماع واللغة والعرف جميعاً في آن واحد كما تقدم.
بل هو قول به تضاهئون قول الذين كفروا من قبل، وهم النصارى.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي (792هـ):
"وهنا معنى عجيبٌ، وهو: أن هذا القول له شبهٌ قوىٌ بقول النصارى القائلين، باللاهوت والناسوت.
فإنهم يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي لا يمكن سماعه، وأما النظم المسموع فمخلوق؛
فإفهام المعنى القديم بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى عليه السلام.
فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه!" (59) .
قلتُ: هكذا طريقة الجهمية الأولى وأهل الحلول المطلق والمقيد، والاتحاد (60) . ولسان حال هؤلاء الطوائف المتشابهة ينشد ما يلي:
رق الزجاج وراقت الخمر وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر
فتشابها بما كلتاهما نجلاء

بل أقول: لو سمحت لي الماتريدية لأبوح لهم: إن قولكم: "إن موسى لم يسمع كلام الله على الحقيقة بل سمع صوتاً مخلوقاً في الشجرة، هو عين كلام النصارى ولعلكم أخذتموه من النصارى إما بواسطة بشر المريسي الحنفي الجهمي إمام المرجئة المريسية (228هـ) أو غيره.
قال شيخ الإسلام: "كان المريسي قد صنف كتاباً في نفي الصفات وجعل يقرؤه بمكة في أواخر حياة ابن عيينة، فشاع بين علماء أهل مكة ذلك، وقالوا: "صنف كتاباً في التعطيل". فسعوا في عقوبته وحبسه وذلك قبل أن يتصل بالمأمون ويجري من المحنة ما جرى، وقول ابن عيينة" ما أشبه هذا الكلام بكلام النصارى" (61) .-
هو كما قال: كما قد بسط في غير هذا الموضع؛
فإن عيسى مخلوق وهم يجعلونه نفس الكلمة ولا يجعلونه المخلوق بالكلمة.
وأيضاً فأئمة النصارى كـ(نشتكين) أحد فضلائهم الأكابر يقولون: "إن الله ظهر في سورة البشر مترائياً لنا كما ظهر كلامه لموسى في الشجرة، فالصوت المسموع هو كلام الله وإن كان خلقه في غيره وهذا المرئي هو الله وإن كان قد حل في غيره..." (62) .
الوجه السابع عشر إلى الوجه الخامس والعشرين:
أن من الحقائق الواقعية: أنه لم يكن نزاع بين المسلمين في كون القرآن الكريم كلام الله تعالى وأنه غير مخلوق.
حتى جاء دور الجهمية ووقعت الفتنة الكبرى، والقاصمة العظمى فصار الناس فريقين ولا ثالث للفرقدين.
وهذا أمرٌ لم يختلف فيه اثنان، ولم يتناطح فيه كبشان.
وإليك بيان ما عليه الفريقان؛ إن كان لك أذنان:
الفريق الأول: أتباع الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين سلف هذه الأمة وهم أهل السنة والجماعة أصحاب الحديث والفقه وأئمة السنة.
فكانوا يقولون: القرآن غير مخلوق.
الفريق الثاني: هم الجهمية أتباع اليهود والمجوس والصابئين.
فكانوا يقولون: القرآن غير مخلوق.
ولا يرتاب أحد أن هؤلاء الفريقين من أهل السنة وأهل البدعة جميعاً يقصدون هذا القرآن العربي المؤلف من السور والآيات التي كان هؤلاء الفريقان يتلونها آناء الليل وأطراف النهار، فكان النزاع في هذا القرآن الموجود بين أظهر المسلمين الذين يقرؤونه بكرة وأصيلاً سجداً وقياماً راكعين ساجدين ليس إلا.
ولم يقل أحد منهم أن "الكلام النفسي" مخلوق أو غير مخلوق، ولا أحد تصور ذلك فضلاً أن يقوله ويجعله مقالة يدعو إليها.
لأن بدعة "الكلام النفسي" قد ابتدعها ابن كلاب وتوفي بعد (240هـ) كما تقدم تحقيقه في كلام شيخ الإسلام وغيره من أئمة السنة.
واعترف بذلك التاج السبكي عبد الوهاب (771هـ) الأشعري وقبله إمامه الشهرستاني (548هـ) اعترافاً واضحاً قاطعاً للنزاع (63) .
كما اعترف به الزبيدي الحنفي الماتريدي (1205هـ) (64) .
بل اعترف بذلك رافع لواء الجهمية ومجدد الماتريدية الكوثري الجركسي أيضاً (65) .
بل اعترف بهذه الحقيقة قبل الكوثري والزبيدي كبار أئمة الماتريدية منهم فيلسوفهم التفتازاني (792هـ) وغيره من أساطين الماتريدية.
فاستمع أيها المسلم طالب الحقيقة إلى كلامهم:-
قال التفتازاني: "وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم - (أي المعتزلة)- يرجع إلى إثبات "الكلام النفسي" ونفيه.
وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف - (أي بعدم كونها مخلوقة)- وهم - (أي المعتزلة)- لا يقولون بحدوث الكلام النفسي - أي بكونه مخلوقاً" (66) .
وقال متكلم الماتريدية الهندية الفريهاري (كان حياً 1239هـ(:
"فلا نزاع - أي بين الماتريدية وبين المعتزلة - فإنا إذا قلنا: القرآن غير مخلوق أردنا النفسي".
وإذا قالوا: القرآن مخلوق أرادوا "اللفظي".
فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف بل بحدوثه كما قالت المعتزلة، وهم لا يقولون بحدوث النفسي بل ينكرون وجوده.
ولو ثبت عندهم لقالوا بقدمه مثل ما قلنا..." (67) .
وهكذا اعترف الشهرستاني (548هـ) الأشعري بأن قول السلف والحنابلة بالاتفاق: إن ما بين الدفتين كلام الله وإن ما نقرأه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله على الحروف وأنه غير مخلوق.
وكانت مقالة المعتزلة على خلاف مقالة السلف.
ثم جاء الأشعري بأبدع مقالة ثالثة وخرق الإجماع وحكم بأن ما نقرأه، كلام الله مجازاً (68) .
ولصدق المرعشي الحنفي الماتريدي (1150هـ) بأن مذهب السلف أن كلامه تعالى هو العبارات المنظومة (69) .
وإذا اعترفت الماتريدية وخلطاؤهم الأشعرية بهذه الحقيقة من أن خلاف أهل السنة جميعاً وأهل البدعة كان في هذا القرآن العربي المؤلف من السور والآيات - تبين بإتقان وإيقان - لا يرتاب فيه اثنان.
ما يلي من الحقائق المبنّية على اعترافهم السابق:
الأولى: أن الماتريدية والأشعرية خرقوا بكلامهم النفسي إجماع أهل الحق وأهل الباطل جميعاً.
الثانية: أنهم أحدثوا مذهباً ثالثاً بعد مذهبين.
الثالثة: أنهم قائلون بخلق القرآن كسلفهم الجهمية دون أي فرق.
الرابعة: أنهم جمعوا بين بدعة الجهمية من القول بخلق القرآن وبين بدعة القول بالكلام النفسي.
الخامسة: أن الجهمية الأولى ابتدعوا بدعة واحدة وهي بدعة القول بخلق القرآن لكن هؤلاء زادوا بدعة أخرى وهي بدعة الكلام النفسي.
السادسة: أنهم أهل البدعة جهمية، أتباع الجهمية الأولى لِجَهْرِهم دون حياءٍ بالقول بخلق القرآن.
فأنَّى لهم أن يكونوا من أهل السنة؟ وقد ارتكبوا بدعة الجهمية من القول بخلق القرآن وزادوا بدعة الكلام النفسي، مع بدعهم الأخرى الكثيرة.
السابعة، والثامنة: أن هؤلاء معطلة لصفة "كلام" الله تعالى، ومحرفة لنصوصها بدليل ما يأتي:
التاسعة: أن حمل نصوص الكتاب والسنة وتصريحات سلف الأمة وأئمة السنة على "الكلام النفسي" تحريفٌ وتحريفٌ وضلال وإضلالٌ.
كما أن حملها على "الكلام" الذي تقصده الماتريدية إفساد وإبطال.
لأن هذه اصطلاحات مبتدعة محدثة بعد لغة القرآن والسنة وسلف الأمة؛
فيكون حمل نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وتصريحات أئمة السنة-
مع تلك الكثرة الكاثرة التي تزيد على آلاف الآلاف - على تلك المصطلحات الكلامية المبتدعة تحريفاً محضاً بحتاً، فقد صرح مجددهم الكوثري (1371هـ) بأن حمل النصوص من الآيات والآثار على المصطلحات التي وجدت بعد عهد التنزيل بدهور-
بُعْدٌ عن تخاطب العرب وتفاهم السلف، واللسان العربي،
ومن زعم ذلك زاغ عن منهج الكتاب والسنة وتنكب سبيل السلف الصالح.
قلت: لقد أنطق الله هذا الكوثري ببعض الحق فاعترف كما ترى ولكن هذا الاعتراف ليس في صالحه ولا في صالح أمته الماتريدية بل وبال عليهم جميعاً فالكوثري والماتريدية جميعاً قد خالفوا اعترافهم وحملوا نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف هذه الأمة وأقوال أئمة السنة على اصطلاحاتهم المبتدعة بعد عهد التنزيل بدهور.
فقد حملوا نصوص أمثال الأئمة: أبي حنيفة وأبي يوسف وابن المبارك على الكلام النفسي كما سبق وما سيأتي إن شاء الله.
فهم - باعترافهم- قد نابذوا تخاطب العرب وعاكسوا تفاهم السلف وحرفوا اللسان العربي، وزاغوا عن منهج السلف وتنكبوا سبيل السلف الصالح.
حيث حملوا نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف على "الكلام" النفسي" الذي لم يخطر بخواطرهم، فكيف تحمل نصوصهم عليه؟.
وفيما يلي بعض النماذج:-
أ- استدل الإمام أبو منصور الماتريدي (333هـ).
لإثبات صفة "الكلام" لله تعالى بقوله سبحانه وتعالى: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة: 118]
وقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75]
ثم قال الماتريدي بعد ما ذكر الحجج السمعية:-
"وأما العقل: إن كل عالم قادرٍ لا يتكلم فعن آفة يكون من عجز أو منع، والله عنه متعال، ثبت أنه متكلم.
على أن الذي لا يتكلم في الشاهد، إنما لا يتكلم - بالمعنى الذي لا يسمع ولا يبصر - من الآفة والله منزه عن المعنى الذي يقتضي الصمم والعمى، وكذلك البكم.
وهو أولى (به) إذ هو أجل ما يحمد به في الشاهد، وبه ينفصل البشر عن سائر الحيوان مع ما كان كل محتمل الكلام فعن عجز لا يتكلم أو عن السكوت" (70) .
قلت: يا ترى هذه الحجج السمعية والنقلية التي ذكرها الإمام الماتريدي هل تُثْبِتُ "الكلام النفسي" أم تجعله نسفاً هباء منثوراً كأمس الدابر؟؟.
وهل كان هؤلاء الكفار يطالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يكلمهم الله كلاماً لفظياً يسمعونه أم كلاماً نفسياً لا يسمعونه؟؟.
وهل الآفة والخرس والسكوت تنافي الكلام اللفظي أم النفسي و.
سبحان قاسم العقول!!!؟
ب- وهكذا بقية الماتريدية بعد الماتريدي يحتجون بحجج سمعية من الكتاب والسنة وأقوال السلف وإجماعهم لإثبات الكلام النفسي (71) .
مع أن حججهم جميعاً حججٌ عليهم وترتد في نحورهم؛ لأنها تدل على الكلام اللفظي المضاد للكلام النفسي فدلت هذه الحجج على ضد مطلوبهم فحملهم على "الكلام النفسي" تحريف محض وتخريف بحت.
ج-د- قال الإمام أبو يوسف القاضي (182هـ) أحد أئمة الحنفية الثلاثة: "ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر فاتفق رأينا على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر".
قال الإمام فخر الإسلام البزدوي (482هـ): "وقد صح عن أبي يوسف أنه قال:..."، فذكره. ثم قال: "وصح هذا القول عن محمد" (72) .
هـ-ح- وقال الطحاوي عن الأئمة الثلاثة: (إن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا... بالحقيقة) (الطحاوية بشرحها 179).
قلتُ: هل كان أبو حنيفة وأبو يوسف يتناظران في خلق الكلام النفسي أم في خلق هذا القرآن؟ العربي المؤلف من السور والآيات؟. النفسي أم في خلق هذا القرآن؟ العربي المؤلف من السور والآيات؟.
حتى أستقر رأيهما على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
وأقول: أليس نصهم "قولاً بالحقيقة" محكماً في القرآن العربي؟
فهل كانوا يريدون: أن من قال: الكلام النفسي مخلوق فهو كافر؟!.
أم يقصدون: أن من قال: هذا القرآن العربي المؤلف مخلوق فهو كافر؟.
فالآن نتحاكم إلى حكم الإنصاف والعقل الصحيح الصريح ليحكما بيننا ليعلم من الأفاك البهات المحرف والمخرف لكلام الأئمة!
مع العلم أن فكرة "الكلام النفسي" لم تكن موجودة ولم تخطر بالبال في ذلك الوقت. لكن لما جاء دور الكوثري حمل هذه المناظرة على الكلام النفسي (73) .
فكابر العقل الصريح والنقل الصحيح وارتكب الحمق الجلي وقلب الحقائق ولذلك وقف له شيخنا المحدث الألباني بالمرصاد فكشف الأستار عن أسراره (74) .
ط- قال الإمام ابن المبارك إمام المحدثين والفقهاء (181هـ).
الذي جعلته الكوثرية حنفياً (75) .
من قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه :14]
مخلوق فهو كافر".
ي- ذُكِرَ للإمام يحيى بن سعيد القطان (198هـ) سيد الحفاظ الذي تجعله الكوثرية حنفياً (76) ، أن قوماً يقولون: القرآن مخلوق.
فقال: "كيف يصنعون بـقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]
كيف يصنعون بقوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا "يكون مخلوقاً"؟. (121)
- إبطال زعم الماتريدية أن كلام الله ليس بحرف ولا صوت ولا مسموع
تقدم أن بَيَّنا في عرض مذهب الماتريدية في (كلام الله) تعالى: أنهم عطلوا كلامه تعالى، وحرفوا نصوصه إلى "الكلام النفسي" وقالوا:
إن كلام الله تعالى، نفسي لا بحرف ولا صوت،
فلا يمكن سماع كلام الله تعالى، وأن موسى عليه السلام لم يسمع كلام الله وإنما سمع صوتاً مخلوقاً وحروفاً مخلوقة في الشجرة.
وإن هذا القرآن العربي ليس كلام الله تعالى، على الحقيقة وإنما هو دال على كلام الله النفسي وعبارة عنه.
وإنه مخلوق.
ولأهل السنة وأئمتها أنواع من النقض عليهم أذكر منها ما يلي:
النقض الأول:
لقد سبق أن ذكرنا وجوهاً متعددة عقلية وسمعية ولغوية وإجماعية مشتملة على براهين ساطعة وحجج ناصعة.
على إبطال "الكلام النفسي" وأنه لا يسمى كلاماً عند الإطلاق؛
فبإبطال "الكلام النفسي" ثبت الكلام اللفظي؛ لأنه لا قائل بالفصل، فثبت أن كلامه سبحانه وتعالى، بحرف وصوت يُسْمِعهُ من شاء من خلقه وأن صوته تعالى لا يشبه أصوات خلقه كما أن كلامه لا يشبه كلامهم (77) .
فإذا تكلم العباد بالقرآن لا يكون القرآن لأجل ذلك مخلوقاً.
بل أصواتهم مخلوقة والقرآن المقروء المتلو كلام الله غير مخلوق (78) .
فالعباد بأفعالهم مخلوقين والله بصفاته وأفعاله غير مخلوق (79) .
فإذا قرأ القارئ القرآن - فصوته مخلوق والمقروء غير مخلوق.
فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ والكلام الذي يقرؤه القارئ كلام الباري (80) .
فتكلم العباد بكلام رب العباد،، لا يجعل كلام رب العباد ككلام العباد (81) ،، ؛
لأن كل كلام ينسب إلى الله قائله الأول، إن كان نثراً فإلى ناثره، أو شعراً فإلى شاعره (82) .
أما القائل الثاني فهو مُبَلِّغٌ ومؤدٍ كلام القائل الأول وناقلًَ له (83) .
وهذه حقيقة اعترف بها الماتريدية أيضاً (84) .
فالقرآن نفسه في الكتاب المكنون، وهو نفسه في المصاحف، وهو نفس ما نقرؤه بألسنتنا (85) . فلا يخرج القرآن بهذه الاعتبارات عن أن يكون كلام الله على الحقيقة وعن أنه غير مخلوق.
وليس هذا كذكر الأعيان باللسان كما زعمته الماتريدية (86) ، فإن الفرق بين ذكر الأعيان باللسان وبين التكلم بالقرآن شاسع والبون واسعٌ (87) لأن من تلفظ بكلمة "النار" لا يحترق لسانه؛ لأنه لم يتناول "جمرة النار" بمجرد ذكره النار، بخلاف من تلفظ بكلام الله تعالى، فإنه قد أدّى كلام الله على الحقيقة.
وليس هذا قول بحلول النصارى أيضاً كما زعم ذلك دهما المتكلمين.
ومنهم الماتريدية حيث زعموا: أن هذا حلول وزعموا أن تلاوة القرآن كذكر "الله" تعالى، وذكره "النار" باللسان (88) .
قُلْتُ: ومن هنا عرفنا أن الماتريدية - الذين يجاهرون بأن القرآن على ألسنة الناس بل على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل على لسان جبريل وفي اللوح المحفوظ مخلوق (89) - جهميةٌ محضة والله المستعان على ما يصفون.
النقض الثاني:
بنصوص "صوت" الله تعالى.
لقد وردت نصوص صريحة في إثبات "الصوت" لله تعالى؛ فكما أن كلامه تعالى لا يشبه كلام خلقه، كذلك صوته تعالى لا يشبه أصوات خلقه سبحانه، تدل عليه نصوص كثيرة.
النقض الثالث:
بنصوص مناداة الله تعالى وندائه.
لقد استفاضت نصوص الكتاب والسنة على أن الله تعالى نادى وينادي.
قال تعالى: وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ... [الأعراف:22]
وقال سبحانه وتعالى: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات: 104-105]
وقال جل وعلا: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات: 16]
وقال عز وجل: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:47]
قال شيخ الإسلام: بعدما استدل بنصوص "النداء" على إثبات "صوت" الله تعالى:
"النداء في لغة العرب هو صوت رفيع لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة ولا مجازاً...".
ثم ذكر سماع موسى عليه السلام لكلام الله تعالى (90) .
قلتُ: ولقد صدق شيخ الإسلام فقد صرح أهل اللغة بأن "النداء" صوت بل رفيع بل أرفع (91) .
قال شيخ الإسلام: بعد ما ذكر نصوص "النداء"
"واستفاضت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة، أنه سبحانه وتعالى ينادي بصوت، نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت.
ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو حرف.
كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذي سمعه موسى قديم، ولا أن ذلك النداء قديم، ولا قال أحد منهم: إن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذي تكلم الله به، بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذي يتكلم الله به وبين أصوات العباد، وكان أئمة السنة يعدون من أنكر تكلمه بصوت - من الجهمية".
ثم نقل ذلك عن الإمام أحمد والبخاري (92) .
قلتُ: بناء على العقيدة السلفية التي نقلت من السلف في صوت الله تعالى عرفنا أن الماتريدية من الجهمية وليسوا من أهل السنة المحضة.
النقض الرابع:
بنصوص تكلم الله تعالى بالوحي ولاسيما القرآن.
النقض الخامس:
بنصوص تكليم الله تعالى ملائكته ورسله وغيرهم من عباده.
وهذا النوع من النصوص حجج قاطعة وبراهين ساطعة على أن كلام الله تعالى بحرف وصوت مسموع.
وهذا النوع من النصوص كثيرة أكتفي منها بما هو أصرح وأدمغ لأدمغة المعطلة الزائغة أصحاب العقيدة الزائفة:
1- قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة:118]
فهذه الآية حجة قاطعة على أن كلام الله تعالى بحرف وصوت يسمع، لأنهم لم يطلبوا "الكلام النفسي" وإلا كيف يمكن للكفار هذه المطالبة؟ مع العلم بأن "الكلام النفسي" لا يسمع.
فهذا دليل دامغ لكل زائغ على أن هذا أمر ممكن كإتيان آية.
لأن الله تعالى لم ينكر عليهم بأنهم طلبوا أمراً محالاً.
بل أنَّبَهُمْ بعدم اكتفائهم سماع كلام الله تعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادوا أن يسمعوه من الله تعالى مباشرة تعنتاً وعناداً.
وهذه حقيقة اعترف بها الإمام أبو منصور الماتريدي حيث يقول:
"... ولا أنكر على الذين قالوا: "لولا يكلمنا الله" إلا بوصف التكبر والجهل بمنزلة أنفسهم" (93) .
فيكون هذا الاعتراف واضح من هذا الإمام الماتريدي فاضحاً للماتريدية وقاطعاً لدابرهم ومطالبة الكفار هذه بمنزلة مطالبتهم بإنزال الملائكة ورؤية الله وكل هذه الأمور ممكنةٌ عقلاً وليس شيءٌ منها مستحيلا.
وإنما المستحيل ومن حماقات الكلام هو الكلام النفسي.
فهل كان هؤلاء يطالبون بأن يكلمهم الله كلاماً نفسياً لا يسمعونه؟؟!!
ب- قال جل وعلا: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164]
قلتُ: ههنا عجائب وغرائب من حماقات الجهمية التي ارتكبها الماتريدية حول هذه الآية المحكمة الواضحة الصريحة المؤكدة؛ فحرفوها؛
فقالوا: "إن موسى عليه السلام لم يسمع كلام الله!!!.
وإنما سمع صوتاً مخلوقاً دالاً على كلام الله،
وسمى موسى كليم الله؛ لأنه سمع صوتاً مخلوقاً في الشجرة بدون واسطة الملك، كما تقدم في عرض مذهبهم.
وبهذه الحماقات والخزعبلات خرجوا على المنقول والمعقول وإجماع سلف هذه الأمة وأئمة السنة.
بل خرجوا على صريح نص الإمام أبي حنيفة رحمه الله، إمامهم الأعظم، كما سيأتي نص كلامه قريباً.
وكفى به خزياً مبيناً!!، لأن هذا تحريف محض بل تكذيب بحت؛
فأنت ترى أن الله أكد كلامه بالمصدر فانقطع احتمال أيّ تأويل ومجاز.
لو قدر وجود المجاز فلا يحتمل إلا الكلام الحقيقي المسموع من المتكلم مباشرة - وهذا مما اعترف الماتريدية به اعترافاً واضحاً فاضحاً (94) .
وهذه كلها ألوان شتى لتناقضهم واضطرابهم ومخالفتهم لإمامهم.
وفيما يلي بعض نصوص أئمة اللغة والسنة حول هذه الآية وتحقيق سماع موسى عليه السلام كلام ربه.
1- قال أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (207هـ).
"العرب تسمى ما يوصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر،
فإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام..." (95) .
قلتُ: لكن الماتريدية تزعم أن موسى عليه السلام سمع ما يدل على الله، لا كلام الله حقيقة فخالفوا اللغة والنقل والعقل جميعاً.
2- وقال أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب الكوفي (291هـ):
"لولا أن الله تعالى أكد الفعل بالمصدر - لجاز أن يكون كما يقال أحدنا للآخر: "قد كلمت لك فلاناً".
بمعنى: كتبت إليه رقعة، أو بعثت إليه رسولاً.
فلما قال: "تكليماً" لم يكن إلا كلاماً مسموعاً من الله" (96) .
قلتُ: تزعم الماتريدية أن كلام الله غير مسموع لأحد.
3- وقال أبو إسحاق إبراهيم الزجاج (311هـ):
"وأخبر الله عز وجل بتخصيص نبي ممن ذكر فأعلم عز وجل أن موسى كُلّمَ بغير وحي، وأكد ذلك بقوله "تكليماً" فهو كلاما كما يعقل الكلام لا شك في ذلك" (97) .
قلتُ: لكن مزعوم الماتريدية من الكلام النفسي غير معقول ولا منقول فلا يقره نقل ولا عقل ولا إجماع ولا لغة ولا عرف.
4- وقال أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس (338هـ):
"تكليماً" مصدر مؤكد.
وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازاً.
وأنه لا يجوز في قول الشاعر:
،، امتلا الحوض وقال قِطِني ،،
أن يقول: قال: قولاً.
فكذا لما قال: "تكليماً" وجب أن يكون كلاماً على الحقيقة من الكلام الذي يعقل" (98) .
قلتُ: مزعوم الماتريدية من الكلام النفسي موضوع مصنوع لا منقول ولا معقول ولا مسموع بل هو أمر نفسي وسواسي خيالي ضلالي.
5- وقال القرطبي (671هـ): "تكليماً" مصدر معناه، التأكيد، يدل على بطلان من يقول: خلق لنفسه كلاماً في الشجرة فسمعه موسى،
بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلمُ متكلماً".
ثم ذكر كلام النحاس المتقدم آنفاً (99) .
قلتُ: أما الجهمية القديمة والحديثة من الماتريدية فيقولون: إن موسى عليه السلام سمع صوتاً مخلوقاً في الشجرة ولم يسمع كلام الله من الله.
وقد كنت في أودية ضلالهم برهة فأخرجني الله تعالى من ظلمات بدعهم إلى نور السنة مع أنه من الصعب الخروج من تشكيكاتهم وشبهاتهم إلا لمن يسره الله.
وقليل ما هم؛ فمثلي مثل ذلك الشاعر الذي نجا من أنياب السبا عوخرج من واديها سالماً ثم أنشد:
مررت على وادي السباع ولا أرى كوادي السباع حين يظلم وادياً
أقل به ركب أتوه تئية وأخوف إلا ما وقى الله سارياً

تنبيه:
هذا أيضاً من الفروق بين الماتريدية وبين الأشعرية:
فكم من كبار الأشعرية رجعوا عن العقيدة الكلامية، أما الماتريدية فلم يرجع منهم إلى العقيدة السلفية إلا نزر قليل.
6- وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله (150هـ):
"وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى كما قال الله تعالى: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] (100)
7- وقال العلامة القاري في شرحه:
"أتى المصدر المؤكد لدفع حمل الكلام على المجاز،
أي "كلمة الله تكليماً محققاً، وأوقع له سماعاً مصدقاً.
والمعنى: أن موسى عليه الصلاة والسلام سمع كلام رب الأرباب بلا واسطة إلا أنه من وراء الحجاب" (101) .
قلتُ: أما عامة الماتريدية فقد خرجوا على الإمام أبي حنيفة وهدموا استدلاله فصرحوا بأن موسى عليه السلام لم يسمع كلام الله، وإنما سمع صوتاً مخلوقاً من الشجرة، وقالوا أيضاً: ليس في القرآن: أن موسى سمع كلام الله (102) .
،، فأبطلوا استدلال إمامهم الأعظم ،، فصاروا الأعق والأظلم ،،
وجاء محرف آخر وهو البياضي أحد رؤساء قضاة عساكرهم (1098هـ) فحرف كلام الإمام أبي حنيفة فقال في شرح كلامه:
"... (وسمع موسى) صوتاً غير مكتسب للعباد إكراماً له دالاً على ما يصح تعلقه به (كلام الله) لقائم به".
ثم قال: "الثانية: أن التكليم لا يتوقف على السماع من الله بالذات، وليس في النظم الجليل أنه سمع موسى من الله.
بل أنه تعالى كلمه...
فإنه أقرب المجازات في المقام، فهو بواسطة الحروف والأصوات المخلوقة في الشجرة في تكليم موسى" (103) .
وجاء أحمق آخر وهو أبو المنتهى (كان حياً سنة: 939هـ) الذي انتهى بعقله إلى أن قال في شرح كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله: "بأن قال لموسى في الأزل بلا صوت ولا حرف: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه:12] (104)
قلت: هذه الأساطير عين خزعبلات الجهمية الأولى وورثتها عنهم أفراخهم الماتريدية.
8-12- بشهادة أئمة الإسلام: أحمد بن حنبل، والدارمي، والأشعري، والبيهقي، والحافظ ابن حجر العسقلاني (105) .
13- وقد ذكر الإمام البيهقي عدة من الآيات التي كلم الله بها موسى عليه السلام ثم قال: "فهذا كلام سمعه موسى عليه السلام بإسماع الحق إياه بلا ترجمان بينه وبينه".
الحاصل:
أن مزاعم الماتريدية عين مزاعم الجهمية الأولى وهي باطلة عقلاً ونقلاً وإجماعاً ولغة وعرفاً وسمعاً.
وأن الله سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام، ويجب الإيمان بذلك كما هو الأمر في سائر صفاته سبحانه وتعالى بلا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف، وأن كلامه تعالى بحرف وصوت مسموع، وأن كلامه، وصوته تعالى لا يشبهان كلام خلقه وأصواتهم.
وعلى هذا مضى الأنبياء والمرسلون والصحابة والتابعون والأئمة الفقهاء والمحدثون حتى الإمام أبو حنيفة، وفيه عبرة للماتريدية.
قال ابن القيم الإمام: قال شيخ الإسلام: أول ما ظهر إنكار أن الله تعالى يتكلم بصوت في أثناء المئة الثالثة؛ فإنه لما ظهر مذهب الجهمية وتبين للناس نفاقهم المشتق من أقوال المشركين والصابئين وثَبَّتَ الله خلفاء الرسل وورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -
ظهر ابن كلاب البصري (240هـ) فوافق أهل السنة في إثبات الصفات من ناحية وخالفهم من ناحية فأحدث القول بالكلام النفسي المستلزم لنفي الحرف والصوت.
فأنكر قوله الإمام أحمد وأصحابه كلهم، والبخاري وغيرهم.
ورجع الحارث المحاسبي (243هـ) عن قوله الكلابي إلى إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى (106) . (122)
- إبطالهم شبهات الماتريدية حول كلام الله
الشبهة الأولى:
شبهة "التشبيه":
أصل الدافع للجهمية جميعاً على تعطيل صفة "كلام" الله تعالى - هو أنهم ظنوا أنه لابد في حقيقة الكلام من فم وشفتين ولسان وحنجرة وحلقوم ونحوها من الجوارح والآلات والمخارج.
وسبق إبطال شبهة التشبيه بصورة عامة في فصل مستقل.
أما هذه الشبهة بخصوصها -
فقد أبطلها سلف هذه الأمة وأئمة السنة:
فقد تصدّى لإبطالها إمام أهل السنة أحمد بن حنبل.
وحاصل ما قاله: أنه لا يلزم من حقيقة الكلام وجود تلك الآلات والأعضاء والجوارح والمخارج فالله قادر على أن ينطق بما يشاء كيف يشاء،
فالسماوات والأرض والجبال تنطق بإنطاق الله تعالى إياها، وجوارح الكافر تشهد عليه كما قال الله تعالى: قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت: 21]
ثم قال الإمام أحمد: "أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟
ولكن الله أنطقها كيف شاء.
وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان" (107) .
الشبهة الثانية:
شبهة الحوادث والأعراض:
قالوا: لو أثبتنا الكلام الحقيقي الذي هو بحرف وصوت لزم حلول الحوادث والأعراض بذاته تعالى.
والجواب: أن لفظتي "الحوادث والأعراض" من المصطلحات الكلامية الفلسفية المبتدعة المجملة التي تحتمل حقاً وباطلاً.
وقد سبق أن ذكرنا قاعدة أئمة السنة في مثل هذه الكلمات.
وهي: أنه لا يجوز الحكم على مثلها نفياً أو إثباتاً قبل استبانة مراد قائلها؛ وبعد الاستبانة ينظر فإن كان مراده حقاً قبل وإلا رد عليه مع أن التعبير بالألفاظ المأثورة هو الطريق المتبع.
فنقول في ضوء هذه القاعدة:
أولاً: إن لفظي "الأعراض والحوادث" لفظان مجملان،
فإن أريد بهما ما يعرفه أهل اللغة: من أن الأعراض والحوادث هي الأمراض والآفات - فهذه نقائص وعيوب يجب تنزيه الله سبحانه وتعالى عنها (ولكن لا يلزم من كون الله لم يزل متكلماً ولا يزال متكلماً - حلول الحوادث به).
وإن أريد بهما اصطلاح خاص وهو اصطلاح أهل الكلام من المعطلة ليعطلوا بذلك صفات الله تعالى ويحرفوا نصوصها فهذا اصطلاح باطل لا يعرفه أهل اللغة ولا أهل العرف (108) ولا يقره نقل ولا عقل.
ثانياً: نقول لهم إن عطلتم صفة "كلام" الله تعالى بحجة الأعراض والحوادث فلم أثبتم لله تعالى علماً وقدرة وإرادة؟.
وإذاً لا تكون هذه أعراضاً وحوادث -
فلا تكون صفةُ "كلام الله"، تعالى بحرف وصوت عرضاً من الأعراض وحادثة من الحوادث.
ثالثاً: نقول لهم: إن كنتم تريدون بنفي حلول الحوادث والأعراض أن الله تعالى لا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته كما لا يحل هو في مخلوقاته.
فهذا النفي حق وواجب.
وإن كنتم تريدون بهذا نفي صفات الله الاختيارية التي تحت مشيئته واختياره، وتقولون: إنه تعالى لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء متى شاء ولا يغضب ولا يرضى، فهذا النفي باطل لأنه عين التعطيل والتحريف (109) .
الشبهة الثالثة: بيتُ الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

تقدم أن ذكرنا أن الماتريدية استدلوا ببيت منسوب إلى الكافر النصراني لإثبات "الكلام النفسي" كما سبق في ص 82.
ولأئمة السنة عنه أجوبة:
الأول: أنه مكذوب مصنوع مختلق موضوع على العرب، ولا يوجد في ديوان الأخطل ولا غيره (110) .
الثاني: أنه لو قدر ثبوته لكان نص البيت:
إن البيان من الفؤاد، وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

فقد قال أبو البيان هكذا رأيته في ديوانه فحرفه بعض النفاة إلى:
"إن الكلام لفي...." (111) .
الثالث: أنه لو قدر صحته - فهو أنزل منزلةً من خبر الواحد الصحيح بدركات، قال شيخ الإسلام وغيره:
ولو احتج محتجٌ في مسألة بحديث أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول -
لقالوا: هذا خبر الواحد (112) .
أفلا يستحي هؤلاء المتكلمون ينابذون صحيح المنقول وصريح المعقول والفطرة والإجماع واللغة والعرف، ويتشبثون بمثل هذا؟!!
وهذا تناقض واضح واضطراب فاضح وخزي مبين ومنهج ظنين!.
الرابع: أن الأخطل كان مختلَّ العقلِ مضطربَ الكلامِ وكان غالب أوقاته في سكر الخمور ولهذا سمي بالأخطل.
على أن الخطل في اللغة هو الخطأ في الكلام وكان من المولدين فلا يكون مثله حجة على اللغة.
ولذلك أنشد في مثل هؤلاء المتكلمين مُنْشدٌ:
قبحاً لمن نبذ القرآن وراءه فإذا استدل يقول: قال الأخطل

قلتُ: هذه فاضحة أخرى أشنع عن أختها الأولى!.
الخامس: أن هذا الأخطل الكافر النصراني كان متعصباً لنصرانيته تعصباً لا يخطر بالبال طاعناً في دين الإسلام جهاراً دون إسرارٍ.
وقد حاول ملوك بني أمية إسلامه ولكنهم فشلوا في هذا الخبيث مع أنه كان رهيناً عليهم شاعراً خاصاً لهم مقرباً لديهم.
ومعلوم أن النصارى ضلوا ضلالاً بعيداً في كلام الله تعالى حتى جعلوا كلمة الله تعالى عينَ عيسى عليه السلامُ، والمسيحَ عينَ كلمةِ الله؛
فكيف يجوز لمسلم أن يحتج في أصل دينه ومعرفة صفات ربه ولاسيما "الكلام" بقول الأخطل الكافر النصراني المتعصب الضال؟! (113) .
،، وهذا والله ضلال وإضلال ،، وعينُ الداء العضال!! ،،
السادس: أنه لو نتغاضى عن جميع ما ذكرنا -
لم نتغاض عن أن نقول: إن الحقائق العقلية كمسمى "الكلام" الذى يتكلم به جميع بني آدم لا يُرجَعُ فيه إلى قول شاعر ولا إلى ألف شاعرٍ فاضلٍ يعول عليه ويحتج بقوله وشعره فضلاً عن نصراني مختطل العقل والكلام متعصب لكفره متصلب في مكره ،، فاجر في أمره ماكر في شعره؛
بل يرجع في ذلك إلى استعمال أهل اللغة الألفاظ في معانيها ومن زعم غير ذلك فهو أبعدُ الناس عن العلم (114) .
السابع: أنه لو ثبت هذا البيتُ على تقدير فرض المحال - فله محمل صحيح لا نطيل الكلام بذكره ومن أراد الوقوف عليه فليرجع إلى كلام شيخ الإسلام ليعرف عقيدة الإسلام (115) .
الشبهة الرابعة:
تشبثهم بقول عمر رضى الله عنه:
في قصة سقيفة بني ساعدةَ وبيعة أبي بكر رضي الله عنه: ".... وكنت قد زورت مقالة أعجبتني...".
وفي لفظ: "... قد هيأت كلاماً قد أعجبني...".
استدل الماتريدية بهذه المقالة العمرية على إثبات الكلام النفسي (116) .
والجواب: أن هذا حجة عليهم لا لهم؛
لأن مقالة عمر بن الخطاب رضى الله عنه صريحة أنه لم يتكلم بهذا الكلام الذي قدره في نفسه بعدُ ولم ينشئه بعدُ.
وإنما قدّره وصوّره ودبره وهيئه في نفسه وأراد أن يقوله ويتكلم به، ليكون كلاماً واقعياً في حيز الوجود، لا أن يكتفي بمجرد تصوره في نفسه. هذا هو معنى التزوير في كلامه وإليك كلام بعض أئمة اللغة:
1- قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (224هـ).
2- "قال الأصمعي: "التزوير إصلاح الكلام وتهيئته" (117) .
3- وقال أبو زيد: "المزور من الكلام المزوق واحد، وهو المصلح المحسن" (118) .
4- وقال شيخ الإسلام: "وقال غيره - (أي أبي عبيد)- زورت في نفسي مقالة، أي هيّأتها لأقولها"؛
فلفظها يدل على أنه قدره في نفسه ما يريد أن يقوله ولم يفعله؛
فعلم أنه لا يكون قولاً إلا إذا قيل باللسان؛
وقبل ذلك لم يكن قولاً، لكن كان مقدراً في النفس يراد أن يقال؛
كما يقدر الإنسان في نفسه أنه يحج وأنه يصلي، وأنه يسافر إلى غير ذلك، فيكون لما يريده من القول والعمل صورةٌ ذهنيةٌ مقدرةٌ في النفس ولكن لا يسمى قولاً وعملاً إلا إذا وجد في الخارج" (119) .
هذا من ناحية:
ومن ناحية أخرى:- لا شك أن حديث النفس وخواطر الصدور والقلوب وتصوير الكلام وتقديره في القلب قبل وجوده وقبل أن يتكلم به يسمى كلاماً، لكن لا مطلقاً بل بشرط أن تكون له قرينة مقيدة، كقول القائل:
"زورت مقالة أو كلاماً أردت أن أقوله أو زورت في نفسي مقالة"، فإن قصد القائل هذا النوع من الكلام - لابد له أن يقيده بقرينة.
أما الكلام المطلق المتبادر إلى الأذهان - فلا يكون إلا بعد أن يتكلم به ليس إلا.
ولذلك قال شيخ الإسلام: "ولا يلزم من ذلك أن يدخل في لفظ الكلام المطلق، فليس في لغة القوم ما يدل على أن ما في النفس يتناوله لفظ الكلام، والقول المطلق، فضلاً عن التصديق والتكذيب" (120) .
قلتُ: الحاصل أن تشبث الماتريدية بالمقالة العمرية لا تصح إطلاقاً فإنها عليهم لا لهم.
وهذه الشبهات التي ذكرناها هي أقوى شبهات الماتريدية ولهم شبهات أخرى غير ما ذكرنا ولكن فيما ذكرنا دليل على إبطال غيرهم.

محروم
اليوم, 02:18 PM
الرد على قولهم بخلق أسماء الله الحسنى


لقد سبق أن ذكرنا مذهب الماتريدية في أسماء الله الحسنى وما كان عندهم من حق يشكرون به وباطل يذمون به.
وكان من جملة ما عندهم من الباطل القول ببدعة خلق أسماء الله الحسنى.
ولنا في المقام كلمات ثلاث:
الكلمة الأولى:
أن هذه البدعة مبنية على بدعة خلق القرآن؛ لأن أسماء الله تعالى من كلام الله تعالى والقرآن كلام الله سبحانه.
وضرر هذه البدعة لا تقل عن ضرر بدعة خلق القرآن.
ولذلك ترى سلف هذه الأمة وأئمة السنة قد كفروا من قال: بخلق أسماء الله الحسنى، كما كفروا من قال: بخلق القرآن.
وسبب ذلك:
أنهم لما قالوا: "الاسم هو المسمى".
حجوا بتعدد أسماء الله تعالى.
فقالوا فراراً عن هذا المضيق: إن هذه الأسماء تسميات وهي ألفاظ وحروف غير الله تعالى فهي مخلوقة.
فصار قولهم بخلق أسماء الله الحسنى كقولهم بخلق القرآن.
هكذا تطورت البدع من الجعد (126هـ) إلى الجهم (128هـ) ثم إلى بشر المريسي الحنفي (228هـ) ثم إلى بقية المعتزلة ثم إلى الكلابية فالماتريدية وزملائهم الأشعرية فالبدع تكون في البداية نقطةً ثم تكون بحاراً لا ساحل لها ولا أرجاء.
كما قال شيخ الإسلام: "فالبدع تكون في أولها شبراً ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعاً وأميالاً وفراسخ" (1) .
فوقعوا في خرق وحمق من وجهين:
الأول: جعلهم الاسم عين المسمى.
الثاني: قولهم بأنها مخلوقة.
فخالفوا ما دل عليه الكتاب والسنة ،، ولغة العرب وإجماع الأمة.
قال شيخ الإسلام: "ولهذا أنكر قولهم جمهورُ الناس من أهل السنة وغيرهم" (2) .
وقال: "وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه..." (3) .
وقال: "والتسمية نطق بالاسم وتكلم به، وليست هي الاسم بنفسه، وأسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها، وليست هي عين الأشياء" (4) .
فهؤلاء أصابوا في جعلهم التسمية غير الاسم.
ولكن أخطأوا في جعل الاسم عيناً للمسمى، كما أخطأوا في جعلها مخلوقةً.
وهؤلاء إذا قالوا: الاسم غير مخلوق يقصدون المسمى وهو الله.
وإذا قالوا: الاسم مخلوق يقصدون لفظ "الله" ولفظ "الرحمان" ولفظ "الرحيم" ومن لم يمارس اصطلاحات هؤلاء قد لا يتفطن لما يريدون، فيظن أنهم على طريقة أهل السنة.
ولذلك قال شيخ الإسلام.
"فهم تكلفوا هذا التكليف ليقولوا: "إن اسم الله غير مخلوق".
ومرادهم، أن الله غير مخلوق.
وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة.
فإن أولئك ما قالوا: الأسماء مخلوقة.
إلا لما قال هؤلاء: "هي التسميات".
فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى.
ووافقوا أهل السنة في اللفظ" (5) .
الكلمة الثانية:
هل الاسم للمسمى أم عينه أم غيره؟".
قلتُ: هذه صورٌ ثلاثٌ.
فالصورة الأولى: هي المقالة الصحيحة فالاسم للمسمىً، قال الله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]
وقال سبحانه: قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الإسراء: 110]
قال شيخ الإسلام: وهذا هو القول بأن "الاسم للمسمى" وهذا الإطلاق، اختيار كثير من المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره (6) .
والصورة الثالثة: مقالة الجهمية الأولى.
وكان قصدهم بها التدرج إلى أن يقولوا أسماء الله مخلوقة؛ لأنها غير الله وكل ما هو غير الله فهو مخلوق (7) ، فأسماء الله مخلوقة.
أما الصورة الثانية: وهي أن الاسم عين المسمى - فهي مقالة الماتريدية كما سبق، وهكذا قالت: الأشعرية (8) .
ومقاصدهم باطلة تتضمن الضلال من القول بخلق أسماء الله الحسنى.
ولكن هذا القول قاله كثير من المنتسبين إلى السنة أيضاً لكن مقاصدهم طيبة.
قال شيخ الإسلام: "الذين قالوا: الاسم هو المسمى كثير من المنتسبين إلى السنة مثل أبي بكر عبدالعزيز وأبي القاسم الطبري اللالكائي، وأبي محمد البغوي صاحب (شرح السنة) وغيرهم...".
ثم ذكر محملاً حسناً لكلامهم كما بين خطأ الناس عليهم (9) .
قلتُ: هذا من الألفاظ الكلامية البدعية المجملة وقد تقدم قاعدة أئمة السلف فيها من أنه يجب التفصيل في ذلك ليتبين الحق من الباطل.
قال شيخنا عبدالله بن محمد الغنيمان حفظه الله: "فلا يطلقون - (أهل السنة) - بأنه المسمى ولا غيره بل يفصلون حتى يزول اللبس فإذا قيل لهم: أهو مسمى أم غيره؟ قالوا: ليس هو نفس المسمى ولكن يراد به المسمى.
وإن أريد بأنه غيره: كونه بائناً عنه - فهو باطل لأن أسماء الله من كلامه وكلامه صفة له قائمة به لا تكون غيره" (10) .
قلت: قد يكون لقول القائل: "الاسم عين المسمى" وقول الآخر: "الاسم غير المسمى" توجيه صحيح آخر.
بشرط أن لا يقصد معنى باطلاً.
وبيانه أنه إذا قال القائل: ما معبودكم؟.
فقلنا: "الله".
فالمراد ههنا: "المسمى" فيكون الاسمُ "عين المسمى"؛ لأنه ليس القصد أن المعبود هو لفظ "الله" أو هذا القول"، بل القصد: أن المعبود هو ما سمي بالله.
وإذا قال ما اسم معبودكم؟.
فقلنا: "الله".
فالمراد ههنا: أن اسم معبودنا هو هذا القول: "الله" ولفظه.
وليس المراد: أن اسمه هو عين ذاته.
فإن السائل لم يسأل عن ذاته وإنما سأل عن اسمه.
فههنا يكون الاسم غير المسمى.
لاختلاف السؤال فلكل مقام مقال (11) . والجواب حسب السؤال.
لكن الجهمية الأولى وأفراخهم من الماتريدية والأشعرية قصدوا بذلك باطلاً لما في طيه ضلال، وتعطيل وقول بخلق أسماء الله تعالى.
فاشتد نكير أئمة السنة عليهم (12) .
ولم يكن السلف خاضوا في ذلك لا نفياً ولا إثباتاً (13) .
بل شنوا الغارة على من خاض في ذلك.
حتى يروى عن الإمام الشافعي (204هـ) والإمام عبدالملك بن قريب الأصمعي (216هـ) وغيرهما:
"إذا سمعت الرجل يقول "الاسم غير المسمى".
فاشهد عليه بالزندقة" (14) .
وقال الإمام ابن جرير الطبري (310هـ) "وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى" فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين.
وحسب امرئ من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله عز وجل ثناؤه الصادق، وهو قوله: قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الإسراء: 110] وقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]
ويعلم أن ربه هو الذي "على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى"؛
فمن تجاوز ذلك، فقد خاب وخسر وضل وهلك" (15) .
الكلمة الثالثة:
في فساد القول بخلق أسماء الله الحسنى:
ضرر هذه المقالة لا تقل عن خطر مقالة خلق القرآن.
فقد اشتد نكير سلف هذه الأمة وأئمة السنة على هاتين المقالتين وكفروا أصحابهما، وفيما يلي نماذج من نصوص أئمة السنة:
1- قال ناصر السنة الإمام الشافعي (204هـ) رحمه الله: "من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة، فليس عليه الكفارة، لأنه مخلوق وذاك غير مخلوق.
2- وقال إمام المحدثين والفقهاء سفيان الثوري (161هـ).
"من قال: إن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ مخلوق - فهو كافر".
3- وقال سيد المحدثين والفقهاء عبدالله بن المبارك (181هـ):
الذي تعظمه الحنفية ومنهم الكوثرية وعدوه في كبار أئمة الحنفية: "من قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [ طـه:14] مخلوق - فهو كافر".
4- وقد ذُكر لإمام الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان (198هـ) وسيد الحافظ الذي تبجله الكوثرية وذكروه في عداد كبار الحنفية.
"أن قوماً يقولون: القرآن مخلوق، فقال: كيف يصنعون بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص:1] كيف يصنعون بقوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [ طـه:14] يكون مخلوقاً؟".
5- وقال إمام أهل الحديث إسحاق بن راهويه (138هـ):
"أفضوا - (الجهمية) - إلى أن قالوا: "أسماء الله مخلوقة..." وهذا الكفر المحض...".
6- وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241هـ):
"من زعم أن أسماء الله مخلوقه فهو كافر".
7- وقال "من قال: "القرآن مخلوق".
فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله عز وجل، وفيه أسماء الله عز وجل".
8- وقال: "وأسماء الله في القرآن، والقرآن من علم الله، فمن زعم أن القرآن مخلوق" فهو كافر،
ومن زعم: "أن أسماء الله مخلوقة" -فقد كفر".
9- وذكر له رجل: أن رجلا قال: إن أسماء الله مخلوقة والقرآن مخلوق"؛ فقال أحمد: "كُفْرٌ بَيِّنٌ".
10- وقال الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث (256هـ):
"الجهمية... قالوا: "إن اسم الله مخلوق".
ويلزمهم أن يقولوا إذا أذّن المؤذن:
لا إله إلا الذي اسمه "الله"؟.
وأشهد أن محمداً رسول الذي اسمه "الله".
لأنهم قالوا: "إن اسم الله مخلوق..." (16) .
11- وللإمام أبي القاسم هبة الله الطبري اللالكائي (418هـ) مبحث قيم ذكر فيه أدلةً من الكتاب والسنة وأقوال سلف هذه الأمة وأئمة السنة في التشديد على من قال بخلق أسماء الله الحسنى (17) .
12- وقال شيخ الإسلام (728هـ): "وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق؛
بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء..." (18) .
قلتُ: الحاصل، أن القول ببدعة خلق أسماء الله الحسنى ذيل للقول ببدعة خلق القرآن، وأن الماتريدية قائلون بهذه البدعة الظلماء جهاراً، كما هم قائلون بخلق القرآن، وأن سلف هذه الأمة وأئمة السنة قد كفروا القائلين بخلق أسماء الله تعالى، كما كفروا القائلين بخلق القرآن.
وأن الماتريدية في ذلك كلهم جهمية محضة مع ما زادوه من البدع وأنهم مخالفون للعقل والنقل وإجماع السلف في آن واحد، فمذهب الماتريدية في القرآن وأسماء الله - في غاية الفساد والضلال والإلحاد والإضلال.

محروم
اليوم, 02:19 PM
الرد على الماتريدية في تفسيرهم لصفة "الألوهية" "بصفة" "الربوبية"


سبق آنفاً أن الماتريدية فسروا صفة "الألوهية" بصفة "الربوبية".
فعطلوا هذه الصفة العظيمة وحرفوا نصوصها.
ولنا عدة مؤاخذات على مذهبهم هنا نذكر منها ما يلي:
المؤاخذة الأولى: أننا ذكرنا شهادة الإمام أبي حنيفة وشهادة ثمانية من كبار الماتريدية على أن تفسير صفة بأخرى - كتفسير "اليد" بالقدرة، أو النعمة مثلاً تعطيل وإبطال لها وأن هذا مذهب الجهمية.
وهذه الشهادات من هؤلاء الأئمة للحنفية تكفي لإبطال مذهبهم في صفة "الألوهية" لما في طيه تعطيل وتحريف وإبطال وضلال وتخريف.
المؤاخذة الثانية: أن تفسير "الألوهية" بالربوبية أو الخالفية المالكية وكذا تفسير "الإله" بالصانع المخترع الخالق المالك -
باطل لغة واصطلاحاً، فلغة العرب واصطلاحهم يقضيان على ذلك.
ولغة القرآن الكريم ترده رداً صريحاً.
فحمل نصوص صفة "الألوهية" مع تلك الكثرة الكاثرة على صفة "الربوبية" تحريف واضح وتخريف فاضح، حتى باعتراف الكوثري مجدد الماتريدية؛ فقد صرح الكوثري بأن حمل النصوص والآثار على المصطلحات المستحدثة بعد عهد التنزيل بدهور بعيدٌ من تخاطب العرب وتفاهم السلف، واللسان العربي المبين، ومن زعم ذلك فقد زاغ من منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد..." (1) .
قلتُ: لقد صدق الكوثري - والكذوب قد يصدق -
ولكن قد يكون صدق الكذوب له.
ولكن صدق الكوثري ههنا عليه وعلى جماعته الماتريدية حيث فسروا "الألوهية" بالربوبية والخالقية والمالكية.
فوقعوا في التعطيل والتحريف، وزاغوا عن منهج الكتاب والسنة وتنكبوا سبيل السلف الصالح ونابذوا تخاطب العرب، وتفاهم السلف واللسان، العربي المبين.
حتى بشهادة هذا الكوثري الذي يبالغون ويغالون فيه بما لا يخطر بالبال ليقلبوا الحقائق بهذا الغلو والضلال والإضلال.
وبعد هذا نقدم نماذج من لغة العرب واصطلاحهم ولاسيما لغة القرآن في مفهوم "الألوهية" ليعلم القراء صدق ما قلنا من أن "الألوهية" و"الربوبية" مفهومان متغايران لغة واصطلاحاً.
أما لغة: فالإله: فعال، بمعنى مألوه، أي: معبود، كإمام بمعنى مؤتم به وأله إلهة عبد عبادة، والتأليه: التعبيد، والآلهة: المعبودون، من الأصنام وغيرها، والـاله: التعبّد؛ قال رؤبة بن العجاج:
لله در الغانيات المدة سبحن واسترجعن من تألهي (2)

وأما اصطلاحاً: فمعنى "الألوهية" و"الإله" لا يختلف عن معناهما في اللغة: فالإله عند العرب الأولين: اسم لكل معبود يشمل الإله الحق وهو الله تعالى، والآلهة الباطلة، كالأصنام والأوثان، وكل ما عبد من دون الله، بشراً كان أو ملكاً أو جناً، شمساً أو قمراً، حجراً أو شجراً، نوراً أو ناراً، قبراً أو غاراً، حياً، أو ميتاً عيناً أو معنىً وغير ذلك.
فيما يلي نصوص علماء اللغة:
1- قال الراغب الأصفهاني (502هـ): "وإله" جعلوه اسماً لكل معبود لهم" (3) .
2- وقال ابن منظور الأفريقي المصري (711هـ) "الإله "الله" عز وجل وكل ما اتخذ من دون الله معبوداً "إله" عند متخذه، والجمع "آلهة"..." (4) .
3- وقال المجد الفيروز آبادي (817هـ) "... إله" كفعال، بمعنى: مألوه، وكل ما اتخذ معبوداً "إله" عند متخذه" (5) .
4- وقال محمد المرتضى الزبيدي الحنفي (1205هـ) "... فإذا قيل: "الإله" أطلق على الله سبحانه، وعلى ما يعبد من الأصنام.
وإذا قلت: "الله" لم ينطلق إلا عليه سبحانه وتعالى..." (6) .
لغة القرآن واصطلاحه، وما حكاه عن العرب:
معنى "الألوهية" و"الإله" في لغة القرآن واصطلاحه وما حكى الله سبحانه وتعالى عن مشركي العرب -
لم يختلف عن معناهما الذي ذكرناه، عن معاجم اللغة.
فالإله، يطلق على كل معبود حقاً كان أو باطلاً.
فالله سبحانه وتعالى سمى معبودات المشركين "آلهة" وأبطل كونها آلهة حقاً.
قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [الفرقان: 3]
وهكذا كان مشركوا العرب يسمون معبوداتهم "آلهة".
مع اعتقادهم أنها ليست خالقة لهذا الكون ولا مالكة؛
كما حكى الله عنهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]
وقال عنهم: إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا [الفرقان: 42]
وقال سبحانه وتعالى: وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات:36]
فأنت ترى في هذه الآيات أن المشركين سموا معبوداتهم "آلهة".
مع أن المشركين لم يعتقدوا فيها أنها خالقةٌ لهذا الكون وأربابٌ للعالم.
وهذا ما سنتحدث عنه في المؤاخذة الآتية.
فنثبت أن تفسير "الألوهية" و"الإله" "بالربوبية" والمالكية والصانع تحريف وتعطيل وإبطال وضلال وإضلال.
المؤاخذة الثالثة: لقد بينا أن مشركي العرب سموا معبوداتهم "آلهة" ولكنهم مع ذلك لا يعتقدون فيها أنها خالقةٌ للكون أو شريكةٌ مع الله تعالى في الخلق والربوبية والتدبير أو مالكة بل يعتقدون أنها مملوكة.
وذلك لوجوه:
الوجه الأول: اعتراف المشركين بأن آلهتهم من دون الله ليست خالقة لهذا الكون ولا مدبرة ولا رازقة ولا مالكة.
قال الله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس: 31]
الوجه الثاني: أن المشركين إذا أصابهم ضرُّ عظيم وخطب جسيم تركوا دعاء آلهتهم من دون الله وتضرعوا إلى الله تعالى وحده؛ لعلمهم أنها لا تنفع ولا تنجي.
قال الله تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء:67]
وقال سبحانه وتعالى: وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ... [لقمان: 32]
قلت: لو تدبر القارئ في هاتين الآيتين وأمثالهما لبان له أن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم أنها خالقة، رازقة، مدبرة لهذا الكون ومالكه.
فكيف تفسير "الألوهية" بالربوبية؟ و"المالكية"؟.
وكيف يصح جعل "الإله" بمعنى الخالق الصانع المالك؟.
الوجه الثالث: وهذا أصل الوجهين الأولين.
وهو أن المشركين من العرب قد صرحوا واعترفوا بأنهم قد اتخذوا آلهة من دون الله تعالى، شفعاء لهم عند الله سبحانه، وأنهم لا يعبدون آلهتهم إلا ليقربوهم من الله تعالى ومعلوم أن الشفيع غير مالك، وأن الوسيلة ليست هي المقصودة، فالخالق، الرازق، المالك، المدبر عندهم هو "الله" وسبحانه وحده. أما آلهته من دون الله من ملك مقرب أو نبي مرسل أو ولي صالح وغيرهم - فهي للشفاعة لهم عند الله تعالى، وللتوسل إلى الله سبحانه والتقرب إليه عز وجل؛
فقد كان أصل شركهم الوسيلة الشركية.
فقد قال الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس: 18]
وقال الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: 3]
قلت: هذه النصوص صريحة في أنهم كانوا يعبدون آلهتهم لا لأجل أنها خالقة رازقة، صانعة، مالكة، مدبرة للعالم، أو أنها أرباب بهذا المعنى، بل كانوا يعبدون الملائكة والأنبياء والأولياء ليشفعوا لهم عند الله تعالى.
الوجه الرابع: أن كثيرا من كبار أئمة الإسلام وكبار أساطين الكلام من الحنفية الماتريدية، والأشعرية الكلابية -
قد صرحوا - في تصوير عقائد مشركي العرب - بأن أصل إشراكهم بالله تعالى إنما هو التوسل الشركي، وأنهم لم يعبدوا آلهة باطلة من دون الله تعالى إلا رجاء أن يكونوا شفعاء لهم عند الله.
وأنهم لم يعتقدوا في آلهتهم الباطلة أنها خالقة رازقة، صانعة، مدبرة لهذا الكون ومالكه؛
فكيف يصح جعل "الإله" بمعنى "الرب" الصانع، الرازق، الخالق، المالك" لهذا الكون، والمدبر له؟.
وهذا دليل قاطع وبرهان ساطع على أن تفسير "الألوهية" بالمالكية - تعطيل وتحريف، وفيما يلي نماذج من نصوص هؤلاء الأعلام من أئمة الإسلام وأساطين الكلام - على أن أصل شرك مشركي العرب إنما هو التوسل الشركي وأنهم كانوا يعبدون آلهتهم الباطلة ليشفعوا لهم عند الله.
حيث قاسوا الله تعالى على ملك من الملوك الذين لا يتوصل إليهم إلا بواسطة وزرائه وأمرائه:-
1- الإمام الرازي فيلسوف الأشعرية (606هـ).
الذي أحب الكوثري التحاكم والفزع إليه وإلى أمثاله في أصول الدين ومعرفة التوحيد والشرك (7) .
والذي عظمه الحنفية الماتريدية غاية التعظيم وأثنوا عليه بما لا يخطر بالبال ومن ذلك قولهم في الثناء عليه: "ملك المتكلمين سلطان المحققين" (8) .
قال الرازي في تفسير قوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس: 18]
"ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان، على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل -
فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله.
ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق لتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم - فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله" (9) .
قلت: تدبر أيها المسلم، في هذا النص للإمام الرازي - ملك المتكلمين وسلطان المحققين - فقد تضمن بنصه ما يلي:
أ- أن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم الباطلة أنها خالقةٌ، رازقةٌ، مكونةٌ، مالكةٌ لهذا الكون.
ب- بل جعلوا هذه الصفات لله وحده وأنه الرازق السيد المالك المدبر لهذا الكون.
ج- وإنما عبدوا الآلهة الباطلة رجاء أن يكونوا شفعاء لهم عند الله.
د- هذا النوع من العقيدة هو التوسل الشركي المبني عليه إشراك المشركين.
هـ- أن الشرك الأكبر الذي كان موجوداً في مشركي العرب في الجاهلية موجود في كثير من عبَّاد القبور اليوم "القبورية".
فهل يمكن بعد تصريحات ملك المتكلمين وسلطان المحققين لأحد من رعية هذا الملك أو أحد من جنود هذا السلطان أن يفسر "الألوهية" و"الإله" بالربوبية والرب؟!! أو ينكر وجود الشرك في المنتسبين إلى الإسلام من عباد القبور وأهلها؟! أو يقول معنى الألوهية بعينه معنى المالكية.
2-6- قال العلامة السيد سند الشريف الجرجاني (816هـ) وحسن "الشبلي" "الجلبي" الفناري (886هـ) وعصام الدين الإسفراييني (951هـ) وساجقلي المرعشي (1150هـ) والمحقق محمد بن حميد الكفوي (1175هـ) وكلهم حنفية ماتريدية - واللفظ للأول:
"دون الوثنية، فإنهم لا يقولون بوجود إلهين واجبي الوجود ولا يصفون "الأوثان" بصفات "الإلهية"، وإن أطلقوا عليه اسم "الإله"، بل اتخذوها على أنها تماثيل الأنبياء، أو الزهاد، أو الملائكة، أو الكواكب واشتغلوا بتعظيمها على وجه العبادة توصلاً بها إلى ما هو إله حقيقة" (10)
قلت: هذا النص المهم الواضح لهؤلاء الماتريدية مشتملٌ على حق وباطل:
أما الحق فهو أمور ثلاثة:
أ- أن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم الباطلة أنها خالقة مدبرة للكون.
ب- أنهم عبدوا الأنبياء والصلحاء والملائكة والكواكب ليشفعوا لهم عند الله ويتوصلوا بهم إلى الله.
ج- أن أصل إشراكهم هو هذا التوسل الشركي.
وأما الباطل، فهو أمر واحد وهو زعمهم:
أن هؤلاء المشركين أطلقوا على آلهتهم التي عبدوها من دون الله، اسم "الإله" مجازاً لا حقيقة.
قلتُ: هذا باطل محض، والحق أنهم سموها "آلهة" على الحقيقة لا على المجاز لأنهم قد عبدوها على الحقيقة دون المجاز؛
فكانوا يدعونهم لدفع الضرر وجلب النفع، وينذرون لهم، ويسجدون لهم، إلى غير ذلك من أنواع العبادات الحقيقية التي كانوا يصرفونها لآلهتهم الباطلة ولا شك أن هذه عبادات حقيقية لا مجازية؛
فمن صرف له شيء من هذه العبادات الحقيقية - فلا شك أنه معبود حقيقة لا مجازاً، وقد تقدم أن "الإله" كل ما عبد سواء كان حقاً أم باطلاً.
فهذه المقدمات الأربع تنتج نتيجة حتمية واقعية،
وهي أن المشركين كانوا يطلقون اسم "الإله" على معبوداتهم إطلاقاً حقيقة لا مجازاً.
غير أن كل معبود سوى الله تعالى باطل لأنه لا يستحق العبادة أحد غير الله تعالى، فالله سبحانه وحده لا شريك له هو المستحق للعبادة.
وهو وحده تعالى منفرد بالألوهية.
والذي أوقع هؤلاء المتكلمين في هذا الباطل العاطل -
هو تفسيرهم للألوهية والإله، بالمالكيّة والرب والصانع.
فبنوا الفاسد على الفاسد والكاسد على الكاسد.
وزعموا: أن المشركين سموا من عبدوه من دون الله - آلهة مجازاً لا حقيقة. فلما انهار أساسهم الذي أسسوه على شفا جرفٍ هارٍ -
انهار بنيانهم الذي بنوه على هذا الأساس المنهار.
الحاصل: أن الماتريدية اعترفوا بأن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم من دون الله أنها خالقةٌ، مالكةٌ، صانعةٌ، مدبرةٌ، لهذا الكون، وأربابٌ لهذا العالم.
فبطل تفسيرهم للألوهية والإله، بالخالقية، والربوبية، والخالق والصانع كما فسد زعم الرستمي الفنجفيري أن معنى الألوهية معنى المالكية.
وثبت أن تفسيرهم هذا تعطيل لصفة "الألوهية لله تعالى، وتحريف لنصوصها.
وبطل زعم الشيخ محمد بن علوي المالكي: أن المشركين لم يكونوا جادين في اعترافهم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون.
8- وقال الإمام ولي الله الدهلوي الحنفي رحمه الله (1176هـ) في تصوير عقائد مشركي العرب وبيان أن أصل إشراكهم بالله تعالى هو التوسل الشركي.
"والمشركون وافقوا المسلمين في تدبير الأمور العظام وفيما أبرم وجزم، ولم يترك لغيره خيرة، ولم يوافقوهم في سائر الأمور.
ذهبوا إلى أن الصالحين من قبلهم عبدوا الله وتقربوا إليه.
فأعطاهم الله "الألوهية".
فاستحقوا العبادة من سائر خلق الله.
كما أن ملك الملوك يخدمه عبده فيحسن خدمته.
فيعطه خلعة الملك ويفوض إليه تدبير بلدٍ من بلاده،
فيستحق السمع والطاعة من أهل ذلك البلد.
وقالوا: لا تقبل عبادة الله إلا مضمومة بعبادتهم.
بل الحق في غاية التعالي فلا تفيد عبادته تقرباً منه،
بل لابد من عبادة هؤلاء ليقربونا إلى الله زلفى، وقالوا: هؤلاء يسمعون ويبصرون، ويشفعون، لعُبَّادِهم، ويدبرون أمورهم وينصرونهم.
فنحتوا على أسمائهم أحجاراً، وجعلوها قبلةً عند توجههم إلى هؤلاء.
فخلف من بعدهم خلف فلم يفطنوا للفرق بين الأصنام وبين من هي على صورته، فظنوها معبودات بأعيانها،
ولذلك رد الله تعالى عليهم تارة بالتنبيه على أن الحكم والملك له خاصة وتارة ببيان أنها جمادات..." (11) .
8- وله رحمه الله أيضاً كلامٌ طويلٌ آخر قال في آخره: "وهذا مرض جمهور اليهود والنصارى والمشركين وبعض الغلاة من منافقي دين محمد صلى الله عليه وسلم يومَنا هذا" (12) .
9- وقد صوّر الشاه ولي الله أيضاً عقائد المشركين بمثل هذا النوع في مقام آخر من أن أصل إشراكهم كان مبنياً على التوسل الشركي وأنهم لم يعتقدوا في آلهتهم أنها خالقة صانعة لهذا الكون أو أنها مدبرة، مالكة على الاستقلال.
بل كانوا يقولون: إن نسبة الآلهة إلى الله تعالى كنسبة الوزراء والأمراء إلى الملوك والسلاطين.
حيث لا يتوصل إلى الملك إلى بوزرائه وأمرائه.
ثم قال: "وإن كنت متوفقاً في تصوير حال المشركين وعقائدهم وأعمالهم -
فانظر إلى حال العوام والجهلة من أهل الزمان.
خصوصاً من سكن منهم بأطراف دار الإسلام.
كيف يظنون "الولاية" وماذا يُخَيَّلُ إليهم منها...؟
ويذهبون إلى القبور والآثار، ويرتكبون أنواعاً من الشرك،
وكيف تطرق إليهم التشبيه والتحريف؟.
ففي الحديث الصحيح: ((لتتبعن سنن من قبلكم، حذو النعل بالنعل)) (13) .
وما من آفة من هذه الآفات إلا وقوم من أهل الزمان واقعون في ارتكابها معتقدون مثلها عافانا الله سبحانه من ذلك" (14) .
قلت: نصوص هذا الإمام صريحة بما يلي:
أ- أن مشركي العرب لم يكونوا معتقدين في آلهتهم من دون الله، أنها خالقة رازقة مدبرة مالكة لهذا الكون.
ب- أصل شركهم هو التوسل الشركي من قياس الخالق تعالى على ملك من الملوك الذين لا يتوصل إليهم إلا بواسطة وزرائهم وأمرائهم وقد أتوا من قياس الغائب على الشاهد وقياس الغني على الفقير، وقياس عالم الغيب على من لا يعلم الغيب، وقياس الحي القيوم القادر القائم على كل نفس السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية على مخلوق عاجز جاهل.
ج- أن المشركين لم يعبدوا الأحجار والأصنام لذاتها.
وإنما عبدوها لجعلها قبلة لأرواح الأنبياء والأولياء عندهم،
وكان قصدهم عبادة هؤلاء الأنبياء والصلحاء دون الأحجار.
د- أنه لم يكن قصدهم بالذات عبادة هؤلاء الأنبياء والصلحاء بالذات أيضاً وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم إلى الله ويشفعوا لهم عند الله سبحانه.
هـ- أن إشراك المشركين العرب موجود في كثير من المنتسبين إلى الإسلام، فنراهم يرتكبون أنواعاً من الشرك الأكبر من عبادة القبور وأهلها، كما هو مشاهدٌ محسوسٌ، وحقيقةٌ واقعيةٌ لا تهمة خيالية.
فهل يمكن لهؤلاء المتكلمين بعد تصريح هذا الإمام أن يفسروا "الألوهية" و"الإله" بالخالقية، والخالق، والربوبية والرب؟ والمالكية.
أو هل يمكن لأمثال محمد بن علوي المالكي: أن يقول: إن المشركين لم يكونوا جادين بل كانوا هازلين في اعترافاتهم بالربوبية!.
أو هل يمكن لهم أن ينكروا وجود الشرك الأكبر في كثير من المسلمين من عبادة القبور وأهلها؟.
أو هل يمكن لأحد أن يقول: إن مشركي العرب كانوا يعبدون الأحجار والأصنام؟.
أما نحن فنعظم الأنبياء والأولياء ونتوسل بهم إلى الله تعالى ونحو ذلك؟
أو هل يمكن لأحد أن يقول: إن المشركين كانوا يعتقدون في الأحجار والأصنام أنها أرباب؟.
أما نحن فلا نعتقد ذلك في الأنبياء والأولياء، وإنما نتوسل بهم إلى الله؟ كما يقوله كثير من أدعياء العلم من أئمة العبودية؛
فيرتكبون تحت ستار التوسل - أنواعاً من الشرك،
ويثبتون للأولياء - تحت ستار الكرامة - كثيراً من صفات الربوبية؛
10- وقال العلامة المفسر محمود الآلوسي (1270هـ) مفتي الحنفية ببغداد في تفسير قوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس:18]:
"ونسبة الشفاعة للأصنام قيل باعتبار السببية، وذلك لأنهم - كما هو المشهور - وضعوها على صور رجال صالحين ذوي خطر عندهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادتها فإن أولئك الرجال يشفعون لهم..." (15) .
قلتُ: هذا النص واضح لا يحتاج إلى تعليق وكأنه نقله عن الإمام الرازي، فإن هذا النص مثل نص الرازي كما تقدم قريباً.
11- وقال الآلوسي رحمه الله أيضاً في تفسير قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:106]
"قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والشعبي، وقتادة: "هم أهل مكة، آمنوا وأشركوا، كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً تملكه وما ملك..." (16) .
ثم قال: ".... يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلاً، وكان مرتكباً ما يُعَدُّ شركاً كيفما كان.
ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله أعلم بحاله فيها، وهم اليوم أكثر من الدود" (17) .
قلتُ: نص الآلوسي هذا لا يحتاج إلى تعليق فهو واضح، غير أنه صريح في أمرين مهمين.
الأول: أن المشركين كانوا يصرحون وقت التلبية بأن آلهتهم لا تملك شيئاً فهم ومعبودهم كلهم جميعاً ملك لله تعالى.
والثاني: أن عبدة القبور اليوم - على كثرتهم الكاثرة كالدود - من هؤلاء الذين يؤمنون بالله وخالقيته وربوبيته، وهم مع ذلك يرتكبون أنواعاً من الشرك الأكبر من عبادة القبور وأهلها.
فهل يمكن - بعد هذه التصريحات واعتراف المشركين بأن آلهتهم لا تملك - لأحد من الماتريدية أن يفسروا "الألوهية" بالربوبية، و"الإله" بالرب الصانع المالك المدبر لهذا الكون؟ أو بالمالكية؟.
أو هل يمكن لأحد أن يقول: إن الاعتراف بتوحيد الربوبية اعتراف بتوحيد الألوهية؟ والقائل بربي الله قائل بلا إله إلا الله؟.
أو هل يمكن لأمثال العلوي المالكي أن يزعم أن المشركين لم يكونوا جادين في أن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون؟.
المؤاخذة الرابعة: أنه إن كان معنى "الألوهية" الربوبية، والصانعية ومعنى "الإله" "الخالق والرب أو معنى الألوهية المالكية -
يلزم أن تكون "كلمة التوحيد" غير مفيدة للتوحيد؛
لكن التالي باطل فالمقدم مثله.
أما بطلان التالي فأمر متفق عليه بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام،
ولأنه قد علم بالضرورة والاضطرار من دين الإسلام:
أن كلمة "لا إله إلا الله" كلمة التوحيد، ومفيدةٌ للتوحيد،
ولأن المشركين لم يعارضوا الرسل - عليهم الصلاة والسلام في "لا خالق إلا الله" أو "لا رب إلا الله".
بل كانوا يعارضونهم في "لا إله إلا الله" المفيدة لتوحيد العبادة واختصاص العبادة بالله وحده لا شريك له، والمتضمنة لإبطال الآلهة الباطلة.
كما قال الله سبحانه وتعالى: قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [الأعراف:70].
وقال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35].
وقال جل وعلا عن المشركين: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].
وقال عز من قائل: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45].
وقال عز وجل: ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12].
وقال تبارك وتعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [غافر:84]
وقال سبحانه وتعالى: وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4]
وأما بطلان المقدم فقد ظهر من بطلان التالي.
المؤاخذة الخامسة: أن هناك فروقاً أخرى بين الربوبية وبين "الألوهية" نذكر منها ما يلي:
أ- أن "الألوهية" هي الغاية العظمى من خلق الجن والإنس وإرسال الرسل وإنزال الكتب بخلاف "الربوبية" (18) .
ب- أن "الربوبية" دليل على "الألوهية" فالأولى دالة، والثانية مدلولة والأولى مستلزمة للثانية استلزم الدليل المدلول (19) .
ج- "الألوهية" مستلزمة "للربوبية" استلزام العلة الغائية للفاعلية (20) فالأولى "علة غائية" والثانية "علة فاعلية".
ولا شك أن الغائية والفاعلية شيئان متغايران لا مترادفان.
د- "الألوهية" متضمنة للربوبية" دون عكس (21) .
ومتضمنة لتوحيد الأسماء والصفات أيضاً (22) .
ولا شك أن المُتَضَمِّنَ والمُتَضَمَّنَ شيئان لا شيء واحد.
وصح لنا أن نقول: إن توحيد الألوهية كالكل، وإن توحيدي الربوبية والصفات كالجزئين له والربوبية والألوهية من الصفات أيضاً.
هـ- أن من أفنى عمره وأنهى قواه في تحقيق "الربوبية" لله تعالى لا يصير مسلماً بمجرد ذلك ما لم يحقق "الألوهية" لله عز وجل.
أما من حقق "الألوهية" لله تعالى، فقد حقق "الربوبية" له تعالى أيضاً بل حقق توحيد الصفات أيضاً.
و- أن توحيد "الألوهية" أخص من توحيد "الربوبية" فكل موحد بتوحيد "الألوهية" موحد بتوحيد "الربوبية" ولا عكس، لأن المشركين كانوا معترفين بتوحيد "الربوبية"، ومع ذلك كانوا مشركين في توحيد "الألوهية" (23) .
ز- أن أركان "توحيد الألوهية" هي عبادة الله تعالى بغاية الذل والخضوع له سبحانه وتعالى، وغاية الحب له تعالى، وغاية الرغبة في ثوابه عز وجل، وغاية الرهبة من عقابه جل وعلا، مع الإخلاص واتباع السنة.
فمن عبد الله بالحب وحده فهو "زنديق" ومن عبده بالرجاء وحده فهو "مرجئ" ومن عبده بالخوف وحده في "حروري" ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو "مؤمن موحد" (24) .
ومن عبده بدون الإخلاص فهو "المرائي المنافق" ومن عبده بدون اتباع السنة فهو "مبتدع راهب ضال" (25) .
قلتُ: لقد تبين لنا من هذه الدراسة ما يلي:
أ- مفهوم "الألوهية" ومفهوم "الربوبية" مفهومان متغايران، وليسا مترادفين، كما بينا ذلك من وجوه متعددة بفروق كثيرة وكذا الحال بين: مفهوم "الإله" وبين مفهوم "الرب" والألوهية والمالكية.
ب- فالألوهية، هي العبودية، فتوحيد الألوهية: هو العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده تعالى بالعبادة كلها وإخلاص الدين له وحده (26) .
ج- والربوبية "هي السيادة والخالقية والمالكية".
فتوحيد الربوبية: هو الإقرار بأن الله تعالى - رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه وأنه المحيي والمميت النافع الضار الذي له الأمر كله وبيده الخير كله القادر ليس له شريك في ذلك كله (27) .
د- تفسير "الألوهية" و"الإله" بالربوبية والمالكية، وبالرب والخالق - تفسير باطل لغة واصطلاحاً فبطل زعم الرستمي الفنجفيري.
هـ-ز- تفسير "الألوهية" بالمالكية والربوبية، وتفسير "الإله" بالخالق والرب - تعطيل لصفة "ألوهية" الله تعالى، وتحريف لنصوصها، وإلحاد في اسمه، "الإله" سبحانه وتعالى، حتى بشهادة الإمام أبي حنيفة رحمه الله وشهادة ثمانية من كبار أئمة الحنفية الماتريدية.
ح- أن تفسير "الألوهية" بالمالكية من قبيل حمل نصوص الكتاب والسنة على المصطلحات البدعية، وهو زيغ وتنكب لسبيل السلف ومنابذة لتخاطب العرب وتفاهم السلف، واللسان العربي حتى باعتراف الكوثري وشهادته.
ط- أن المعنى الصحيح لكلمة "لا إله إلا الله".
هو: "لا معبود بحق إلا الله".
ي- أن قول القائل في معناها: "لا مطاع بحق إلا الله "باطل؛ لوجوب طاعة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وكذا قوله: لا رب إلا الله" كما يزعمه المتكلمون باطل أيضاً، لأنه مما اعترف به المشركون، وهكذا قول: "لا إله موجود إلا الله" كما زعمه النحاة؛ لوجود الآلهة الباطلة، وكذا قوله: "لا إله في الوجود إلا الله - باطل (28) .
وكذا قول من قال: "لا موجود إلا الله"
فهذا أشد بطلاناً من الأقوال السابقة.

فارس الشهباء
اليوم, 06:56 PM
تحية إبدآع متوآصلْ
أحييكـم على روحـكـم آلعطرة
كآن لي بصمـة إعجآب بين طيآت صفحتكـم
مع بآقة ورد
،’
أنتظر آلقآدم بشوق
ودي قبل ردي

سمو الروح
اليوم, 05:29 AM
جزاك الله خير
وبارك الله فيك
وجعلها في موازين حسناتك
وأثابك الله الجنه أن شاء الله
على ما قدمت
http://www.shathaaya.com/vb/images/smilies/i.gif (http://www.hamsalshok.com/vb/showthread.php?t=25306)

ابو الملكات
اليوم, 04:49 PM
جزاك الله خير ورحم والديك وانار قلبك وعقلك بنور الايمان وجعل عملك هذا في ميزان حسناتك وجعل الجنة مثواك امين يارب

محروم
اليوم, 01:14 PM
فارس الشهباء

مشكووووور على المرور

محروم
اليوم, 01:15 PM
سمو الروح

مشكووووور على المرور

محروم
اليوم, 01:15 PM
أبو الملكات

مشكوووووور على المرور

بسمة آمل
اليوم, 10:07 PM
http://2.bp.blogspot.com/-1g9UGxGUWVw/T3FRbAZeCkI/AAAAAAAABwg/Na-2I5JxGZQ/s1600/silver1.gif
يعطيييك العااافيه لا عدمناك ,,
بأنتظااار جديدك الجذاب والمميز..
ودي وعبير وردي لك..
تقــــديري وآحتــرآمي
http://2.bp.blogspot.com/-1g9UGxGUWVw/T3FRbAZeCkI/AAAAAAAABwg/Na-2I5JxGZQ/s1600/silver1.gif

لحن الغرام
اليوم, 04:46 PM
جَزآگ اللهُ خَيرَ آلجَزآءْ
جَعَلَ يومَگ نُوراً وَسُروراً
وَجَبآلاُ مِنِ آلحَسنآتْ تُعآنِقُهآ بُحوراً..
جَعَلَهُا آلله في مُوآزيَنَ آعمآلَگ
دَآمَ

مجروح الخاطر
اليوم, 12:46 PM
جزاك الله خير
وجعلها الله في ميزان حسناتك
يعطيك العافيه

Ɲ Ȥ Ƒ
اليوم, 03:31 AM
الله يجزاك الف خير
عوافي ع الطرح